مودلياني وأخماتوفا في باريس: قصة حب لم تكتمل

ذكرى لا تزال حية في ذهني، أتذكرها بوضوح، كلما مددت يدي إلى أحد دواوين الشاعرة آنا أخماتوفا، أو قرأت مقالا عنها، أو حضرت أمسية مكرسة لقراءة شعرها. في الخامس من مارس/آذار 1966، كنت في قاعة جايكوفسكي في موسكو، أحضر حفلاً للموسيقى الكلاسيكية. وفي فترة الاستراحة، كان الجمهور على وشك الخروج والتوجه إلى الكافتيريا، عندما قالت عريفة الحفل: «انتباه رجاءً»، لدى الشاعر يفغيني يفتوشينكو ما يود أن يخبركم به.
كان يفتوشينكو ممشوق القامة، أزرق العينين، واثقاً من نفسه دائماً. يلقي قصائده ببراعة ممثل قدير، ولكن هذه المرة رأيته مرتبكاً حائراً. وقف أمام الميكروفون للحظات ليلقي نظرة قلقة على الجمهور، ثم قال بصوت متهدج: «وصلني للتو خبر وفاة آنا أخماتوفا». ساد الصمت وخيّم الوجوم على وجوه الحضور، وأجهشت بعض النساء بالبكاء، وغادر الجميع القاعة، ولم يكن بوسع أحد أن يتناول شيئا من الكافتيريا. ألم يقل يفتوشينكو في إحدى قصائده: «الشاعر في روسيا أكثر من شاعر» وهي مقولة ذهبت مثلاً.
ما حدث في هذا الحفل يدل على المكانة السامية للشاعرة آنّا أخماتوفا في قلوب الروس. وثمة قصص كثيرة عن حياتها وعلاقاتها الحميمة، ويبالغ الروس كثيراً في تضخيم هذه العلاقات، بإضافة الكثير من التوابل الإيروتيكية عليها، سواء في الروايات أو في الأفلام المكرسة لمسيرتها الحياتية والإبداعية. وفي مقدمة هذه القصص، حكاية الحب المتبادل بينها وبين الرسام والنحات الإيطالي الشهير أميديو مودلياني (1884- 1920). كانت الشاعرة تتجنب الخوض في تفاصيل حياتها الشخصية، ونحن نعرف عن مغامراتها العاطفية عن طريق مذكرات الأشخاص المقربين إليها. وأحياناً كانت الشاعرة تلمّح إلى علاقاتها الحميمة في قصائدها، ولكن قصة الحب التي عاشتها في شبابها في باريس – عندما كانت في حوالي العشرين من عمرها ـ ظلت محاطة بالأسرار والألغاز، التي لم تتضح صورتها الكاملة لحد الآن. فقد حرصت أخماتوفا لفترة طويلة، على كتمان قصة هذا الحب. ولم تتحدث عنها، إلا بشكل عابر لبعض صديقاتها، وفي أواخر أيامها كتبت ذكرياتها عن لقاءاتها بالفنان الإيطالي في باريس، بتحفظ شديد، ما وفر أرضية خصبة للتخيلات الأدبية للعديد من المؤلفين، حتى إن البعض يرى أن العلاقة مع مودلياني، كانت السبب في طلاق الشاعرة من زوجها الأول نيكولاي غوميليوف.

اللقاء الأول 1910

في الثاني من مايو/أيار 1910 وصلت الشاعرة الروسية الشابة أخماتوفا إلى باريس برفقة زوجها الشاعر نيكولاي غوميليوف، لقضاء شهر العسل. ومن غير المعروف بالضبط، أين وتحت أي ظروف التقى مودلياني وأخماتوفا؟ هناك العديد من التكهنات، ومن أكثرها شيوعا أنهما التقيا في مقهى «روتوندا» الشهير، ملتقى الأدباء والفنانين البويهميين. وحسب وصف أخماتوفا، كان مودلياني يرتدي سروالا أصفر من القطيفة، وسترة من اللون، لكن لم يكن هذا ما يجذب الإنتباه إليه، فقد كان وسيما ورشيقا ومهذبا. وكانت أخماتوفا شابة جميلة، مفعمة بالأنوثة والبراءة، وشاعرة موهوبة واعدة، ذات جاذبية خاصة تدير رؤوس الرجال: قامة مديدة، وقوام رشيق، وعينان رماديتان جميلتان. أعجب مودلياني بجاذبية الشاعرة الروسية، وجمالها المتميز وأعرب عن رغبته في رسم صورتها. وقد وافقت الشاعرة على ذلك، ولكنهما لم يلتقيا سوى بضع مرات على نحو عابر. وسرعان ما عاد العروسان إلى روسيا. كان لقاؤهما مجرد مصادفة، ولكنها تركت انطباعا عميقا في نفس مودلياني، كما أن الشاعرة الشابة بدورها لم تنس طوال حياتها الفنان الوسيم. وكتبت في مذكراتها عن مودلياني «في السنة العاشرة، رأيته نادرا جدا، مرات قليلة فقط. ومع ذلك، كتب لي طوال الشتاء».

لقاءات جديدة 1911

في إبريل/نيسان عام 1911، جاءت آنا أخماتوفا إلى باريس للمرة الثانية، ولكن لوحدها هذه المرة وبقيت فيها الى نهاية يوليو/تموز. وتقول أخماتوفا في مذكراتها: «عندما قابلت أميديو أول مرة في عام 1910، أذهلني بريقه الداخلي». كان وسيما جدا، ويبدو أنه يتوهج من الداخل. ولكن في عام 1911، اختفى الضوء المشع من محياه، وبدا الفنان مرهقا للغاية. كان مودلياني مختلفا تماما عن أي شخص آخر في العالم. وبقي صوته بطريقة ما في ذاكرتي إلى الأبد. لقد كان فقيرا لدرجة أننا في حدائق لوكسمبورغ كنا نجلس دائما على مصاطب مجانية للفقراء، وليس على الكراسي المدفوعة الأجر، كما جرت العادة. لم يشتك من شيء على الإطلاق، لا من ضيق ذات اليد، ولا من عدم الاعتراف به كفنان موهوب. مرة واحدة فقط، في عام 1911، قال إنه كان مريضا جدا في الشتاء السابق، لدرجة أنه لم يستطع حتى التفكير في ما كان عزيزا عليه». كانت أخماتوفا تتحدث الفرنسية بطلاقة، وعلى دراية جيدة بالشعر الفرنسي. كما كان مودلياني يعشق شعر دانتي، وليوباردي، وبودلير، ورامبو. وعندما قرأت أخماتوفا بعض قصائدها. قال مودلياني: «لا أفهم الروسية، ولكن موسيقى هذه الأبيات رائعة». وأضافت أخماتوفا: « ي عام 1911 كنّا نتزاور كثيرا. ذات مرة جئت إلى ورشة مودلياني، ولكنه كان غائباً. كانت نافذة الورشة مفتوحة. وبيدي باقة ورد. وبدافع الملل بدأت في إلقاء الورود من النافذة. وغادرت المكان. وفي لقائنا التالي، تساءل الفنان بدهشة كيف دخلت إلى الورشة وليس لديّ مفتاحها. أخبرته، كيف حدث كل هذا. أجاب موديلياني: «لا يمكن أن يكون الأمر كذلك، كانت الورود منسقة بشكل جميل».
في هذا الوقت، كان موديلياني مولعا بالفن المصري، وقد اصطحب صديقته الروسية إلى متحف اللوفر لرؤية القسم المصري.، مؤكدا أن كل شيء آخر، بالمقارنة مع هذا الفن العظيم غير جدير بالاهتمام. وقد رسم مودلياني بورتريه أخماتوفا على هيئة الملكات والراقصات الفرعونيات.

رسومات مثيرة للجدل

عند توديع أخماتوفا عائدة إلى بلادها، أهدى مودلياني إليها 16 رسما أوليا كان قد رسمها لها، معظمها من النوع العاري. 15 منها – وفقا لأخماتوفا ـ احترقت في السنوات الأولى للثورة، ولم ينج منها، سوى رسم واحد كان معها دائما. وتتسم هذه الرسومات بدقة الخطوط وخفتها وبالحس الشعري. وليس من الصعب التعرف فيها على أخماتوفا. ومن المؤسف أن هذه الرسومات الأولية، لم يكن مقدراً لها ان تصبح لوحات أو رسومات مكتملة. بعد مغادرة اخماتوفا، عاد موديلياني إلى الحياة البويهمية. وحيدا، ثمًّ حاول تغيير كل شيء، وتزوج من جين هيبوتيرن، التي أنجبت له ابنة، وكانت تنتظر طفلًا ثانيا. ولكن الفنان الذي أنهكه مرض السل توفي في الرابع والعشرين من يناير/كانون الثاني 1920 عن عمر يناهز 35 عاما: أصيبت جين بصدمة نفسية عنيفة، وأصبحت غير قادرة على تحمل وفاة زوجها الحبيب، فانتحرت بإلقاء نفسها من النافذة. قالت زوجته عنه ذات مرة: «إنه عبقري وملاك. عندما يموت، سيفهمه الجميع على الفور». كانت هذه نبوءة صادقة تحققت سريعا عقب وفاة الفنان، حيث بدأ الاهتمام بلوحاته يزداد بمرور الزمن. ففي عام 2015 مثلا، بيعت لوحة مودلياني «امرأة عارية نائمة» في مزاد دار كريستيز بمبلغ 170.4 مليون دولار.

الرسم الوحيد لدى اخماتوفا

في أواخر يناير 1920 كانت أخماتوفا جالسة في مكتب إحدى المجلات الأدبية تتصفح المجلات الفرنسية الموضوعة على الطاولة، وفجأة وقع نظرها على صورة مودلياني في إطار أسود، وتحتها نعي طويل للفنان الشاب العبقري الذي توفي في أحد مستشفيات باريس مؤخرا. وقع الخبر على أخماتوفا وقوع الصاعقة، وغادرت المكتب حزينة مفجوعة. وفي عام 1993، في معرض نظمه بول الكساندر، وهو صديق مقرب لمودلياني عرضت 7 رسومات أخرى في الأسلوب نفسه. يمكن للمرء أن يجادل إلى ما لا نهاية حول طبيعة العلاقة بين أخماتوفا وموديلياني؛ خاصة أن كتّاب سيرة مودلياني لم يجدوا في أرشيف الفنان ما يلقي مزيدا من الأضواء حول مدى عمق علاقته بأخماتوفا. ولكن مما لا شك فيه أن الحب الذي جمعهما، كان أكثر من مجرد صداقة بين شاعرة شابة متقدة العاطفة، وفنان وسيم لا يكبرها، إلا بضع سنين، كما يتضح من عشرات الرسومات التخطيطية التي رسمها الفنان لأخماتوفا. وأغلب الظن أن الشاعرة ذات الجمال الآسر، وقفت عارية أمام الفنان لرسمها. هذا مجرد استنتاج غير مؤكد. ولكن الكتّاب الروس غالبا ما ينزلقون في تفسيرهم لهذه العلاقة إلى الابتذال.
أكدت أخماتوفا أن ليس لديها قصائد عن موديلياني، في حين يحاول بعض الكتّاب الروس الذين اتخذوا من هذه العلاقة موضوعا لرواياتهم، تصور أشياء وتفاصيل خيالية لم تحدث قط، والاستشهاد بقصائدها عن الحب، والإيهام بأنها من وحي حبها لمودلياني. في عام 1965 أي قبل عدة شهور من وفاتها زارت أخماتوفا باريس للمرة الثالثة، وكما يتذكر رفيقها الكاتب جورجي أدامفيتش، وقفت الشاعرة أمام بناية في شارع بونابرت، وقالت هامسة: «ها هي نافذتي، في الطابق الثاني. كم مرة كان معي هنا؟

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية