مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية: عندما يصبح الفن التشكيلي عرضا فرجويا ويطرق أبواب الجميع

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: في مدينة المحرس الساحلية الجميلة الهادئة، بوابة الجنوب الشرقي التونسي، التأمت طوال الشهر الحالي فعاليات الدورة 35 من المهرجان الدولي للفنون التشكيلية – وهو أول مهرجان من نوعه يعنى بالفنون التشكيلية -وذلك بمشاركة أكثر من 30 فنانا في المعارض والورشات من تونس والسودان وليبيا وسوريا والعراق وإيطاليا والمغرب والكوت ديفوار وبريطانيا وروسيا وسلوفاكيا والكونغو وفرنسا والجزائر. وتنتظم هذه الدورة تحت شعار «على درب المؤسِّسين: بحثاً عن طُرق جديدة للعيش» وتحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية وبدعم من المندوبية الجهوية للثقافة بصفاقس والمجلس البلدي بالمحرس والمجلس الجهوي بصفاقس.

متحف الهواء الطلق

إن المؤسسين الذين أشار إليهم شعار الدورة، هم أساسا الفنان يوسف الرقيق ومحمد قدوار وإسماعيل حابة الذين ساهموا في جعل المحرس متحفا في الهواء الطلق للفنون التشكيلية يحج إليه الفنانون سنويا من مختلف أنحاء. ويترك هؤلاء الرسامون والنحاتون بعض أعمالهم على شاطئ المحرس وهو ما يجعل هذه المدينة الهادئة تتحول إلى عاصمة للفن التشكيلي بامتياز وقبلة للزوار من محبي الفن التشكيلي الذين يتوافدون من مختلف أنحاء البلاد.
لقد ازدانت المحرس طيلة أيام المهرجان بحلة جميلة سواء تعلق الأمر بشوارعها أو بقاعة الإفتتاح التي اختلطت فيها الألوان الزاهية الجميلة، كما شهدت عروضا تنشيطية وصلت إلى شاطئ الواجهة الشرقية التونسية للبحر الأبيض المتوسط. وشهد هذا الشاطئ عرضا للأعمال الفنية وهو ما جعل الفن التشكيلي في هذا المهرجان موجها للعموم وليس حبيس الجدران في قاعة عرض مغلقة وهي ميزة من ميزات هذا المهرجان الذي ذهب إلى الناس ولم ينتظر قدومهم.
ولم تذهب اللوحات والمنحوتات لوحدها إلى الفضاء العام في الشوارع والشواطئ، إذ لحق بها الرسامون والنحاتون وقاموا بإنجاز بعض الأعمال أمام العموم، فأصبح الرسم وكذا النحت عرضا فرجويا شبيها بالعروض المسرحية والسينمائية يتم أمام أعين تلمح تشكل اللوحات والمنحوتات بإعجاب. وبالتالي فقد أخرج المهرجان كلا من الرسام والنحات من الصورة النمطية لذلك الرجل المعزول عن العالم والذي يعمل بهدوء وبتركيز كبير ودون رقيب، وتحول إلى متفاعل مع الجمهور تماما كالممثل أو المغني أو العازف.

لا رقي دون حياة ثقافية

ولم يقتصر المهرجان على الفنانين التشكيليين المحترفين بل سعى إلى الإنفتاح على الجميع وذلك من خلال الورشات التي شهدت حضور الفنانين الهواة الراغبين في الاحتكاك بالأسماء الكبيرة وكذلك طلبة معاهد الفنون الجميلة والأطفال المغرمين بالرسم. فكانت ورشة الترميم وصيانة الأعمال الموجودة في حديقة الفنون، وورشة الفنانين وورشة الرسم وورشة النحت وورشة الحفر وورشة الجداريات بالإضافة إلى ورشتي الأطفال واليافعين.
فقد تمت برمجة ندوة فكرية وأمسية شعرية تحت إشراف الكاتب الصحافي والشاعر الهادي جاء بالله تمت فيها استضافة الشاعر المنصف الوهايبي والشاعرة فرح الجبالي والناقد معز الوهايبي. كما تم تقديم كتاب للدكتور إبراهيم الحيسن وآخر للدكتور بن يونس عميروش، وتم تكريم الشاعر التونسي نور الدين بوجلبان، وكل ذلك بإشراف المنسق محمد بن حمودة. كما تم خلال المهرجان تنظيم ندوة فكرية من قبل المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة تتعلق بـ«واقع الفن التشكيلي والقانون التونسي». وتتفرع هذه الندوة إلى محاور تتعلق بحماية مصنفات الفن التشكيلي في الفضاء الرقمي، وبماهية حق التتبع وسبل التطبيق.
ولم ينس مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية مؤسسيه الأوائل فأينما يولي المرء وجهه يجد ما يشير إلى الحنين في هذه الدورة لمن أعطوا وقتهم وجهدهم لإنجاحها لكن المنية وافتهم قبل إتمام المهمة، وفي هذا الإطار تقول الإعلامية التونسية ليلى بورقعة في حديثها لـ«القدس العربي»: «لئن كانت أسباب الرحيل عديدة ومنها وجع الحياة، فإنّ المدير السابق لمهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية إسماعيل حابة قد غادرنا مساء الأحد 15 كانون الثاني/يناير 2023 بعد أن عقد اجتماعا في صباح اليوم ذاته لوضع الخطوط الكبرى لملامح الدورة 35 من المهرجان. ولا شك أنّ بصمته ورؤيته ميّزت بشكل أو بآخر ملامح الدورة 35. وفي وفاء لروح إسماعيل حابة اختارت الهيئة المديرة للمهرجان أن تحمل المعلقة الرسمية للمهرجان صورة الراحل، وأن تعد روحه بمواصلة المشوار تحت شعار المهرجان على درب مؤسسيه، ليبقى إسماعيل حابة غائبا بالحضور وحاضرا بالغياب».

تمازج الفنون

ويؤكد علي بوعلي رئيس مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية والمُربي والناشط في المجتمع المدني بالجهة، في حديثه لـ«القدس العربي» على أن هذه الدورة 35 للمهرجان الدولي للفنون التشكيلية بالمحرس، التي انتظمت تحت شعار «المهرجان على درب المؤسسين وفاء منا لمن فارقنا منهم» عملت على تنشيط الحياة الفنية والتشكيلية وغرس قيم الجمال. كما أكد مدير المهرجان على أن هذه الدورة احتضنت الهواة للفن التشكيلي من مختلف المشارب، رسم، نحت، حفر تصوير فوتوغرافي. ولتحقيق أهدافه استدعى المهرجان، بحسب محدثنا، فنانين من تونس ومن العالم أيضا من مختلف القارات، ولم يقتصر على الرسامين والنحاتين المحليين.
وأكد محدثنا على ان الفنون قد تمازجت في المحرس، فأثناء فترة المهرجان والتي كانت تدوم أسبوعين في البداية، والآن ولأسباب مادية، تم الاقتصار على أسبوع، يتم استدعاء شعراء يؤثثون أمسيات شعرية. كما تقام سهرات وحفلات فنية مجانية ومفتوحة في حديقة المهرجان، وكانت منابر المهرجان تخصص حيزا زمنيا يمتد على يومين لتقديم تجارب الفنانين، ومسيراتهم ورؤاهم الفنية ويقوم بتنشيط هذه المنابر أساتذة ومختصون، وهي من الفقرات المهمة.
ويضيف محدثنا قائلا: «كما يهتم المهرجان بالأطفال، حيث يخصص لهم ورشة ينشطها فنانون، يتدرب فيها الحاضرون على مخالطة أولية للفن التشكيلي، ويمكن المهرجان اليافعين والهواة من المشاركة في ورشات خاصة بهم. ويشارك هذه السنة فنانون من ليبيا، والمغرب، وسوريا، وفرنسا، وانكلترا، والكونغو، وسلوفاكيا، وروسيا وإيطاليا والجزائر إلى جانب فنانين من تونس».
ووجه تحية لكل من ساهم في إنجاز هذه الدورة من المهرجان الدولي للفن التشكيلي بالمحرس ولكل المؤسسين، خاصة يوسف الرقيق، محمد قدوار، رجب الطرابلسي، وأسماعيل حابة. ويؤكد بو علي أن هذا المهرجان سيتواصل ولن ينقطع وهو مفتوح لكل الطاقات المبدعة، داعيا الشباب إلى الاهتمام بالشأن الثقافي لأنه لا تقدم ولا رقي دون حياة ثقافية تحرس الموجود، وتحرص على بناء الأجمل والأرقى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية