مهرجان الحمامات الدولي في دورته 58 إبداع يؤمنه فنانون تونسيون وأجانب من أنماط متعددة

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: يعتبر مهرجان الحمامات الدولي واحدا من أهم المهرجانات الصيفية التونسية التي راهنت عليها دولة الاستقلال لتنمية الحياة الثقافية والرقي بالذوق العام ولإشعاع المنطقة كقطب سياحي وثقافي. ويأتي هذا المهرجان الذي ينتظم بمسرح جميل للهواء الطلق تابع للمركز الثقافي بالمدينة مطل على ساحل بحر خليج الحمامات الساحر، في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد مهرجان قرطاج الدولي.

ولعل ما ساهم في إشعاع هذا المهرجان أيضا، إلى جانب مراهنة الدولة على إشعاعه في وقت ما، هو انتظامه بمدينة سياحية هامة مثل الحمامات تعج خلال فصل الصيف بمختلف الجنسيات من مختلف قارات العالم. ويأتي كثير من هؤلاء ليس فقط للاستمتاع بشواطئ المدينة وفنادقها ومنتجعاتها العصرية بل أيضا لمواكبة العروض الفنية الراقية في هذا المهرجان الصيفي الذي اعتلى ركحه كبار فناني تونس والعرب والعالم.

عروض متنوعة

وينتظم المهرجان هذا العام في دورته الثامنة والخمسين بداية من يوم 5 تموز/يوليو 2024 ويتواصل إلى غاية 3 آب/أغسطس 2024 وتم افتتاحه بعرض لمسرحية تونسية بعنوان «عطيل وبعد» من إخراج حمادي الوهايبي، وسيكون الاختتام بسهرة للفنان كريم ثليبي الذي سيقدم عرضا بعنوان «تخيّل». ومن أهم العروض التي تضمنها برنامج المهرجان عرض الفنانة رنين الشعار من لبنان وعرض توماتيتو من إسبانيا وعرض الفنان دانيلو ريا من إيطاليا وعرض الفنانة ناي البرغوثي من فلسطين.
كما يتضمن البرنامج عروضا للفنانات التونسيات ليلى حجيج وأمينة فاخت ويسرى محنوش، وعرضيْن إثنين للفنانيْن اللبنانييْن كارول سماحة ورامي عياش. ويتضمن أيضا مسرحيات هامة من تونس على غرار مسرحية «البوابة 52» لدليلة مفتاحي و«رقصة سماء» لطاهر عيسى بالعربي و«البخارة» لصادق الطرابلسي و«ألباتروس» للشاذلي العرفاوي، بالإضافة إلى عروض أخرى عديدة تونسية وعربية وعالمية.

صوت فلسطين

من أهم العروض التي شدت الانتباه في دورة هذا العام عرض المغنية والملحنة وعازفة الناي الفنانة الفلسطينية ناي البرغوثي الذي استهلته بأغنية «زهرة المدائن» لفيروز معلنة أن القدس هي مدينة ميلادها ولذلك غنت بإحساس مرهف وتأثر كبير ساهما في إيصال الرسالة إلى الجمهور الحاضر بكثافة. كما غنت من الفولكلور الفلسطيني «يما مويل الهوى» وغنت أغنية من قصائد شاعر فلسطين الخالد محمود درويش وقامت هي بتلحينها، وتحمل هذه الأغنية عنوان «فكر بغيرك» ومن كلماتها و«أنت تعد فطورك فكر بغيرك» وغنت أيضا لأم كلثوم والشيخ إمام وسيد درويش والأخوين الرحباني.
لقد كان عرضا مخصصا لفلسطين وداعما للمقاومة الصامدة أمام آلة الاحتلال الهمجية صرخت فيه الجماهير الحاضرة بشعارات من قبيل «فلسطين حرة من النهر إلى البحر» ورُفعت الأعلام الفلسطينية والكوفيات وكأن الأمر يتعلق بمظاهرة احتجاجية. وحتى الفنانة نفسها، التي غنت في مسرح ممتلئ بالكامل وحققت نجاحا باهرا على مستوى الإبداع والإمتاع الفني، ارتدت فستانا تفاصيله فلسطينية صرفة واختارت أن تخصص جزءا من عائدات جولتها الموسيقية في تونس لدعم مشاريع الإغاثة الإنسانية في غزة.

وللجاز نصيب

ومن العروض التي أثرت في الجمهور عرض عازف البيانو الإيطالي دانيلو ريا الذي أخذ الجمهور إلى عوالم موسيقى الجاز من خلال عرض سماه «الأوبرا الكبيرة للجاز» الذي قدم من خلاله فنانين وعروض فيديو وصورا فوتوغرافية تكريما منه لكبار مغني الأوبرا. ومن النجوم الذين تم تسليط الضوء عليهم في هذا التكريم ماريا كالاس وبنيامينو جيجلي وإنريكو كاروسو، والحاضر الغائب في هذا التكريم هو دانيلو ريا نفسه، الذي برز في عالم الجاز وتعددت تجاربه منذ سنة 1975 تاريخ ظهوره لأول مرة مع الفنانيْن إنزو بيتروباولي وروبرتو جاتو فيما عرف يومها بثلاثي روما.
لقد كان العرض مميزا وفريدا وغير معتاد باعتباره عملية دمج للماضي مع الحاضر، لعزف دانيلو ريا المنفرد على آلة البيانو الساحرة مع الأصوات التي تنبعث من التسجيلات التاريخية لعمالقة الغناء الأوبرالي في مشهد رائع واستثنائي. ويندمج كل ذلك مع نسيم البحر المتوسطي الأسطوري المنبعث من خليج الحمامات الساحر الذي يحاذيه مسرح العروض حتى بدا وكأن البحر نفسه هو راعي هذا المهرجان الذي حافظ هذا العام على توجهه نحو العروض الراقية التي تليق بالهدف الذي بُعث من أجله.

نضالات
التونسيات

ومن العروض اللافتة لهذا العام المسرحية التونسية «البوابة 52» وهي من إخراج دليلة المفتاحي، ونص دنيا مناصرية، وتمثيل دليلة المفتاحي وعبير صميدي وشيماء التوجاني وسناء حافظ وكمال الكعبي، وتروي قصص نساء حملن السلاح جنبا إلى جنب مع المقاومين أيام الاستعمار الفرنسي ولكن التاريخ لم ينصفهن ولم يأت على ذكرهن كثيرا. والمناضلات هن حسنية رمضان عميد وفاطمة بنت علي النيفر وخديجة شعور وزكية بنت محمد الأمين باي، آخر ملوك تونس الذي تمت الإطاحة بعرشه سنة 1957 أي بعد استقلال البلاد بقرار اتخذه رئيس الحكومة آنذاك الحبيب بورقيبة ورفاقه في الحزب الدستوري وتمثل في الإطاحة بالنظام الملكي وإعلان تونس جمهورية.
وتنطلق الأحداث أمام البوابة 52 للمطار حيث تجتمع تونسيات قاومن الاستعمار ويتحدثن عن انزعاجهن من التجاهل الذي عانين منه وعن عدم الاعتراف بالجميل لهن من قبل شعب أعطى للمرأة حقوقها إلا أن الذكورية طغت على نمط تفكيره فأعطى الريادة في الحركة الوطنية للرجال دون سواهم. وإن كان الأمر مفهوما بالنسبة للأميرة زكية إبنة الملك الأمين باي التي تمت إزاحة والدها عن العرش وبالتالي من المتوقع أن لا يقع الاعتراف بجميل نظام والدها ويقوم الغالب بتشويهها، إلا أن غير المفهوم هو لماذا يتم تهميش الأخريات وهن اللواتي دفعن الغالي والنفيس في سبيل استقلال تونس وحريتها ومناعتها.
لقد تحول مسرح الحمامات إلى فضاء لاستعراض نضالات تجاهلها المؤرخون فيها حمل السلاح وفيها الاعتقالات في السجون وفيها الحرمان والعزل وغيرها، وبالنهاية لا أحد يستذكر اليوم هذه الأسماء مثلما يستذكرون الحبيب بورقيبة وفرحات حشاد ومحمد الدغباجي وغيرهم. هل هو الجحود والنكران؟ هل هي العقلية الذكورية من تقف خلف ذلك؟ لا أحد يعرف الجواب ولا أحد تساءل من قبل هذا السؤال. ولكن مسرحية «البوابة 52» لمطار تونس قرطاج الدولي دفعت البعض إلى التساؤل وكأنها دعوة للقيام بمراجعات على ما كتب من تاريخ البلاد باتجاه إنصاف المرأة التونسية المكافحة والمناضلة من أجل الحرية.

برمجة ثرية

ترى الصحافية التونسية المختصة في الشأن الثقافي منى بن قمرة في حديثها لـ«القدس العربي» أن البرمجة في مهرجان الحمامات الدولي لهذا العام كانت ثرية جدا ودسمة إلى حد كبير ومليئة بالعروض الجيدة والهادفة. فالمصطاف بمدينة الحمامات وبعد قضاء يومه بين الشواطئ والمسابح والمطاعم السياحية وغيرها من أماكن الترفيه، بإمكانه ليلا، حسب محدثتنا، أن يستمتع بالعروض الراقية للمهرجان الذي احترم هذا العام بشكل لافت الغاية التي بعث من أجلها.
وتضيف قائلة: «لقد راعى المهرجان هذا العام الأذواق المتعددة لكن في إطار من الرقي وتجنب النزول إلى مستنقع العروض التجارية الهابطة، وقام بالتنويع بين الغناء والموسيقى والمسرح وغيرها ونجح في جلب مبدعين من تونس ومن العالم العربي ومن دول العالم. وقد أثبت أن لهذه العروض جمهورها القادر على ملء مدرجات المسارح وعلى جعل المهرجان رابحا من الناحية المادية ويا ليت مهرجانات أخرى تنسج على منوال مهرجان الحمامات وترتقي بذوق الجمهور».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية