مونديال 2022: من القمة إلى القاع: النكسة الإيطالية وسقوط ملوك أوروبا المدوي وعِبر من التاريخ

 ظافر الغربي
حجم الخط
0

تونس -«القدس العربي»: ما زال حبر النكسة الايطالية يسيل، ولا يبدو انه سيجف قريبا، اذ سيستمر في رواية قصة السقوط المدوي في “الخميس الأسود” الأول من نوعه في تاريخ الكرة الايطالية التي لم يسبق لها أن غابت عن المحفل الكروي العالمي مرتين متتاليتين!
هي كثيرة في الحقيقة نكسات الدول الكروية العظمى وليس هنا مجال استعراض جميعها، لكن نكتفي بما لم تمحه الأيام على مر السنين. فالبرازيل، هذا البلد الذي يختزل كل العشق الكروي، استضاف كأس العالم مرتين عامي 1950 و2014 واعتقد الجميع ان اللقب لن يذهب لغير “السيليساو”، لكن العالم فوجئ قبل البرازيليين ان زلزالا كرويا ضرب البلاد في المناسبتين، ففي مونديال 1950 عاش البرازيليون موعدهم الاول مع “اليوم الدرامي الوطني” بخسارة منتخبهم المباراة النهائية ضد الاوروغواي 2/1، وبعد أربعة وستين عاما في نصف نهائي مونديال 2014، كانت قسوة “المانشافت” غير عادية بسباعية مقابل هدف ليحفر في ذاكرة البرازيليين ثاني موعد مع “اليوم الدرامي الوطني”!
كما تحتفظ الذاكرة بما حدث لعراقة الكرة الانكليزية من مواقف مذلّة، يكفي أن خزانة الاتحاد الانكليزي تحتفظ بكأس مونديالية يتيمة تعود الى عام 1966، وهو انجاز لم يخل من التشكيك في أحقيته، بل هناك من يرى انه لولا استضافة انكلترا للبطولة لكانت الكأس من نصيب ألمانيا الغربية (وقتذاك) التي قدمت للعالم منتخبا رائعا كان الشاب فرانز بكنباور (قبل أن يصبح قيصرا) أحد أبرز الاكتشافات فيه. وفي السياق ذاته لا يختلف وضع هولندا كثيرا، اذ كان لها نصيب كبير من الضربات الموجعة والخيبات المؤلمة، فالبلد الذي أبهر العالم بكرته الشاملة في السبعينات، و”أنجب” (ولا يزال) العديد من النجوم الأفذاذ (يتقدمهم العبقري يوهان كرويف ) و”صدّر” الكثير من المدربين الكبار، هذا البلد لم يجن سوى كأس الأمم الأوروبية في نسخة 1988، فيما خاض ثلاث مباريات نهائية في كأس العالم أعوام 1974 و1978 و2010، وكان المنتخب البرتقالي قريبا جدا من تحقيق الحلم لولا اصطدامه في النسختين الأوليين بمنتخبي البلدين المنظمين للبطولة وهما ألمانيا الغربية والأرجنتين.
نتوقف عند هذه المحطات من أحزان الكبار، ونعود الى النكسة الايطالية التي يبدو أن مرارتها لن تتوقف عند إطلاق الحكم الفرنسي كليمون تيرپان لصافرة نهاية المباراة – الكابوس ضد مقدونيا الشمالية التي أصبحت عضوا في الفيفا عام 1994، أي أن معظم لاعبي ايطاليا ولدوا قبل هذا التاريخ! غير أن كرة القدم تلغي كل الحواجز ولا تعترف بالاحكام المسبقة، بل أقسى من هذا كله أن مقدونيا الشمالية التي لا تملك سجلا كرويا ناصعا، صعقت منتخبا لم يكن بحجم تاريخ الكرة الايطالية التي خاضت ستة نهائيات في كأس العالم و توجت بأربعة ألقاب، ما يعني أن المنتخب المغمور سيكون السبب الرئيسي في أزمة تنذر بمستقبل رمادي للكرة الايطالية التي حين اعتلت سقف أوروبا منذ تسعة شهور، ساد الاعتقاد ان التتويج القاري سيقترن باستعادة المكانة العالمية بعد الغياب عن مونديال 2018، ولكن من يصدق انه منذ تغلب الازوري على فرنسا بركلات الترجيح في نهائي مونديال 2006، لم يحقق سوى فوز واحد في نسختين متتاليتين. في 2010 حل في المركز الأخير وراء نيوزيلندا، ثم في 2014 خرج أيضا من الدور الاول بعد خسارتين في ثلاث مباريات، بعدها، لم يشاهد موسكو ثم لن يذهب الى الدوحة، ولا أحد يدري متى سيكون الخروج من النفق، فالازمة تبدو أعمق مما يلوح للأعين، وأصابع الاتهام موجهة لنظام فقد المسؤولون عنه القدرة على إصلاح الشأن الداخلي للكرة الايطالية بمختلف فئاتها، ثم استعادة بريق الدوري المحلي الذي طالما تغنى العالم بمستواه وتمتع بعروض مشاهير نجومه.
المنتخب الايطالي لا يعد الأول الذي ينتزع التاج القاري، ثم لا يقتطع تذكرة حضور المحفل الدولي. أن تفرح أوروبيا ثم تجهش بالبكاء في مشوارك للعالمية، أمر ليس نادرا في التاريخ الكروي للقارة العجوز، فما حدث للطليان في الخميس الاسود يوم 24 مارس/آذار، أعاد الى الاذهان ذلك السيناريو الذي عاشته ثلاثة منتخبات أوروبية هي تشيكوسلوفاكيا والدنمارك واليونان. دموع الفرح بنشوة التتويج، تجففها دموع الحزن بلوعة الغياب عن المونديال. البداية كانت مع منتخب تشيكوسلوفاكيا الذي فاز باللقب الاوروبي عام 76 بعد أن أزاح في الدور نصف النهائي نظيره الهولندي ثم الالماني في النهائي، وحين أطلت تصفيات كأس العالم 1978 وضعته القرعة في مجموعة ثلاثية ضمت اسكتلندا وويلز، وحلّ فيها ثانيا وبالتالي لم يسافر الى الأرجنتين. المرارة الثانية كانت من نصيب منتخب الدنمارك الذي جاء زائرا معوضا ليوغوسلافيا في يورو 1992 واذا به يطيح بكل من يعترض طريقه ليدهش القارة والعالم بتتويجه بلقب ما كان يخطر على بال أحد. هذا الأداء الرائع جعله ينطلق بأوفر الحظوظ في تصفيات مونديال 1994 في مجموعة ضمت اسبانيا وايرلندا الشمالية، وكان الصراع قويا على المركزين الاول والثاني، تصدرت اسبانيا المجموعة فيما تساوى منتخبا الدنمارك وايرلندا في النقاط و تأهل الاخير بفضل فارق الاهداف ليحرم الاسكندينافيين من الذهاب الى الولايات المتحدة.
وعلى غرار الدنمارك، لم يراهن أحد على فوز اليونان باللقب القاري حين استضافت يورو 2004، لكن ملحمة اغريقية نسج فصولها المنتخب بقيادة المدرب الالماني أوتو ريهاغل (عمل مدربا بين عامي 2010 و2001) الذي لقّب بـ”الملك أوتو” عقب التتويج على حساب البرتغال. وكان بديهيا كبطل أوروبي ان ينطلق المنتخب اليوناني بأوفر الحظوظ لنيل ورقة الترشح لكأس العالم 2006 في ألمانيا، وحل في المجموعة الثانية التي ضمت سبعة منتخبات يصعد منها للنهائيات الاول ووصيفه. وهنا تكرر المشهد الحزين، فقد آلت الصدارة لأوكرانيا تليها تركيا، لتنتهي مغامرة الاغريق وفصولها الأوروبية في مركز رابع لا يؤدي الى ألمانيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية