تونس ـ «القدس العربي»: حصدت مسرحية “صمت” للمخرج الكويتي سليمان البسام مؤخرا التانيت الذهبي لأيام قرطاج المسرحية في دورتها الأخيرة، ويجدر التذكير بأن تانيت التي تم اقتباس إسم الجائزة الكبرى لمهرجاني قرطاج للسينما والمسرح منها، هي آلهة الخير والخصب لدى القرطاجيين القدامى أجداد التونسيين. كما نالت المسرحية جائزة أفضل نص وجائزة أفضل أداء نسائي التي نالتها عن جدارة وللمرة الثانية على التوالي في مهرجان أيام قرطاج المسرحية الممثلة السورية حلا عمران.
العرض الأول
والمسرحية تعرض للمرة الأولى بعد أن وجد البسام في تونس ومهرجان قرطاج بعراقته وفخامة إسمه المكان الأفضل لتدشين سلسلة عروضه وكان الاختيار موفقا بحصد ثلاث جوائز بالتمام والكمال من بينها الجائزة الكبرى. ويتوقع أن تحصد هذه المسرحية جوائز أخرى في عدة مهرجانات سيدخلها البسام بكل ثقة بالنفس اعتبارا لمرجعية أيام قرطاج المسرحية ومصداقية جوائزها وثقة الآخرين في تقييماتها.
وكانت مسرحية سليمان البسام “آي ميديا” قد فازت أيضا في دورة سنة 2021 لأيام قرطاج المسرحية بثلاث جوائز هي جائزة أفضل نص، وجائزة أفضل سينوغرافيا للفرنسي إيريك سواييه، وجائزة أفضل ممثلة وكانت أيضا من نصيب الممثلة السورية حلا عمران. ولعل ذلك هو السبب في تواصل تعامل البسام مع حلا عمران التي أبهرت جمهور الفن الرابع في تونس بأدائها وحسن إتقانها لدورها واحترافيتها فجدد لها التكريم وتوجها للمرة الثانية برمز التانيت كأفضل ممثلة من دون منازعة ولا جدال.
لقد توقع الكل فوز”صمت” البسام بالتانيت الذهبي منذ العرض الأول لأن كل العناصر اكتملت فيها من حيث الشكل والمضمون، الإخراج السيناريو السينوغرافيا والإبداع على الركح من خلال أداء الإستثنائية بكل ما للكلمة من معنى حلا عمران. والأخيرة أيضا توقع الكل أن منذ العرض الأول أن تنال جائزة أفضل ممثلة وعندما تم الإعلان عن الجوائز شعر الجميع بمدى مصداقية أيام قرطاج المسرحية خلافا لمهرجانات أخرى عرفت بالمحاباة لمواطنيها وبمنح بعض فتات الجوائز للآخرين من المقربين.
مرفأ بيروت
وتتطرق المسرحية إلى حادثة انفجار مرفأ بيروت في شهر آب/أغسطس من سنة 2020 وهي مأساة يعاني لبنان من آثارها إلى يوم الناس هذا، ضربت اقتصاد بلد الأرز ضربة قاصمة وكأن قدر هذه الأمة أن تستهدفها المآسي والخطوب بشكل مستمر ومتواتر. إن انفجار مرفأ بيروت ليس انفجارا عاديا بل لعله الأضخم عبر التاريخ إذا استثنينا هيروشيما وناغازاكي، ولبنان قبل انفجار مرفأ بيروت ليس هو لبنان بعد الانفجار من كل النواحي وبالتالي فهو لحظة فارقة بين زمنين.
لقد كاد هذا الانفجار أو التفجير أن يحول بيروت إلى مدينة أشباح لكن إرادة الحياة لهذه المدينة الرمز كانت أقوى بكثير. كأن ما حصل هو استنساخ للماضي حين حاولوا الإجهاز على بيروت خلال الحرب الأهلية والاجتياح الصهيوني لكن بيروت صمدت صمودا أسطوريا وانتفضت من تحت الرماد كطائر الفينيق. ربما قدر هذه المدينة هو الصمود والصمود ولا شيء غير الصمود وفي كل الأزمان والعهود، وما بقي الإنسان في هذا الوجود، وهو قدر المدن الكبرى الخالد ذكرها في التاريخ.
لقد حافظ قرطاج المسرحي من خلال تتويجه لهذه المسرحية على صبغة مسرحه الهادف الذي يراه البعض سياسيا ويراه البعض الآخر إنسانيا نابعا من تجارب الإنسان في تعامله مع تعقيدات هذه الحياة. وفي كل الأحوال هو مسرح راق لم يسقط في الابتذال الذي سقطت فيه مهرجانات أخرى أرادت تقليده لكنها لم تصمد أمام إغراءات المادة والرغبة في الربح السهل والسريع.
