تونس ـ «القدس العربي»: في ربوع سليانة الزاهية بخضرتها وغاباتها، كان الموعد مع «مهرجان مسلك المسرح» في دورته الثالثة بتنظيم من مركز الفنون الدرامية والركحية بسليانة خلال شهر تشرين الأول/اكتوبر الجاري وذلك تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية. ورغم حداثة هذه التجربة الثقافية إلا انها تمكنت من الوصول إلى الربوع النائية في المناطق المنسية، فالثقافة حسب القائمين على هذه الفعالية ليست ترفا بل هي أسلوب حياة وتفكير وغذاء للروح والفكر. والهدف من هذه التظاهرة هو نشر النشاط الثقافي وفي أماكن لا يشملها عادة هذا النشاط في داخل الجمهورية وبعيدا عن المدن الكبرى. وبالتالي فإن الأمر يتعلق بلامركزية الثقافة عموما والمسرح التونسي على وجه الخصوص، وبمحاولة لإيصال المسرح إلى كل مواطن في كل مكان من ربوع هذه البلاد مع الضغط على التكلفة المالية.
لذلك تحول القائمون على هذا المهرجان إلى أرياف ولاية سليانة وتحديدا إلى المدارس النائية حيث يوجد أطفال، ليس متاحا لهم التنعم بالأنشطة الثقافية في غياب المسارح ودور الثقافة وغيرها من الفضاءات التي يمكن فيها ممارسة الفعل الثقافي. وأوضح المنظمون أن اختيارهم للمدارس يأتي في إطار رد الاعتبار إلى هذا الفضاء العمومي، وفي إطار رد الجميل إلى المكان الذي تعلموا وحلموا فيه، وأيضا في إطار حرصهم على تسليط الضوء على الطفل الذي هو رجل الغد حتى يساهم في إرساء فلسفة الأمل وزرع قيم الخير والحب والجمال.
عروض متنوعة
تم افتتاح هذه الدورة الثالثة من المهرجان بعرض ما يسمى بـ «الماجورات» وهي فرقة موسيقية من مدينة قصر هلال مشكلّة من البنات الصغيرات اللواتي يعزفن موسيقى شبيهة بتلك التي تعرفها الفرق النحاسية أو العسكرية حيث الطبل وآلات النفخ وغيرها. كما افتتح المهرجان بعرض موسيقي للفنان الهادي خليف ومسرحية بعنوان «طريق الحكمة» لشركة أصوات للإنتاج بصفاقس وكان ذلك بالمدرسة الابتدائية «الصدقة» بولاية سليانة، فيما توزعت بقية العروض على مدارس الدريجة ورأس الماء والذواودة والمنصورة القديمة وسيدي عبد النور وبيجقة والقرية الشمالية.
وكان تقسيم هذه العروض على المدارس كالآتي، مسرحية «غابة الموز» لشركة فرتونة للإنتاج بمدرسة «الدريجة» ومسرحية «معا نعيش» لشركة أوبرا للإنتاج بصفاقس بمدرسة «رأس الماء» ومسرحية «ثمار المحبة» لمركز الفنون الدرامية والركحية بسوسة بمدرسة «الذواودة» ومسرحية «رحلة حلم» لشركة حراث للإنتاج بمدرسة المنصورة القديمة. فيما تم عرض مسرحية «تيمور وتمارا» لمركز الفنون الدرامية والركحية بأريانة بمدرسة سيدي عبدالنور، ومسرحية «سليمة واللقلق» لمركز الفنون الدرامية والركحية بباجة بمدرسة «بيجقة» ومسرحية «لك ان تختار» لشركة شرق للإنتاج بتونس بمدرسة القرية الشمالية.
وكانت هذه العروض المسرحية بمعدل عرضين اثنين يوميا وأمتعت أطفال المدارس الذين أجمع الحضور على أن عشقهم للمسرح وللفعل الثقافي سينمو مع هذه التظاهرة، وسيستفيدون من الدروس والحكم التي يمررها النص المسرحي على لسان الممثلين. فالمسرح مدرسة بكل ما للكلمة من معنى خلق في الحضارات القديمة للارتقاء بمستوى الوعي حتى قال عنه شكسبير بعد قرون من نشأته «أعطني مسرحا أعطيك شعبا عظيما» فما بالك إذا التقى المسرح بالتعليم العمومي وفي مدرسة عمومية.
ويشهد مهرجان مسلك المسرح بسليانة وإلى جانب العروض الموسيقية والمسرحية المتميزة لهذه الدورة تنظيم ثلاث ورشات في الفنون الركحية والدرامية والفنون التشكيلية كيف ولا والتظاهرة من تنظيم مركز الفنون الركحية والدرامية بسليانة. وبالتالي كان لا بد من استغلال هذه الفرصة التي لا تتكرر على مدار العام لتكوين الناشئة في هذا الصنف من الفنون وفي الفن التشكيلي من قبل مركز عهدت له الدولة ممثلة بوزارة الشؤون الثقافية مهمة نشر الفن المسرحي وتطويره والنهوض به في الولاية.
فجوة ثقافية
سليانة الواقعة في الشمال الغربي للبلاد هي ولاية فلاحية تعرف خصوصا بالزراعات الكبرى شأنها شأن ولايات الشمال الغربي الأخرى على غرار باجة وجندوبة والكاف، وتتميز بجمال طبيعتها الخلابة المشكلة من السهول والجبال والغابات ومنابع المياه الصافية والشلالات والمحميات الطبيعية التي تضم حيوانات نادرة. كما تعرف بآثارها التاريخية التي تعود إلى كل مراحل تاريخ البلاد حيث اختلط فيها القرطاجي بالأمازيغي بالنوميدي بالروماني وصولا إلى الحقبة الإسلامية وفيها مدينة زاما أو زاماريجيا وهي إحدى ثلاث عواصم للدولة النوميدية تقع في تونس وهي إلى جانب زاماريجيا، الكاف سيرتا وبولاريجيا بولاية جندوبة.
