في السنوات ما بين عامي 1974 ـ 1978 كنت أسكن ما بين حيّ دير الملاك وحي حدائق القبة. كان عملي في قصر ثقافة الريحاني، وهو البيت الذي لم يعش فيه الفنان نجيب الريحاني. لقد بناه ومات عام 1949 قبل أن يسكنه. كان قد قرر أن يجعله بيتا للمسنين من الفنانين، لكنه رحل عن الدنيا فتم إغلاق القصر.
لقد أقام القصر المعماري شارل عيروط صاحب الإنجازات المهمة في العمارة. بناه على الطراز الإيطالي، وكانت حوله في البداية حديقة كبيرة تحولت إلى مبانٍ، لكن ظل القصر بطوابقه الثلاثة ومسرحه الكبير في الدور الأرضي مغلقا مهجورا، حتى تسلمته وزارة الثقافة في أوائل السبعينيات، وحولته لقصر ثقافة نجيب الريحاني، استحضارا لروح صاحبه الفنان العظيم، واستغلالا للقيمة الجمالية والتاريخية للمكان. كان مركزاً ناجحاً بكل المقاييس، حيث عقدت فيه ندوات وورش فنية وعروض مسرحية وفنية رائعة. كان معي عدد رائع من الكتاب والفنانين، فكان الشاعر أحمد الحوتي مديرا للقصر، بينما المخرج سامي صلاح مسؤول المسرح، والفنان جودة خليفة مسؤول الفن التشكيلي، وموظفون وموظفات محترمات. كان شعراء السبعينيات من أهم رواده ففيه كانوا يلتقون مرة كل أسبوع. كنت أنا المسؤول الثقافي، وكثيرا ما كنا نكمل سهراتنا في بيتنا، فضلا عن فناني المسرح، وحكايات طويلة جميلة. هنا سأتحدث فقط عن ميدان عبد باشا. كانت سهراتي بقية الأسبوع كلها مع المخرج المسرحي المرحوم سامي صلاح بعد العمل، أو أحمد الحوتي، أو جودة خليفة أو كلنا معا، بل سكنت مع سامي صلاح في شقة مفروشة في شارع القصر نفسه، على بعد حوالي مئتي متر، وتركت سكني المفروش في دير الملاك. سهراتنا أنا وسامي كانت إما في منطقة الحسين، أو في مصر الجديدة في مقهى أمفتريون. كنت أحب أنا وسامي صلاح أن نعود مشيا من منطقة الحسين، حتى لو كانت سهرتنا في منطقة العتبة نشاهد عرضا مسرحيا في المسرح القومي. كنا نأخذ طريقنا مشيا إلى العباسية، ونعرف أننا سنصل إلى ميدان عبده باشا، ثم نعرِّج إلى شارع رمسيس، ومنه نعبر طريق المترو إلى شارع الملك، ومنه إلى البيت الذي صار قريبا. كان ميدان عبده باشا كل ليلة في طريقنا، وهو منسوب إلى عبده باشا، الذي كان زوجا للأميرة أشكي، بنت إبراهيم بك بن محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة.
هو ميدان صغير تحيطه المباني، وفيه مكتب بريد، خال من المحلات على عكس الآن، وفيه مطعم كباب، أحيانا نأكل فيه. أجمل ذكرياتي فيه نهارا أن صديقة أمريكية عرفتها في القاهرة، كانت ترسل لي كتبا إنكليزية بالبريد، أذهب لأتسلمها من مكتب البريد في الميدان، ومعها أحيانا زجاجة عطر، وذات مرة أرسلت لي بنطلون جينز مع الكتب. أتذكر دائما الميدان في الليل فكم هي عدد المرّات التي مررنا فيه ليلا.. مئات المرات. في الليل كان يبدو هادئا منسيا، كأنما لم يمر عليه بشر، فما بالك ونحن نعود بعد منتصف الليل، ومن ثم نادرا ما نجد أحدا فيه. مرات قليلة رأيت شخصا جالسا على الرصيف لا يريد أن يتحدث مع أحد، ولم أهتم. كنت أعرف أن الحيارى كثيرون. في أواخرالتسعينيات بعد أن أصبحت أسكن في إمبابة، كثيرا ما كنت أحن للعودة إلى هناك، والمرور بالميدان الخالي. كتبت مرة مقالا ساخرا كيف وأنا عائد وجدت وسط الليل شخصا جالسا يبكي في الميدان، فسألته عن سر بكائه. قال إنه التاريخ، يبكي كل ليلة لأنه أُهين في مصر ولا يزال، فكل خطاب للرئيس خطاب تاريخي، وكل هدف للاعب كرة هدف تاريخي، وكل زواج لفنان وفنانة زواج تاريخي، وكل زيار لوزير زيارة تاريخية، بينما التاريخ غير ذلك، وهو يريدنا أن نعود إلى صفحاته الحقيقية. لقد ملأنا صفحاته بالتفاهات، وهو جدير بغير ذلك. نسيت المقال مع الوقت ولم أنسَ المكان.
