مهرجان «مرايا الفنون» في القلعة الكبرى التونسية رحلة ثقافية وفنية ومعين لا ينضب من الإبداع

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: بدأ مهرجان مرايا الفنون في مدينة القلعة الكبرى بالساحل التونسي يحتل مكانته على خريطة أهم المهرجانات المحلية من خلال النجاحات التي حققها في السنوات الأخيرة ببرمجته الدسمة السنوية التي تطال مختلف الفنون وتلبي مختلف الأذواق. ولم تشذ دورة هذا العام، وهي الثامنة منذ انبعاثه، عن القاعدة وتضمنت برمجة هامة شدت إليها أنظار المثقفين والمبدعين وعشاق مختلف الفنون سواء في ربوع ولاية سوسة ومنطقة الساحل أو حتى خارجه.

فقد بات لمهرجان مرايا الفنون صيت واسع سواء في مجال الموسيقى والغناء، أو في مجالات أخرى على غرار الشعر والأدب والكتابة عموما والفن التشكيلي والمسرح والسينما والكوريغرافيا وغيرها. وتميزت عروضه بجودة عالية أصبحت تفتقدها كبرى المهرجانات في تونس والتي أصبح بعضها يفتح ركحه ودور عرضه لمن هب ودب طمعا في الربح المادي السهل على حساب الذوق الراقي. فمن النادر جدا أن يجد المرء في تونس البلد السياحي، وفي منطقة سياحية هامة، على غرار ولاية سوسة، مهرجانا صيفيا يهتم بالفن التشكيلي والشعر والأدب وآخر الإصدارات لدور النشر بالإضافة إلى المجال الفكري. فأغلب الاهتمامات تنصب على الموسيقى والغناء وبدرجة أقل المسرح والسينما وذلك إذا ترك البحر وصخب المناطق السياحية مساحة ضئيلة لعشاق الإبداع الثقافي والفني للاستمتاع بعشقهم.
إن زائر مهرجان مرايا الفنون بالقلعة الكبرى بإمكانه المراوحة بين الاستمتاع بسياحة البحر والأنشطة الترفيهية، وبين الاستمتاع بالعروض الفنية والثقافية الراقية في مزيج استثنائي لا يتحقق إلا في ربوع ولاية سوسة وقلعتها الكبرى. فمن بامكانه أن يقاوم إغراء السباحة في شاطئ بوجعفر أو شط مريم أو في مسابح فنادق القنطاوي وأماكن الترفيه في تلك الربوع، ثم التحول إلى دور وفضاءات العرض في القلعة الكبرى للاستمتاع بنغمات كمان ياسمين عزيز أو حضور تقديم إصدار جديد من قبل مؤلفه أو التجول بين لوحات فنان تشكيلي أو مشاهدة فيلم أو مسرحية، أو للإنتشاء بنظم القوافي من قبل هذا الشاعر وذاك.
ولعل أهم مميزات دورة هذا العام من مهرجان مرايا الفنون هو انفتاح المهرجان على فنانين وفرق فنية من أفريقيا والعالم العربي وعدم اكتفائه بالإنتاج الثقافي والفني المحلي. فقد حضرت في هذا الحدث الثقافي الهام، وعلى سبيل المثال الفنانة الكاميرونية موران فوربا وكان عرضها لافتا وشد إليه الأنظار، وكذلك الشأن بالنسبة لفرقة الشباب الموسيقي العراقية التي حركت عشق التونسيين لبلاد الرافدين وإرثها الحضاري والثقافي.

نضج وانفتاح

ويؤكد مدير مهرجان «مرايا الفنون» بالقلعة الكبرى عبد الحكيم بلعيد في حديثه لـ«القدس العربي» أن هذه الدورة من المهرجان التي اختتمت الأحد 20 آب/أغسطس، شهدت نقلة نوعية من حيث المحتوى ومن حيث جودة العروض المقدّمة. فقد بدأ هذا المهرجان، حسب محدثنا، ينضج وينفتح على تجارب فنية جديدة، كما أنه استحدث فقرات جديدة من بينها «مرايا الكتب» الذي تم يوم السبت 19 آب/أغسطس الجاري تقديم كتابيْ «آلام متقاطعة» لمحمد علي خليفة و«محمد علي الطاهري: الشورى والقضية التونسية من خلال رسائله للشيخ عبد العزيز الثعالبي» للكاتب محمد مسعود إدريس.
ويضيف قائلا: «تقوم فلسفة المهرجان على البعد الثقافي الفكري دون الاقتصار على العروض الفنية، حيث يحضر الفن التشكيلي والشعر واللقاء الفكري، فضلا عن المسرح والسينما والعروض الموسيقية. وقد انطلق المهرجان بعرض للفنانة محرزية الطويل، وهو عرض شدّ انتباه الجمهور الحاضر، الذي أظهر أنه ذوّاق وتوّاق إلى الفن الأصيل حيث تفاعل مع الحفل وطالب بالمزيد، وينطبق الأمر أيضا على سهرة الفنانة عازفة الكمان ياسمين عزيز الذي حظي بمتابعة جماهيرية عريضة حيث أمتعت ياسمين عزيز الحضور عزفا وغناء وأظهرت إمكانيات عالية وغنّت بمختلف اللغات وكان العرض واحدا من أنجح عروض الدورة الحالية.
وفي إطار انفتاح المهرجان وسعيه على الإشعاع الخارجي والتعاون الثقافي الدولي، تمت برمجة عرض للفنانة موران فوربا من الكاميرون وذلك يوم 15 آب/أغسطس، وعرض آخر لفرقة الشباب الموسيقي من العراق وذلك في اليوم الموالي. كما شهدت الدورة الحالية أيضا تثمينا لجهود النوادي الناشطة بدار الثقافة بالقلعة الكبرى حيث تم تخصيص سهرة يوم 19 آب/أغسطس لنادي الكوريغرافيا بدار الثقافة بالقلعة الكبرى، وتمت برمجة عرض «دانة» للفنانة روضة عبد الله وذلك يوم الخميس 17 آب/أغسطس، وكان الموعد مجددا مع الأمسية الشعرية «ليلة القوافي» وهي من الفقرات القارة للمهرجان منذ دورته التأسيسية ومن بين أكثر الفقرات استقطابا للجمهور».
ويعتبر محدثنا أن الدورة الحالية حققت أهدافها من حيث ترسيخ مهرجان صيفي بمدينة القلعة الكبرى كأحد أبرز التظاهرات المنتظمة، وكمكوّن أساسي من مكونات المشهد الثقافي بالمدينة وبالجهة. كما يعتبر أيضا أن هذه الدورة حققت أهدافها من حيث جودة العروض التي تم تقديمها رغم ضغط الوقت وقلة الإمكانيات.

رحلة تشكيلية

وأكد الرسام التونسي العالمي محمد الزواري في وصفه للمعرض الجماعي للفن التشكيلي في هذا المهرجان الثقافي على أن المهرجان استدعى رسامي الجهة ولم شملهم في معرض جماعي انتصب على جدران رواق دار الثقافة والفنون بالقلعة الكبرى، وذلك بتواجد الرسام محمود قفصية. وقد اختلفت المدارس والتقنيات والتعابير في هذا المعرض، حسب محدثنا، وانبجست منه سمفونية رائعة بألوانها وأشكالها.
ويضيف: «لقد سافر الجميع في رحلة موجزة عبر هذه المجموعة، وكانت انطلاقتها بالمرأة من خلال أعمال الفنانة ربيعة بلطيفة وذلك تكريما لها في عيدها الوطني. لقد رسمت هذه الفنانة المرأة في أبهى حلة وأضافت إليها جمال الشكل والروح بأسلوب واقعي طريف لتسافر بنا بعيدا في عالم مليء بالألغاز يدعونا إلى التفكير والتأمل. ولا تخلو أعمال رفيق بوسنينة أيضا من الألغاز التي تدعو إلى التفكير والتأمل مع إضفاء حوار فلسفي بين اللوحة والمتلقي الذي تستسيغ فيه العين بأشكال تكاد تكون واقعية كاريكاتورية تغوص به في بحر من الأفكار والتساؤلات التي لا تنتهي بانتهاء الفرجة.
ويقودنا الطريق إلى أعمال الرسامة إيمان بلحاج لتكشف لنا عن روحها المرحة الملآنة حبا وأملا بأسلوب تجريبي لعب فيه اللون دور الرئاسة. ويتوسط المعرض ضيف القلعة الموسيقي والرسام محمود قفصية ليروي لنا حكاية بأسلوب حروفي جميل مستمد من التراث العربي الإسلامي، يضعك بين الزمان والمكان حائرا مفكرا لعلك تجد جوابا ينصهر فيه الماضي مع الحاضر. أما الفنانة سنية خليفة فقد رأت إلى الواقع بنظرة جمالية وتقنية مميزة اختارتها كطابع منفرد ميز أعمالها التي تحاكي الواقع المعاش المستمد من المجتمع.
وتتواصل الرحلة من خلال لقاء بالمبدع والنحات عبد الكريم كريم بأسلوبه السهل الممتنع والذي يتراوح فيه النحت مع الرسم والرسم مع النحت. إنها المنحوتة المرسومة بأدق جزئياتها والتي انبجس منها من خلال الأسود والابيض نور وضياء يقودك إلى محاولة فك رموز أراد صاحبها التعقيد ليخاطب أولي الألباب. وتقودنا الرحلة أيضا إلى جمالية الانسجام الشكلي واللوني التي أعطاها الرسام سمير شوشان من وقته وروحه، عله يعالج القبح الذي ينخر مجتمعنا بالجمال. أسلوب سمير شوشان الفسيفسائي بتقاسيم أشكاله الهندسية يدعونا إلى السباحة والغوص في متاهات جميلة تفضي بنا غلى أفكار قد تتقاطع ولا تتقاطع مع باعث الفكرة».
وفي ختام رحلة الزواري في المعرض يشتم المرء رائحة الصوف الزكية المعطرة بأشكال وزخرف تراث القلعة الكبرى الجميل الذي اشتهر به المنشف القلعي بلمسات الفنانة كريمة بن سعد التي اختصت في الحفر، فأضفت على أعمالها مسحة حداثية مستمدة من تراثنا الغني والأصيل. كريمة بن سعد بإبداعاتها وبحوثها، استطاعت، حسب محدثنا أن تجعل مخزوننا التراثي، يتصالح مع الزمان والمكان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية