أحد الأسئلة التي تُطرح هذه الأيام في ظل سياسات الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب هو: هل انتهت مرحلة الانفتاح الداخلي والخارجي التي مارسها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما؟ وهل في إمكان مرشح ديمقراطي يعتنق المبادئ والقيم التي اعتنقها أوباما أن يصل إلى البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية عام 2020؟ وهل ستكون هذه المرشحة زوجته ميشيل أوباما؟
ولعل هذا السؤال طُرح في لحظة خروج أوباما وزوجته ميشيل من البيت الأبيض مطلع 2017 حيث انتظر كثيرون من مؤيديهما ان تُكمل الإنسانة الأقرب إلى الرئيس السابق مسيرته كونها محامية لامعة ولديها شعبية كبيرة لدى شرائح ضخمة في المجتمع الأمريكي، وخصوصا بين الأقليات والنساء والديمقراطيين والليبراليين عموماً الرافضين للعنصرية والشوفينية ولسياسات تفوق السكان ذوي العرق الأبيض على السكان الآخرين الأمريكيين الأفارقة الأصل أو من أصول لاتينية او آسيوية، يعني من ملوني البشرة (السوداء أو السمراء أو الصفراء) وعلى معتنقي القيم والأديان غير المسيحية، وخصوصاً الإسلام.

الجواب على السؤال حول مشاريع ميشيل أوباما السياسية وردَ في كتاب لها بعنوان “وأصبحت” صَدَرَ نهاية العام الماضي وأصبح أحد الكتب الأكثر مبيعاً في أمريكا والعالم وتُرجم إلى لغات عدة.
تؤكد ميشيل أوباما في هذا الكتاب، وخصوصاً في فصوله الأخيرة، انها مع معارضتها القوية لسياسات الرئيس ترامب، فليست لديها أي نية أو مشروع للترشح لمناصب سياسية رئاسية أو تنفيذية عليا في المستقبل لأنها تشعر ان السياسة، كما تمارس حاليا، لا تتناسب مع شخصيتها ومبادئها، إذ يضطر السياسيون الكبار إلى اتخاذ مواقف جامدة ومتصلبة لا يؤمنون بالكثير منها، وللقيام بتنازلات ومساومات حول قيمهم الإنسانية والأخلاقية، فهي تبغض التسويات التي تتم على حساب مصالح الفئات الضعيفة في المجتمع (ص 419). وتضيف: “أحرص على مستقبل بلدي، ولكن تؤلمني تصرفات الرئيس الحالي (ترامب) وأجندته السياسية إلى درجة دفعَت الأمريكيين إلى التشكيك بقدراتهم على التوجه نحو الأفضل وإلى خوف المجموعات الاجتماعية والاثنية والجندرية والدينية من بعضها الآخر. كما أخشى ان تكون هذه السياسات قد أدت إلى توتير علاقاتنا بحلفائنا في العالم وقلصت دور القيم الإنسانية عموما في مجتمعنا”.
وبالنسبة إلى إنجازات وإخفاقات زوجها أوباما في السنوات الثماني التي قاد خلالها الولايات المتحدة، فتقول: التقدم الذي حققه باراك كبير، وأهم ما فيه انه أعاد عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين إلى بلادهم من نزاعات تم اقحامهم فيها في العالم، وخفض عدد القتلى والجرحى من هؤلاء الجنود الذين أُرسلوا لخوض المعارك في العراق وأفغانستان وغيرها بدلاً من محاولة حل هذه المشاكل بالوسائل السياسية”. وتضيف: “على الصعيد الداخلي حقق زوجي التأمين الصحي للفقراء، وتصعيد دور وتكثيف عدد المؤسسات التعليمية وخصوصا للفتيات من الطبقات الفقيرة والمهمشة في أمريكا والعالم”.
وتذكر أن زوجها، أنجز ومعاونوه الاتفاقية النووية مع إيران (1 + P5) التي أيدتها كبرى دول العالم، وتراجع عنها الرئيس ترامب من دون أي مبرر.