بعيدا عن سخريتي من هذا الإقبال الرهيب على كتابة الرواية، فكم هي الآمال التي ضاعت من الناس، ربما يمنعهم التغير الذي لحق بالمكان فصار يعج بالمحلات الساهرة والزحام، فهل سأجدهم في ميدان آخر. لا بد.
منذ أسبوعين كتبت ساخرا على فيسبوك أني وجدت في الميدان فتاة تبكي بالليل، ولما سألتها عن سرّ بكائها وعن اسمها، قالت إنها «الرواية» التي لم يعد أحد يعطيها فرصة، فيكتبها كل من هب ودب، ولم تعد على جمالها. صارت ملجأ للجميع، فلا فرصة حتى لديها لتستحم، بينما صديقتها التي تسمى «الشعر» يدخل إليها واحد كل عام. لم أكتب شيئا آخر لأن الكاتب المرحوم إدريس علي قفز إلى روحي، وقلت هو أولى بالكتابة هنا. إدريس علي كاتب مصري نوبي مهم جدا توفي عام 2010 وكان يعمل موظفا بسيطا.. عاملا الحقيقة. التقينا كثيرا طبعا، وكنت قد عرفت أنه حاول الانتحار مرة، بأن ألقى بنفسه من فوق كوبري قصر النيل إلى النهر، لكن تم إنقاذه. قيل إنه فعل ذلك أكثر من مرة، لكني أصدق أنها مرة واحدة. كان إدريس يعاني من وساوس قهرية، يرى بها الحياة الأدبية ضده، أو على الأقل بعض أفرادها المتنفذين في الدولة. لقد نشر روايته الأولى «دنقلة» التي ترجمت في ما بعد إلى الإنكليزية بواسطة بيتر ثيروكس، ونشرتها الجامعة الأمريكية، وفازت بجائزة جامعة أركنساس الأمريكية لأفضل ترجمة عام 1997.
حتى تم ذلك كان ينتظر حفاوة نقدية كبيرة. كُتبت عنها بعض المقالات بعضها رآها دعوة لانفصال النوبة عن مصر، لكنه توقف عندما كتب عنها في «أخبار الأدب». أنا لم أقرأ ما كتب عنها في أخبار الأدب، لكنه أبلغني أن ما كتب عنها هجوم وتقليل منها. ليس ذلك فقط، بل قال لي إنهم أبلغوا البوليس بما كتبوه عنه، باعتباره يدعو إلى انفصال النوبة، فتم حذف اسمه وبياناته من كل أجهزة الدولة، حتى أنه حين ذهب لتجديد بطاقته الشخصية لم يجد لنفسه اسما. كنت أعرف هذه الوساوس القهرية وابتسم، ونجلس مع غيرنا نقضي الوقت ضاحكين ونبتعد عنها. جاء اليوم الذي أصدر فيه روايته الرائعة «انفجار جمجمة». لا أذكر هل اشتريت، أم أخذت من الناشر أكثر من نسخة أعطيتها لبعض النقاد فكتبوا عنها. صرت أروّج لها في كل جلساتي ولا أجده قط في منطقة وسط البلد، بينما عمله في مكتب شركة قريبة من ميدان طلعت حرب، قلت لكل الناس إذا ظهر إدريس وأنا غير موجود أعلموه بما أفعل، حتى جاء يوم بعد عدة أسابيع وجدته في بار ستيلا، كان قد عرف ما أفعل وكان سعيدا، وحين سألته أين كنت هذه الأيام، قال لي كنت أذهب إلى ميدان عبده باشا بالليل أجلس أبكي على حالي، فلا أحد كان يهتم بالرواية. اندهشت جدا ولم أسأله كيف تذهب وأنت تسكن في منطقة الهرم، لكنه أخبرني أنه ذات ليلة تقدم منه شخص، ووضع في يده نصف جنيه فقام وراءه وأعاده له، وعاد يجلس يبكي. ذكرني بما كتبته عن ميدان عبده باشا وقتها، ولا أعرف كيف صار ما كتبته حقيقة. أفكر الآن كم يجلسون في ميدان عبده باشا يبكون ليلا.
بعيدا عن سخريتي من هذا الإقبال الرهيب على كتابة الرواية، فكم هي الآمال التي ضاعت من الناس، ربما يمنعهم التغير الذي لحق بالمكان فصار يعج بالمحلات الساهرة والزحام، فهل سأجدهم في ميدان آخر. لا بد.
روائي مصري