نص متمرد
تقول الصحافية التونسية المتخصصة في الشأن الثقافي ليلى بورقعة في حديثها لـ”القدس العربي” عن مسرحية “الصمت”: “جاء نص سليمان البسام في عرض “صمت” متمردا على كل القوالب الجاهزة والأنماط المعتادة، ومنفلتا من عقال الأبجديات والتيارات والجماليات المتكررة والمكررة. في متون لغة الضاد انساب النص بمنتهى السلاسة كالماء، وتسرب بمنتهى المرواغة كالسراب… لكن مرة أخرى نجح صاحب النص في تحرير كلماته من اللغة الخشبية ليبعث في أحشائها روحا معاصرة، وليلبسها ثوب الطرافة ولينطقها بلسان السخرية التي تبلغ أقصى الأقاصي كلما تفاعل معها الجمهور أكثر فأكثر”.
وتعتبر محدثتنا أن “مسرح سليمان البسام هو خارج التصنيف ولا يخضع إلى أي ترتيب، فهو برأيها فرجة ومتعة وكفى، أمام ركح يبدو وكأنه “روف توب بارتي” (حفل فوق سطح). وترى أن البسام اختار في “صمت” اللعب على حد السيف في مقاربة القضايا الراهنة وشواغل الإنسان المعاصر من دون أن يطلق أحكاما أو أن يرسل مواعظ بل أرخى للجمهور الحبل في تقرير مصيره. فإمّا أن يكون هذا الحبل طوق نجاة وإما أن يكون قيدا يخنق الأنفاس ويكبّل كل الحريات”.
وتتساءل محدثتنا بإعجاب شديد وانبهار لا يوصف بأداء الممثلة السورية حلا عمران فتقول: “كيف للممثلة والمغنية حلا عمران أن تحمل النص مثل رضيع بين يديها فتهدهده على نغم صوتها كحلم وكأمل؟ وكيف لها أن تلتبس بعمق الكلمات فتحملها بين ضلوعها وجعا وألما؟ من أين جاءت حلا عمران بكل هذه الطاقة الجبارة لتزعزع الركح تحت قدميها ومن حولها ولتهز الجمهور بإشارة من يديها أو بإيماءة من جسدها أو بأغنية أو بصرخة أو بضحكة؟”. وتضيف: “لقد استحقت حلا عمران عن جدارة جائزة أفضل أداء نسائي بعد أن تركت بينها وبين المنافسة مع الممثلات الأخريات مسافة كبيرة من الإبداع والإقناع والرفع من سقف الفن عاليا… عاليا”.
تتويجات هامة
وتجدر الإشارة إلى أن مسرحية “شمس” لأمين بودريقة من المغرب قد فازت بالتانيت الفضي، وفازت بالتانيت البرونزي مسرحية “الفيرمة” لغازي الزغباني من تونس الذي نال أيضا جائزة أفضل أداء رجالي عن دوره في هذه المسرحية. فيما آلت جائزة نجيبة الحمروني لحرية التعبير لمسرحية “ڤودزيلا – الظاهرة” لأوس إبراهيم مع تنويه خاص بمسرحيتي “عشاء الكلاب” ليوسف مارس و”رُهاب” لمؤيد الغزواني.
وتضمن المهرجان مشاركة السجناء التونسيين وإنتاجهم لعدد من المسرحيات ضمن مسابقة خاصة، وفي هذا الإطار ذهبت الجائزة الأولى لمسرح الحرية إلى مسرحية “سفر” من سجن برج الرومي. ونالت الجائزة الثانية مسرحية “لا مطلق ولا معلق” من سجن المهدية، بينما نالت مسرحية “الشركة تركة” من سجن سوسة المسعدين الجائزة الثالثة لمسابقة مسرح الحرية.
مزرعة الاستبداد
وتتحدث مسرحية الفيرمة أي المزرعة أو الضيعة، والفائزة بالتانيت البرونزي عن “سي الأمجد” وهو رجل ثري يمتهن أيضا النشاط السياسي الذي يجعله عرضة إلى حملات بمواقع التواصل الاجتماعي تشنها الحقوقية “ميساء”. ونتيجة لذلك يقوم السياسي بتهديد الحقوقية في البداية ثم القيام باختطافها وإيداعها بضيعته الفلاحية أو فيرمته حيث يوجد أشخاص آخرون.
ويوجد في الفيرمة مبنى فيه خمس غرف تضم خمس شخصيات تعيش في عزلة عن العالم. فهناك شقيق السياسي وزوجة السياسي اللذين يعيشان الظلم والقهر والاستبداد وتسلط صاحب الفيرمة وقمعه لكل صون معارض. وتضم الغرفة الثالثة صاحب العصا الغليظة الذي ينفذ قرارات صاحب الفيرمة بقمع معارضيه. وتضم الغرفة الرابعة الناشطة الحقوقية المخطوفة، فيما الغرفة الخامسة هي لسيد الفيرمة.
وترمز الفيرمة إلى الدول الاستبدادية العربية بالأساس حيث تعامل الشعوب كقطعان المواشي في المزارع أو الضيعات أو “الفيرمات”. ويسيطر الحاكم بالقوة على قطيعه ويحبسهم ويمنع عنهم التواصل مع العالم الخارجي لكن إرادة بعضهم في التحرر والانعتاق أكبر بكثير من بطش المستبد.