موسم حصاد الزيتون في تونس: انتعاشة اقتصادية وعادات متأصلة

روعة قاسم
حجم الخط
1

  تونس-“القدس العربي”:انطلق موسم جني الزيتون في تونس مع كل ما يمثله من حركة اقتصادية وتقاليد متأصلة في المجتمع، ويتوقع أن يصل إنتاج زيت الزيتون خلال هذا الموسم إلى 350 ألف طن حسب أرقام رسمية صادرة عن وزارة الفلاحة التونسية متجاوزة بشكل كبير ما تحقق خلال العام الماضي والذي وصل فيه المنتوج إلى حوالي 140 ألف طن.

وتمتد زراعة الزيتون على مساحات شاسعة في البلاد التونسية أي حوالي 1.9 مليون هكتار ما يمثل أكثر من ثلث الأراضي الزراعية. وتكاد لا تخلو أي منطقة أو ولاية من “الذهب الأخضر” الذي تتنوع أصنافه حسب نوعية التربة والمناخ في كل منطقة. وتتصدر ولاية صفاقس قائمة المناطق الأكثر إنتاجا للزيتون بحوالي 17 في المئة من الإنتاج الوطني، ثم المهدية فسيدي بوزيد وسوسة والقيروان. ويكاد لا يخلو أي منزل تونسي من زيت الزيتون الذي يعتبر تناوله من العادات الغذائية المتأصلة والقديمة. ويعد تصدير الزيت الشريان الأساسي للحياة الاقتصادية ولتنشيط الميزان التجاري إذ يتم تصديره إلى 50 وجهة دولية.

مكانة خاصة

صحيح أن للزيتون قدسية خاصة لدى عدد من المجتمعات وحتى في كل الأديان، وهو يرتبط بالبركة والحياة والشفاء من الأمراض، إلا أنه يحتل في تونس مكانة كبيرة ويدخل في إعداد عديد الأطباق التقليدية، وتتعدد استخداماته بين الغذائي والعلاجي. وهناك عدد من المناطق خصصت مهرجانات للاحتفاء بشجرة الزيتون مثل مهرجان “القلعة الكبرى” الذي يشهد اقبالا متزايدا كل عام من السياح ومن المواطنين لتذوق أشهى أنواع الزيتون. ويؤكد طاهر الغربي الباحث والأكاديمي المختص في التغذية لـ “القدس العربي” أن مكانة شجرة الزيتون مقدسة ولها تاريخ عريق في تونس. ويتابع بالقول: “تحتوي عديد المتاحف التونسية على لوحات فسيفسائية تصور شجر الزيتون مما يدل على أن تاريخ هذه الزراعة يعود إلى ما قبل الحقبة القرطاجية والرومانية. فقد تداولت الحضارات التي مرت على البلاد الاهتمام بزراعة الزيتون. وشهدت هذه الزراعة على مدى كل هذه الحقب تطورا كبيرا وهو تطور نعتز به. ففي مستوى الجودة في العديد من المسابقات الدولية يحصل زيت الزيتون التونسي على مراتب متقدمة مثلا خلال الدورة العشرين من مسابقة لوس انجلوس الأمريكية للزيت والتي جرت مؤخرا حصلت تونس على شهادة زيت الزيتون البكر الممتاز وأخذت ميدالية ذهبية. وكذلك الحال في العديد من المسابقات على مستوى القارات. وهذا يدل بشكل واضح وقطعي على مكانة وجودة زيت الزيتون التونسي”. وتطرق محدثنا إلى بعض الأرقام المتعلقة بغراسة الزيتون في تونس فأكد انه فيما يخص الشجرات المزروعة فهناك أكثر من 65 مليون شجرة على مسافة 1600 ألف هكتار، مبينا أن تونس تحتل المرتبة الرابعة على الصعيد العالمي من حيث عدد أشجار الزيتون والمرتبة الثانية فيما يخص المساحات المزروعة وتتصدر المرتبة الأولى عالميا من حيث المساحات المخصصة لزراعة الزيتون البيولوجي الذي شهد تطورا كبيرا خلال الأعوام الماضية.  فالزيتون البيولوجي يزرع اليوم على مساحة 255 ألف هكتار وينال أهمية كبيرة في مستوى الصادرات خاصة مع الموجة الحاصلة في العالم والرجوع إلى كل ما هو طبيعي. فكما هو معلوم فإن خريطة الأمراض العالمية يتصدرها العديد الذي يرتبط بالسلوك الغذائي غير المتوازن لدى البشر وهذا ما أدى إلى ارتفاع نسبة السمنة والبدانة والأمراض السرطانية. كل ذلك دفع البعض إلى اللجوء لاستخدام كل ما هو بيولوجي وطبيعي بما في ذلك الزيتون”.

فوائد غذائية وعلاجية

أما عن فوائد زيت الزيتون وأهميته فيوضح محدثنا: “تحتوي تركيبة زيت الزيتون على ما يسمى بالحوامض الدهنية الأساسية التي لها خاصية علاجية وغذائية هامة للحماية من أمراض القلب وتصلب الشرايين”. أما عن أنواع الزيتون فيختلف من منطقة إلى أخرى، ففي الشمال يسمى الزيتون الشتوي وفي الساحل يسمى بالشملالي. وفي الكاف يسمى الجربوعي وهذه تسميات عربية وأمازيغية بعضها يرجع إلى زمن الرومان. فهناك ثراء موجود في مستوى أنواع زيت الزيتون.

وعن أهمية الزيتون في الدورة الاقتصادية والمعيشية للمواطن التونسي يضيف بالقول: “يؤمن قطاع الزيتون حوالي 20 في المئة من التشغيل في القطاع الزراعي فهو يضفي حركية كبيرة ولا ينتفع منه الفلاح فحسب بل مختلف الشرائح الاجتماعية، ولكن المهم أن تكون لدينا رؤية واضحة في كل منظومة لمعرفة كيفية التحكم في هذه الثروة الغذائية والزراعية.

إشكاليات

ويواجه قطاع الزيتون في تونس اشكاليات عديدة منها عدم قدرة الشركات المحلية على تعليب الكم الهائل من المنتوج فيورد بعضه إلى اسبانيا وايطاليا لتعليبه فيصدر على أساس انه زيت ايطالي أو اسباني في حين انه تونسي. والمشكلة الأخرى هي عدم وجود يد عاملة لحصاد الموسم بالرغم من ارتفاع نسبة البطالة لكن يشتكي الفلاحون من وجود اليد العاملة، ففي السابق كانت تشترك الأسرة في الحصاد وكان الموسم يعد عرسا سنويا تجتمع فيه العائلة وتحتفل ببركة هذا الذهب الأخضر، لكن اليوم ومع تطور هذا القطاع والدخول فيما يسمى بالتصنيع الفلاحي حتم تطوير الآليات.

فقد شهدت تونس تطورا كبيرا في معاصر الزيتون في مختلف ولايات الدولة حيث تنتشر المعاصر العصرية ولكن لا يزال الناس يفضلون اقتناء الزيت المعصور بالطريقة التقليدية معتبرين انها تحافظ على خصائص الزيتون ولونه وذوقه.

ويتواصل موسم جني الزيتون إلى كانون الأول/ديسمبر وتنتظر الأسر التونسية هذا الموسم من أجل تحريك دورة الحياة الاقتصادية كما تتطلع الحكومة إلى موسم الحصاد من أجل رفع صادراتها إلى الخارج وإدخال العملة الصعبة خاصة في ظل الوضع الصعب الذي تعيشه البلاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية