كالعادة سبقت إطلاق الدورة 44 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي عدة تساؤلات حول الجديد والمُختلف من الأفلام وبرامج العروض والضيوف وأوراق العمل والمحاور وخلافه، وكما هو معلوم من المهرجان بالضرورة جاءت ردود رئيس المهرجان حسين فهمي مُطمئنة وواثقة إلى حد كبير مع التذكير بأهمية اتباع النظام في حفل الافتتاح وحضور عروض الأفلام إلى آخر التوصيات المُقررة في كل دورة.
ولأن التجاوزات لا تتوقف والأخطاء تتكرر باستمرار جاءت شائعة إخفاء الدعوات عن بعض الصحافيين والإعلاميين مُبرراً قوياً لإقالة أحد العاملين في المركز الصحافي، لأنه تورط في تصريحات غير صحيحة أدت إلى إثارة البلبلة وأعطت الفرصة للانتقادات الحادة للمهرجان قبل بداية الدورة بأيام قليلة، وبالطبع جاءت تصريحات رئيس المهرجان مغايرة لما تم الترويج له، ومؤكدة على حق الصحافيين والإعلاميين في الحضور والتغطية، كل حسب موقعة ومنبره، حيث لا جدوى من وجود فعاليات فنية وثقافية دون مُتابعة إعلامية وصحافية جادة.
وبانقضاء حفل الافتتاح بطقوسه وزخمه وضيوفه وتكريم من تم تكريمه، بدأت سوءات كل دورة تطفو على السطح مع الأيام الأولى للعيد السينمائي السنوي الكبير، فقد لوحظ غياب عدد من نجوم الافتتاح المعهودين في كل عام، وأشير في هذا الشأن إلى أسماء بعينها من نجوم الكوميديا المعروفين ولم يتم الإفصاح عن أسباب الغياب، إلا بتلميحات خاطفة عن انتقادهم لقرار تعيين حسين فهمي رئيسا للمهرجان، بعد فشله في المحاولة الأولى قبل عدة سنوات، الأمر الذي أغضب فهمي ودفعه إلى تبييت النية لإبعادهم عن حفل الافتتاح، كنوع من رد الفعل، أو تعبيراً عن عدم رضاه لما تم تداوله من أخبار وآراء على صفحات التواصل الاجتماعي. غير أن التركيز على لبلبة كواحدة من المكرمين كان لافتاً بشكل ما، حيث طالت فترة وقوفها على المسرح أكثر مما ينبغي، في دلال وخيلاء وهي التي سبق تكريمها في عدة مناسبات خلال الأعوام القليلة الماضية، علماً بأنها لم تقدم جديداً يُذكر، ووجه الاعتراض ليس هو تكريم الفنانة الاستعراضية الكبيرة، في حد ذاته وإنما تجاهل نجوم كُثر يحق لهم التكريم والاحتفاء هو مصدر الملامة والعتاب، ناهيك من شبهة المُجاملة والتحيز في اختيار المُكرمين بشكل عام وغياب المعايير الفنية والإبداعية التي يتم على أساسها الاختيار الذي يوصف أحيانا بالعشوائية وقصر النظر.
لقد رفع مهرجان القاهرة السينمائي الدولي هذا العام شعارات براقة للإيهام بأن الدورة الرابعة والأربعين جد متميزة، وفيها من التطوير والتحديث ما يدعو للانبهار، وآيات هذا الوهم ذلك التركيز على بعض العناوين التي لا تُفضي في النهاية لشيء ذي قيمة، اللهم غير المُتاجرة الإعلامية فقط لا غير لزوم الترويج والدعاية، فهناك من بين ما ذُكر من المحاور، أن المهرجان العريق سيبحث مع المختصين كيفية توفير الحماية النفسية لصُناع الأفلام وهذا كلام مُلغز، إذ كيف يقدم المهرجان هذه الميزة الوقائية، وفي أي صيغة يُمكن أن تُقدم؟ كما أن العنوان يُثير الريبة حول مضمون الحماية النفسية وأسبابها ودوافع التفكير فيها!