ورغم هذه الخصائص الطبيعية والتاريخية بقيت سليانة ولاية داخلية غير مطلة على البحر وهو ما حرمها من التنمية بما في ذلك الثقافية وذلك رغم بعض الجهود البسيطة من حين لآخر منذ الاستقلال من خلال تشييد دار للثقافة أو تنظيم مهرجان صيفي أو خلق مركز للفنون الركحية والدرامية. وبالتالي جاء هذا المهرجان ليحاول سد هذه الفجوة الثقافية لولايات الداخل التونسي وليمكن الأطفال في المدارس النائية من التعرف عن كثب على المسرح وعلى خصوصياته حتى يرتقي مستوى الوعي لديهم منذ النشأة.
ولعل حضور المندوب الجهوي للتربية بسليانة والمدير مساعد للحياة المدرسية وعدد من إطارات التربية والثقافة بولاية سليانة ورجال التعليم من معلمي هذه المدارس يؤكد مدى اهتمام المسؤولين عن قطاع التربية والتعليم بالجهة وكذا المربين بالفعل الثقافي وبأهمية الثقافة كرافد من روافد التربية والتعليم. ويؤكد أيضا على أن الفعل الثقافي، سواء تعلق الأمر بمسرح أو سينما أو فن تشكيلي أو أدب أو شعر أو غيره، يخرج عن المألوف والقوالب الجاهزة ويغادر برجه العاجي للوصول إلى الكشف عن متطلبات الطفل عن قرب وفي بيئته وعالمه السحري الخاص.
إن هذا المهرجان هو رهان على الطفل المهمش في المناطق الداخلية وعلى حقه في الثقافة، وقد نجح هذا الرهان بشكل كبير وتحققت غايته في انتظار أن تتوفر له الامكانيات المادية اللازمة ليتواصل في أطول فترة زمنية ممكنة. لقد تمكن أطفال سليانة بفضل هذا المهرجان من حضور العروض المسرحية والموسيقية والورشات التكوينية في مدارسهم شأنهم شأن أطفال المدن الكبرى حيث تتوفر الفضاءات الثقافية من مسارح وقاعات سينما ودور العرض والمعارض والمكتبات العمومية وغيرها.
المسرح للجميع
يرى صالح الفالح مدير المهرجان ومدير مركز الفنون الدرامية والركحية بسليانة في حديثه لـ«القدس العربي» أن هذا المهرجان في دورته الثالثة يجوب ربوع سليانة ليذهب إلى أريافها ويدخل المدارس ويلتقي أطفالها وتلاميذها. لقد خرج المهرجان بحسب فالح، من علبة العرض التقليدي إلى لقاءات مباشرة في ساحات المدارس، وهي فضاءات مفتوحة، ليخلق امكانيات أخرى ويقترح كتابة جديدة للعروض.
ويضيف محدثنا قائلا: «هو مهرجان يحتفي بالطفل والمدرسة والمسرح والريف لينزل المسرح في سياقات على غير العادة، يخلق الحدث ويرسخ المشهد في أذهان الأطفال إلى الأبد ويرد الاعتبار إلى هذا الفضاء العمومي الذي أنتج نساء ورجال تونس من أطباء ومعلمين وأساتذة وموظفين شيدوا صرح هذه البلاد. إن المهرجان رد للجميل لهذا المكان الذي تعلمنا وحلمنا فيه، وأيضا لتركيز الضوء على الطفل الذي هو رجل الغد حيث نساهم مع المؤسسات الأخرى في إرساء فلسفة الأمل وزرع قيم الخير والحب والجمال التي من خلالها يتغذى الطفل التلميذ ويشعر أنه هو رأس المال الحقيقي لهذا الوطن. هكذا تكرّم الدولة ومؤسساتها أطفالها وتحتفي بهم من خلال فلسفة التذكر الدائم والمستمر».
وتابع: «لقد اخترنا برمجة ثرية ومتنوعة تتشكل أساسا من العروض المسرحية والموسيقية المحترفة والنوعية، ومن الأمكنة التي قدمت فيها هذه العروض مدارس ابتدائية بالمناطق الريفية تعود ترابيا إلى معتمديات بوعرادة وبرقو وكسرى وسليانة الجنوبية».
وقال إن المركز يسعى إلى ترسيخ التظاهرة وتطويرها وخلق أفق فيها و«هذا ما نلحظه من دورة إلى أخرى حيث تم التركيز هذه السنة على الورش في المسرح وفنون العرض والفن التشكيلي قبل انطلاق العروض. إضافة إلى مقترحات موسيقية تتماشى وعالم الطفل وخياله من جهة الترفيه والمتعة والتثقيف وتطوير أدوات التقبل الواعية وتحسين مهاراته الفنية والذوقية. ويصاحب ذلك تكوين خاص للمعلمين المشرفين على نوادي المسرح يؤمنها مسرحيون».
المادة المسرحية المقدمة التي تحترم عقل الطفل وذكاءه حيث ان العروض المقدمة هي من أحسن العروض الموجودة في الساحة المسرحية حيث تتماشى والمقترح الجمالي للمهرجان من حيث الفضاء المفتوح والعروض الاستعراضية ذات القيمة المشهدية، تضمن الفرجة من حيث الألوان والحركات الراقصة والبهلوانية والموسيقى والنص الجيد وتحمل جميعا رسائل تربوية.