بغداد ـ «القدس العربي»: فتح التصويت على قانون الموازنة المالية الاتحادية لعام 2019، باباً جديداً أمام العلاقات بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان العراق، التي شهدت توتراً على مدار السنوات الماضية، الأمر الذي يرجّح المضي في حسم النقاط الخلافية بين الجانبين، وأبرزها، ملف كركوك والمناطق المتنازع عليها.
وصوّت مجلس النواب أخيراً على قانون الموازنة المالية الاتحادية لعام، 2019، بمجموع إيرادات بلغت 105 تريلونات دينار (857 مليار دولار)، وبعجزّ قُدّر بـ27 تريليون دينار (225 مليار دولار)، وبسعر 56 دولاراً لبرميل النفط الواحد.
رئيس السن للجنة المالية البرلمانية، النائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، أحمد الصفار، قال لـ«القدس العربي»، إن «هناك توافقاً ورضا بين الأطراف على التخصيصات المالية لإقليم كردستان في موازنة 2019»، مضيفاً: «تم الاتفاق على نسبة 12.67 في المئة لإقليم كردستان العراق».
وتعدّ موازنة 2019 الأفضل لكردستان العراق، مقارنة بسابقاتها في الأعوام الماضية، والتي أقرّت حينها بـ17 في المئة، غير إن مبالغها لم تصرف للإقليم بسبب عدم إيفائه بالتزاماته المتمثلة بتصدير 550 ألف برميل نفط يومياً، من حقول الإقليم وكركوك، وتسليم وارداتها إلى الحكومة الاتحادية.
وعن ذلك، علّق الصفار: «في حال التزم الإقليم بشروط الموازنة سيتم إرسال المبالغ كاملة، وفي حال عدم التزامه بإرسال إيرادات 250 ألف برميل نفط يومياً (من حقول نفط الإقليم حصراً) إلى الحكومة الاتحادية، يتم استقطاع مبلغ هذه الكمية من نسبة الإقليم، وإرسال البقية إلى كردستان، كتعويضات ورواتب للموظفين».
وعن احتمالية مواجهة الموازنة الطعن من قبل بعض المحافظات المعترضة، أو الحكومة الاتحادية، قال رئيس اللجنة البرلمانية: «لا أعتقد أن تلجأ الحكومة إلى الطعن بالموازنة، لأن كل المواد الجديدة تقابلها تخصيصات»، لافتاً إلى أن «اللجنة المالية عملت على تجميع بعض المبالغ الفائضة في وزارات وهيئات، وتوزيعها على جهات أخرى متضررة وهي بحاجة إلى هذه الأموال»، على حدّ قوله.
علاقات إيجابية
سياسياً، يرى حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني»، بأن موازنة 2019 ستفتح الباب أمام تحسن العلاقة بين المركز والإقليم، وحسم الخلافات بين الطرفين وأبرزها استكمال الكابينة الوزارية، وملف كركوك.
القيادي في الحزب، والنائب عن كتلة الاتحاد في مجلس النواب الاتحادي، بختيار شاويس، قال لـ«القدس العربي»: «اتفقنا على أن لا تؤثر الخلافات السياسية والإدارية والنفطية بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق، على تأمين رواتب موظفي الإقليم وقوات البيشمركة»، موضّحاً أن «هذا الاتفاق سيسهم في تطوير العلاقات الإيجابية بين الحكومتين، لتسوية الخلافات الأخرى، الدستورية والسياسية المتعلقة بآلية استكمال الكابينة الوزارية وملف كركوك والمادة 140 وغيرها».
واعتبر أن موازنة 2019 «فتحت آفاقاً جديداً أمام حكومتي المركز والإقليم».
ويبدو أن بوادر هذه الأجواء الإيجابية بين بغداد وأربيل، ستنعكس أولاً على مصير المناطق المتنازع عليها، وأبرزها محافظة كركوك، ومناطق سهل نينوى.
حكومة إقليم كردستان العراق، أقرّت بوجود «حوار مستمر» بينها وبين الحكومة الاتحادية في بغداد، يهدف إلى التوصل لحلول مشتركة في منطقة سهل نينوى.
منسق التوصيات الدولية في حكومة إقليم كردستان، ديندار زيباري، قال : «وفق العلاقات التي تربطنا بمنظمات المجتمع المدني وشبكة معلومات اللجنة المشكلة لمتابعة الحقائق بشأن المناطق المحررة وخاصة سهل نينوى، تبين لنا بأن أكثر من 85 في المئة من سكان تلك المناطق التي تمت السيطرة عليها غير مستعدين للعودة إليها، كونهم يعتقدون بأن حياتهم لن تكون في أمان بسبب المزايدات السياسية التي تجري على مناطقهم، وكذلك فقدان الخدمات الأساسية وفرص العمل والوضع الأمني غير المستقر».
وأضاف زيباري، الذي ينتمي للحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، في تصريح أورده إعلام الحزب: «هناك أعداد كبيرة من القوات الأمنية في سهل نينوى، لكن جماعات منهم غير نظاميين وأعضاؤها من غير أهالي المنطقة. ومن أجل معالجة الوضع الأمني يجب تسليم الملف الأمني إلى القوات الأمنية الرسمية ومنها الشرطة الاتحادية والجيش العراقي والبيشمركه، كما تجب مشاركة أهالي المنطقة في القوات الأمنية تلك لحماية مناطقهم».
تغيير ديموغرافي
وشدد المسؤول الكردي على أهمية «تسليم حدود هذه المناطق إلى حرس الحدود»، عازياً السبب في ذلك إلى «الحیلولة دون استخدام الحدود بشكل غير قانوني واستغلاله للتجارة غير الشرعية والكف عن جباية الضرائب الجمركية من المواطنين». وتابع: «وجود أكثر من مركز قرار داخل إدارة تلك المناطق وقسم منها غير رسمي تسبب في مشكلات كثيرة للمواطنين، وقد تم الاستيلاء على أراضي المواطنين الأيزيديين والمسيحيين في هذه المناطق»، كاشفاً عن «مساعٍ حثيثة لإجراء تغيير ديموغرافي في بعض هذه المناطق، كتلكيف (قضاء تابع لنينوى) حيث تم توزيع قطع أراض سكنية على مواطنين ليسوا من المنطقة الهدف منه التغيير الديموغرافي للمنطقة».
المناطق «المتنازع عليها» أبرز الملفات… وحلول مشتركة في سهل نينوى
وأشار أيضاً إلى أن «المشكلة الكبرى في هذه المناطق وخاصة تلكيف والحمدانية، هي المشكلة الأمنية، حيث أصبحت هذه المناطق ساحات ومدناً عسكرية، وهناك تواجد للمجموعات الإرهابية، ما جعل المواطنين يتوجسون من العودة إليها وتعرضهم إلى ما تعرضوا له سابقاً. كما إن عدم وجود فرص للعمل وشح الخدمات الضرورية وعدم وجود سواتر عسكرية في أغلب تلك المناطق لحمايتها، يحول دون عودة تلك العائلات إلى موطنها».
واختتم المسؤول في حكومة إقليم كردستان بقوله: «يجب السعي من أجل إعادة الأوضاع الاقتصادية في هذه المناطق إلى طبيعتها، وتحسينها وتقديم الخدمات الأساسية والضرورية لها، وتوفير فرص العمل ليتمكن المواطنون من العودة والعيش بكرامة وأمان».
أما عن محافظة كركوك، إضافة إلى التحرك المشترك بين حكومتي المركز والإقليم، تدخل الأمريكان لإيجاد حلّ يرضي جميع الأطراف المتصارعة على السيطرة على هذه المدينة الغنيّة بالنفط.
عضو لجنة تطبيع الأوضاع في كركوك، القيادي في حزب بارزاني أيضا، شاخوان عبد الله، كشف عن الاجتماعات مع الأمريكيين بشأن المشاريع المتعلقة بتطبيع وضع المدينة، مشيراً إلى «عقد المزيد من الاجتماعات خلال الأسبوعين القادمين، ومن المؤمل أن نتحول من مرحلة الحوار والمناقشات إلى مرحلة التطبيق العملي»، وفقاً لإعلام الحزب.
وفي أوآخر الأسبوع الماضي، عقد وفد أمريكي اجتماعاً في بغداد مع مكونات وقوى مدينة كركوك، (عرب، أكراد، تركمان) بهدف تطبيع الأوضاع في المدينة، وقد أعدّ الأمريكيون مشروعاً سلّموه إلى المكونات لدراستها.
ومن المقرر أن تعقد الأطراف الثلاثة اجتماعاً آخر، لبحث «المشروع الأمريكي»، وفقاً لعبد الله، الذي أضاف «بعد أن سلّم الأمريكان مشروعهم الخاص بتطبيع الأوضاع في كركوك إلى الأطراف في كركوك خلال الاجتماع السابق لغرض مناقشته وتداوله مع قياداتنا وإبداء الرأي بشأنه، من المقرر أن نحدد موعداً آخر خلال الأسبوع القادم بشأن المشروع الأمريكي لننتقل بعدها إلى مرحلة أخرى».
وأعرب قسم من عرب وتركمان كركوك، خلال بيان عن رفضهم للمشروع الأمريكي، لكن شاخوان عبدالله، شدد على أهمية «القضاء على العداء الذي يتحدثون عنه، والأمريكان لا يصغون كثيراً لمثل هكذا مواضيع كونهم على دراية بأن هذه المسائل ليست جدية، لذا فإنهم لن يعلنوا عن رفضهم ولم يردوا خلال الإجتماع، وعليه من المؤمل ان تسير الأمور إلى أمام».
ومضى عضو لجنة تطبيع الوضع في كركوك قائلاً: «نعتقد أن هناك خطوات إيجابية قادمة ونأمل أن ننتقل من مرحلة الحوار والمناقشات إلى مرحلة التطبيق العملي».