رفع مهرجان القاهرة السينمائي الدولي هذا العام شعارات براقة للإيهام بأن الدورة الرابعة والأربعين جد متميزة، وفيها من التطوير والتحديث ما يدعو للانبهار، وآيات هذا الوهم ذلك التركيز على بعض العناوين التي لا تُفضي في النهاية لشيء ذي قيمة
فما يُمكن أن يتبادر إلى الأذهان هو وجود حالات اضطراب نفسي وعصبي بين مُبدعي السينما وصُناعها، وهذا ما لم نُحط به علماً، عالمياً أو دولياً أو إقليمياً أو محلياً، فلم تظهر حالات مرضية من هذا النوع تستدعي إطلاق شعار بهذه الأهمية والخطورة، وهو ما يُحيل العملية برُمتها إلى الظن بأنها مجرد تقاليع يُراد بها إحداث حالة غير واقعية من التفكير خارج الصندوق، في ما يخص صحة صُناع السينما، كأن الآثار الجانبية للمهنة تقتصر فقط على التوتر والعصبية وما دونها من مُشكلات أقل أهمية!
وما يُثير الدهشة أيضاً في جدول الأبحاث والمحاور الثقافية ذات الصلة هو الدعوة إلى جعل السينما صديقة للبيئة، باعتبار أن العادم الذي يخرج من صناعة الأفلام يُضبب الرؤية، ويؤثر في صحة المواطن المُحب للفن والسينما، إن الصيغة المُثلى لتوجيه السينما لخدمة البيئة هي التوصية بإنتاج أفلام توعويه وإرشادية، تحذر من مخاطر التلوث، وتدفع إلى الاهتمام بالبُعد عن مصادر التأثير السلبي للنفايات وهذه عملية تضطلع بها السينما التسجيلية في المقام الأول لتكوين ثقافة تراكمية عن مظاهر التحضر والوقاية الصحية وخلافة، فليس معنى أنك تتناغم مع فكرة المُحافظة على المناخ واتقاء شر الانبعاث الحراري المُخيف أن تُحمل السينما تبعات ما يُستجد من مُشكلات هي في الأصل خارج دائرة تخصصها، وإن اتصلت بها اتصالاً هامشياً.
أما عن بقية الأفكار الجديدة والمُتجددة التي حملتها الدورة 44 للمهرجان السينمائي المصري المُهم، فتتمثل في الدعوة إلى ترميم بعض الأفلام التراثية، التي أصابها التلف وأوشكت على التحلل، وهذه دعوة تأخرت كثيراً، أو تأخر تفعيلها بشكل جدي لأن صيحات المُطالبة بترميم الأفلام انطلقت منذ فترة طويلة، لكن أحداً من المسؤولين في وزارة الثقافة والمعنيين بالأمر لم يعرها اهتماماً كافياً، فما تم ترميمه بالفعل لا يتعدى فيلماً أو فيلمين من بينهما فيلم لاشين الذي تمت مُعالجته وعُرض في افتتاح إحدى دورات مهرجان السينما الروائية قبل عشرين عاماً تقريباً.
أما عن بروتوكول التعاون مع السينما الكندية، فهو أمر مُستحب، لكن يجب أن يكون مرهوناً بدعم ملموس وواضح ومُحدد، كأن يتم تفسير أوجه التعاون وشروطه، ومدى الاستفادة منه سينمائياً وثقافياً، فما أكثر البروتوكولات التي تم الاتفاق عليها ولم تُسفر عن شيء، إلا مجرد التعامل الدبلوماسي في إطار العروض والأمسيات وإقامة الحفلات وكفى، وبالقطع لم يؤد ذلك لمنفعة تختص بالإنتاج المُشترك أو تبادل الخبرات التقنية والصناعية كما كان مأمولاً، والخوف من أن تقتصر بنود البروتوكول الكندي المصري المُرتقب على إظهار حُسن النوايا بتكثيف الحفلات والحديث عن الروابط الحضارية المُشتركة.
كاتب مصري