صنعاء ـ «القدس العربي»: سميرة أمٌ تبلغُ من العمرِ 37 عاما، نزحتْ مِن الحديدة غرب اليمن نهاية العام الماضي، لتنجو بابنيها وابنتها بعد أن خسرت زوجها، وتستقر في صنعاء، إلا أنها لم تكن تعلم أن موجة ثالثة من الكوليرا ستخطف أحد ابنيها وبالكاد ستنجو بابنتها الوحيدة من بين أنياب هذا الوباء القاتل.
تقول سميرة لـ «القدس العربي» وهي تُغادر مركز السعبين في صنعاء بعد تشافي ابنتها: «نسكن في دكان ونعتمد على عمل ابني الكبير (17سنة). وقبل أيام فوجئتُ بابني الصغير يعاني اسهالا شديدا مع تقيؤ وأعياء، ولتأخرنا في إسعافه لم يبق في مركز المعالجة سوى يوم ومات، فيما تم انقاذ أخته من موت محقق؛ لأن الأعراض ظهرت عليها خلال نقل أخيها للمركز».
لكن سميرة تتحدث عن وضع صعب يعاني منه مركز المعالجة في صنعاء جراء ضعف الإمكانات وكثرة الحالات التي تُنقل إليه يومياً من المصابين، مؤكدة أن «أعدادهم كبيرة، بينما إمكانات المركز محدودة وبالكاد يستطيع إنقاذ مَن يمكن إنقاذه».
لقد ضاعف وباء الكوليرا من معاناة اليمنيين؛ فالحرب ضيّقت مصادر العيش، وأصبحت الحياة مع حصار الكوليرا ومعاناة الحرب أكثر تعقيدا، لاسيما وأن ظروف الحرب لم تترك للناس هناك خيار سوى الحياة الصعبة، بينما صارت (الحياة الصعبة) مصدراً من مصادر هذا الوباء للأسف، وخاصة للفئات التي زادت الحرب من إفقارها؛ لأنها تدفع بهؤلاء إلى الأكل والشرب من مصادر غير آمنة؛ وهو وضع تتزايد تهديداته مع انهيار منظومة الخدمات الأساسية جراء تداعيات الحرب؛ وبالتالي اتساع دائرة التلوث؛ وهو واقع يصبح أكثر خطورة مع البدء المبكر لموسم الأمطار هذا العام.
وشهد اليمن منذ بداية العام تفشيا جديدا لوباء الكوليرا في معظم محافظات البلاد، التي تُعلن بين الفترة والأخرى عن ارتفاع وتزايد مقلق في مؤشرات الإصابة والاشتباه بالإصابة.
وقدّر بعض المنظمات أن أعداد الإصابات وصلت إلى زهاء ألفي إصابة واشتباه أسبوعياً في أربع محافظات فقط، عمران، وحجة، وتعز، وإب. فيما تحدثت مصادر غير رسمية في العاصمة أن مدينة صنعاء وحدها صارت تسجل أسبوعياً أكثر من ألف حالة اشتباه وإصابة منذ بداية نيسان/أبريل.
إلى ذلك حذرت وزارة الصحة في صنعاء من قُرب نفاد مخزونها من المحاليل الخاصة بمواجهة الوباء، مطالبة المنظمات الدولية بسرعة التدخل قبل فقدان السيطرة على الوباء الذي يتمدد منذ بداية كانون الثاني/يناير الماضي.
وضربت الموجه الأولى من الوباء اليمن خلال الفترة من تشرين الثاني/نوفمبر 2016 وحتى كانون الثاني/يناير 2017 وعاود الوباء في موجه ثانية خلال الفترة نيسان/أبريل إلى كانون الأول /ديسمبر2017 وسجلت المنظمات خلال الموجتين أكثر من مليون حالة إصابة واشتباه بالإصابة وأكثر من ثلاثة آلاف حالة وفاة.
109 ألف حالة
وحسب بيان صدر نهاية آذار/مارس عن منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» فإن «في اليمن، منذ بداية العام وحتى 17 اذار/مارس، تم الإبلاغ عما يقرب من 109 ألف حالة من حالات الإسهال المائي الحاد الوخيم أو الكوليرا المشتبه بها مع 190 حالة وفاة مرتبطة بها منذ شهر كانون الثاني/يناير».
«ما يقرب من ثلث الحالات المبلغ عنها هُم أطفال تقل أعمارهم عن خمس سنوات» وتابع البيان «نخشى أن يزداد عدد حالات الكوليرا المشتبه فيها مع البدء المبكر لموسم الأمطار».
تحديات
ومن أبرز التحديات التي تواجه الموجة الثالثة من هذا الوباء هو تزايد مثير للقلق في مؤشرات الإصابة مع البدء المبكر لموسم الأمطار في ظل محدودية إمكانات السلطات والمنظمات، بالإضافة إلى التحديات التي رافقت الوباء في الموجتين السابقتين، والمتمثلة في توقف العمل في نصف المرافق الصحية جراء الحرب؛ وانقطاع عدد من الأطباء والعاملين الصحيين في معظم المحافظات عن العمل مع توقف صرف الرواتب الحكومية بسبب الحرب، ما يضاعف من الضغط على المرافق الصحية المتبقية؛ وبالتالي لا يمكن للعديد من المصابين والمشتبه إصابتهم بالوباء الحصول على الرعاية الطبية اللازمة، والتي تقتصر على المرافق القليلة التي لا تزال تعمل.
كما أن المرافق القليلة، التي خُصصت لاستقبال وعلاج حالات الاشتباه والإصابة بالوباء، تعاني، في معظمها، من افتقار في الإمكانيات؛ الأمر الذي أصبحت معه عاجزة عن استيعاب جميع الحالات التي تصلها، بل أحيانا تكون هذه المرافق سببا لنشر الوباء وتسجيل إصابات جديدة جراء تراجع قدرات التعقيم والنظافة داخلها نفسها.
لم يكن طبيب الأطفال اليمنيّ محمد عبد المغني يعلم، انه سيموت بالكوليرا، وهو من أبرز الأطباء العاملين في مكافحة هذا الوباء هناك خلال العامين الماضيين. توفي عبد المغني نهاية آذار/مارس الماضي لتخسر فرق مكافحة الوباء في صنعاء أحد أهم كوادرها. لقد مثل موته مؤشراً على فداحة الموجه الثالثة من هذا الوباء وعلى مدى معاناة الكوادر الطبية العاملة في المكافحة.
وإلى جانب الكوليرا، لا يزال اليمن يعاني من تفشي أمراض أخرى يمكن الوقاية منها باللقاح، مثل الدفتيريا والحصبة، والتي تُشكل خطرا على الصحة وسببا للوفاة
وعزت منظمتا الصحة العالمية و»يونيسيف» أسباب تفشي الوباء إلى «انهيار الخدمات الأساسية بما في ذلك شبكات المياه المنقذة للحياة. كما يتفاقم الوضع بسبب الوضع السيئ لأنظمة التخلص من مياه الصرف الصحي، واستخدام المياه الملوثة للزراعة، والكهرباء غير المستمرة مما يسوء معه تخزين الطعام بالإضافة إلى نزوح العائلات وفرارها من العنف المتصاعد وخاصة في الحديدة وتعز».
إلى ذلك ما زالت المنظمات تواجه العديد من التحديات بما في ذلك اشتداد القتال، والقيود المفروضة على الوصول بالإضافة إلى العقبات البيروقراطية لجلب الإمدادات المنقذة للحياة في بلد تفتك به الحرب. وطالب عدد من هذه المنظمات السلطات هناك بمزيد من المرونة بما يسمح بنقل الامدادات وتسهيل أعمال الإغاثة، وفي مقدمة ذلك إيقاف القتال باعتباره السبب الرئيسي لتفاقم معاناة اليمنيين.
ويشهد اليمن قتالاً مسلحاً على السلطة دخل عامه الخامس. وتسبب الصراع في معاناة البلد من «أسوأ مأساة إنسانية في العالم» وانهيار منظومة الخدمات الأساسية والاقتصاد الحكومي وتمزق النسيج الاجتماعي وانتشار عدد من الأوبئة والأمراض. وكان اليمن أعلن خلوه تماماً من الكوليرا في منتصف سبعينيات القرن الماضي.