وبالنسبة إلى إخفاقات أوباما، فتقول إن من أهمها عدم ضبط انتشار الأسلحة بين المواطنين الأمريكيين وعدم إصدار قوانين صارمة في هذا الشأن وعدم قدرته على ضبط ممارسات بعض رجال الشرطة القاسية والوحشية بحق مواطنين أمريكيين سود أو سمر البشرة، وفي القضاء على العنصرية ضد الأمريكيين المهاجرين من أصل أفريقي أو أجنبي آخر التي تجري إعادة إحيائها حالياً ضدهم وضد كل الذين تعتبرهم الإدارة الحالية “الغرباء” والـ”مختلفين”. وتشير إلى ان ترامب اعتبر بعض أبناء الأقليات الذين يسعون إلى الهجرة والعيش في الولايات المتحدة هم صنف متدنٍ من البشر ووصفهم في بعض الأحيان بمغتصبي النساء.
في الفصل التاسع تربط أوباما حماس زوجها للانخراط في العمل السياسي بفوز الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون على منافسه الجمهوري الرئيس جورج بوش الأب لدى محاولة بوش الأب التجديد لولاية رئاسية ثانية في عام 1992. وقد شعر باراك آنذاك حسب قولها، بان أصوات الأمريكيين من أصل أفريقي أو لاتيني أو آسيوي (السود والسمر البشرة) ساهمت في فوز كلينتون. وتضيف ان زوجها (خلال دراسته وبعد ذلك في عمله) كان من محفزي الأقليات على خوض المعتركات والمنابر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وجملته الشهيرة كانت طوال حياته: “نعم نستطيع” وهي بعثت الآمال في نفوس هؤلاء الأفراد المهمشين في أمريكا والعالم والذين تجري محاولة لإعادة تهميشهم عبر استقطاب أصوات العنصريين والشوفينيين الأمريكيين ومحاولة تحريض نظرائهم وأمثالهم من المتعصبين في أوروبا وأستراليا وكندا والعالم الشمالي الغني ضد جاليات الأقليات التي تعيش في تلك البلدان.
وفي تأكيد تعاطفها وزوجها مع القيم الأخلاقية والاجتماعية الأمريكية الإنسانية (الانكلوساكسونية) تشير إلى زيارة رسمية قامت بها هي وزوجها باراك إلى بريطانيا في نيسان (ابريل) 2016 حيث استقبلتهما الملكة اليزابيت الثانية وزوجها الأمير فيليب استقبالاً ممتازاً وبحفاوة شعرت خلالها أن الملكة البريطانية إنسانة حساسة ومتواضعة برغم أهمية منصبها وخبرتها العارمة. والملكة، في رأيها (كما كان باراك يتصورها) تشبه شخصية جدته التي كان يحبها كثيراً ويستمع إلى نصائحها.
أما بالنسبة إلى موقفها إزاء المرشحة السابقة للرئاسة هيلاري كلينتون (وزيرة الخارجية السابقة في فترة من الفترات الرئاسية لأوباما) فتقول ان هيلاري كانت وفية لباراك، وأنها شخصياً استاءت جداً من طريقة تعامل ترامب معها خلال مناظرتهما التلفزيونية قبل الانتخابات الرئاسية حيث عاملها بعجرفة وفوقية، كما تباهى بانه هكذا يعامل النساء عموماً ويجبرهن على الرضوخ لمثل هذه المعاملة الذكورية.
وهذا الموقف لميشيل أوباما فيه بعض المبالغة إذ أن هيلاري كلينتون لم تدعم مواقف أوباما بالنسبة لبعض قضايا الشرق الأوسط وتأثرت بالشلة من المحافظين الجدد المؤيدين لإسرائيل المحيطين بها أكثر من تناغمها مع سياسات أوباما. وبالتالي، فان ميشيل ربما دافعت عن هيلاري من منطلق دفاعها عن النساء عموماً، فهي من مؤيدي مبدأ المساواة بين الجنسين، وتؤكد أن معظم معاونيها في البيت الأبيض كانوا من الأقليات والنساء وقد أسفوا جداً لخسارة هيلاري في الانتخابات الرئاسية ضد مرشح وصفته ميشيل بالـ”بلطجي” في تعامله مع النساء. كما حرصت المؤلفة على عدم إغضاب مؤيدي الحزب الديمقراطي الأمريكي إذا بالغت في انتقاد هيلاري.
بعد هذه الملاحظات الإيجابية عموماً عن الكتاب ومواقف ميشيل أوباما، من الجدير التنبيه إلى أن بعض الفصول الأولى منه فيها الكثير من التفاصيل والأسماء والشخصيات التي ربما تكون أقل أهمية للمتابعين للشأن السياسي بالنسبة لسيدات المنازل اللواتي قد تهمهن مثل هذه التفاصيل التي قد تتضمن بعض الرتابة والاستطراد والتطويل.
ولكن، حتى في بعض الفصول الأولى، قد يجد القارئ بعض الإشارات الهامة إلى شخصية باراك أوباما من منظار زوجته، فمثلا في الصفحة (112) من الفصل التاسع تقول: “باراك لم يكن كأي شخص ارتبطتُ به قبله، لقد كان دائماً يريحني في شتى الأمور، قلما كان يتحدث عن الأمور المادية، وكان يصرف أمواله على شراء الكتب التي كانت شبه مقدسة بالنسبة إليه، وكان يقرأها حتى وقت متقدم من الليل” وتضيف: “كان يركز في تفكيره العقلي على قضية ما ربما يستطيع لاحقاً ان يفعل شيئاً لتحسين مجراها. لقد كان مختلفاً عن الآخرين، صحيح انه كان يعالج قضايا يومية ولكن، في الوقت نفسه، كان فكره أوسع من ذلك بكثير”. هذا الرأي تورده عن قبل وصوله إلى الرئاسة، وتستطرد قائلة إن “باراك رجل مؤمن وكان يرى إيمانه في العمل في مجموعات مرتبطة بالمؤسسات الدينية لمساعدة الناس الساعين إلى النصائح والإرشاد والتوجه” (ص 114).
وتقول أنهما، وفي المراحل الأولى من علاقتهما، تشاركا في كثير من المواقف والقيم والجهود في العمل، ولكنها تضيف في الصفحة (117) “الاستماع إلى باراك دفعني إلى الإدراك بأن نظرته نحو الأمل تفوق نظرتي بمراحل”. وفي حلقاته الإرشادية كان “أشبه بواعظ مع انه لم يكن واعظاً بشكل رسمي، فإنه كان يعظ داعياً للتغيير باتجاه الأفضل وكيف يجب ان يكون العالم”. (ص 118).
وفي الفصل العاشر، تقول ان باراك وأثناء دراسته الحقوق في جامعة هارفرد كان رئيس تحرير مجلة “هارفرد لشؤون القانون” وكان بإمكانه الإفادة من ذلك للتوصل إلى كبرى الوظائف بعد تخرجه، ولكنه قرر التدرب على ممارسة وتطبيق قوانين حقوق الإنسان، وعمل لاحقاً في منصب يدر عليه مدخولاً قليلاً نسبياً. لقد كان واثقاً من نفسه ومن خياراته. (ص 131 ـ 132).
وتتحدث عن علاقاتها وزوجها الحميمتين بابنتيهما ماليا وناتاشا، وتذكر واقعة عن كيف حاولت هي وابنتها ناتاشا الخروج من البيت الأبيض بطريقة سريعة وغير تقليدية وعبرَ تحاشي حراسهما من رجال الأمن لملاقاة مظاهرة تأييد ودعم لأوباما جرت على مقربة من أبواب البيت الأبيض في المرحلة الأخيرة من ولايته.
وكانت تلك مظاهرة ضخمة مؤيدة لقرار صعب نجح الرئيس في اتخاذه. وهنا تظهر طبيعة ميشيل العفوية التي لم تتبدل بعد ثماني سنوات من دورها كسيدة البيت الأبيض الأولى.
وعن مشاعرها يوم 20 كانون الثاني/يناير 2017 الذي سلم أوباما فيه منصبه إلى الرئيس الجديد دونالد ترامب في احتفال رسمي، تقول: “كنت مرهقة ومنفعلة ولكنني كنت أيضاً أشعر بالفخر إزاء ما حققناه أنا وزوجي في السنوات التي كنا فيها نزلاء موقع الرئاسة في البيت الأبيض”. وتضيف: “ان هذه الرحلة لم ولن ننتهي وسنستمر في العمل من أجل توجه بلادنا نحو الأفضل متسلحين بالأمل الذي كان وما زال السلاح الأقوى لدى زوجي ولديّ. ولربما سنستطيع منع الآخرين من بناء الجدران الفاصلة بين أبناء الوطن في الداخل، وبينهم وبين شعوب وأجناس وحضارات العالم في الخارج.
Michelle Obama: “Becoming”
Viking, New York 2018
426 pages.