مُفيد فوزي هو الاسم الأشهر في عالم الصحافة. ولد في عام 1933 وتخرج في كلية الآداب قسم اللغة الانكليزية وعُين في نفس العام مُحرراً صحافياً بمجلة «صباح الخير». ظهرت موهبته في الكتابة وابتدع أسلوباً جديداً في فن الحوار، تأكدت قُدراته في أول حوار صحافي أجراه مع زينب الغزالي فكان ذلك بمثابة فرصة ثمينة حصل عليها المُحرر الشاب الذي دأب على إجراء الحوارات الصحافية مع كبار الشخصيات المؤثرة في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية إيماناً منه بأن الحوار هو مفتاح الشخصية، وبالفعل تميز مُفيد فوزي في هذا الجانب تميزاً واضحاً.
وقد ظل طوال حياته مُعتنياً بالأسلوب الحواري ومطوراً فيه. فبحسب اعتقاده كان الاستفزاز وسيلته المُثلى للوصول إلى أبعد نقطة في عمق الشخصية، لذا اعتمد على اللغة الاستفزازية في مُعظم الحوارات التي أجراها، ونجح بشكل كبير في اختراق الحواجز بينه وبين ضيوفه من السياسيين والكُتاب والمُثقفين والفنانين. وبرغم تحفظ الكثيرين على أسلوبه وترددهم في الإجابة عن أسئلته المُحرجة، إلا أنه تمكن من إحراز أفضل النتائج والحصول على أدق الأسرار والاعترافات من أكثر الناس حذراً وحيطة.
تأثر مُفيد فوزي بالكاتب الصحافي الكبير أحمد بهاء الدين واستفاد من خبراته، لكنه غايره في الأسلوب وطريقة الكتابة. فقد كان باحثاً عن المُثير والغامض ومُولعاً بكل ما هو مُركب وصعب ومُستهدفاً للشهرة التي كان يعرف تماماً أنها سر التأثير الحقيقي في الجماهير، فكلما بلغ الصحافي قدراً من الشهرة كان لحروفه وكلاماته مفعول السحر، وقد عمل الصحافي الراحل بهذا المبدأ ونجح بالفعل في أن يصل إلى أعلى مُعدلات التأثير في الشارع المصري والعربي.
ولأنه كان يعرف أن الممنوع مرغوب ويُدرك أن سر النجاح في الغموض، لجأ إلى الكتابة باسم مُستعار إمعاناً في الإثارة ولفت النظر ودفع القارئ إلى البحث والتقصي لمعرفة الكاتب الذي يُخاطبه. فقد اختار الكاتب الراحل اسم نادية عابد ليوقع به على مقاله الأسبوعي في مجلة «صباح الخير» فيُحيط الشخصية الوهمية بهالة من الاهتمام والهيبة ويُثير العديد من التساؤلات حول شخصيتها وثقافتها وموقعها القيادي في المجلة ذائعة الصيت.
ويظل القارئ مُعتقداً أن كل ما يُكتب من أفكار وإبداعات ومُشاغبات هو من بنات أفكار الصحافية الموهوبة نادية عابد، ولم يكن القراء يعرفون أن هذه الخدعة الذكية وراءها رئيس التحرير مُفيد فوزي الذي اختلق هذا الاسم الوهمي ليُثير الخيال ويُضاعف التوزيع.
جانب آخر من شخصية مُفيد فوزي ساعده كثيراً على النجاح والألمعية في عالم وآفاق صاحبة الجلالة، هذا الجانب يتعلق بقدرته على نسج العلاقات مع المشاهير من أهل الفن والفكر، وهذه الميزة سهلت عليه المهام الصحافية الصعبة في كثير من الأحيان، فمن أشهر علاقاته وصدقاته تلك العلاقة التي كانت تربطه بعبد الحليم حافظ والتي تجاوزت حدود العلاقة الوجوبية بين الصحافي والفنان وتحولت إلى صداقة فعلية استفاد منها الطرفان على المستوى الإنساني والمهني، حيث ساهم كل منهما في نجاح الآخر وأضاف له المزيد من البريق والتحقق.
ففي نفس الوقت الذي دعم فيه مُفيد فوزي عبد الحليم بمُتابعة أخباره ونشر اسمه وصوره بشكل لائق وجذاب. دعم حليم وهو المُطرب الأشهر مسيرة صديقة الصحافية وعمل على رسوخه كأحد الأقلام النقدية المُهمة في المجال الفني والإبداعي، وظل الاثنان أوفياء لعلاقتهما التاريخية حتى رحل المطرب الكبير مُبكراً عام 1977 فبقي مُفيد وفياً لذكراه.
ولم تكن هذه العلاقة القوية استثناءً في مشوار الكاتب الصحافي الراحل مُفيد فوزي، ولكنها كانت الحلقة الأقوى في سلسلة علاقات طويلة ومتينة ربطته بنجوم آخرين من أهل الإبداع كأم كلثوم وسُعاد حسني وعبد الوهاب وإحسان عبد القدوس ويحي حقي ويوسف إدريس ونجيب محفوظ.
فكل هؤلاء كانت حياتهم الفنية والأدبية مادة خصبة لمقالات صحافية متميزة في أرشيف الكاتب والصحافي والإعلامي التلفزيوني الذي نوع نشاطه ما بين الأوراق والأقلام والشاشة الفضية، فأثرى العقل الجمعي بالرؤى الإبداعية على اختلاف صورها وأشكالها فكانت برامجه الشهيرة، حديث المدينة ومفاتيح وعلامات استفهام بمثابة دروس في كيفية إدارة الحوار التلفزيوني على خلفية الأحداث والوقائع الحية المُرتبطة بالجماهير والعاملة على كشف المستور وتفعيل مبدأ الشفافية في ما يخُص القضايا الرئيسية والتفاعل الحقيقي للرأي العام.
لقد زخرت مكتبة مُفيد فوزي بعدد من المؤلفات ذات الصلة بعطائه الصحافي والمعرفي وبرزت من بينها عناوين مهمة، ككتابه «جواز سفر إنسان» و«كندا حُلم المهاجرين» و«هيكل الآخر» و«رحلات صحفية» و«قصيدة اعتراف لنزار قباني» و«أطول رومانسيات في زمن الجفاف» و«نصيبي من الحياة» والأخير تضمن مذكراته وأهم محطاته في مشوار العُمر الطويل الذي ناهز 89 عاماً.