مِشرط الكاتب ومشاعر الأبوة

لا شك في أن من أصعب مهام الكتابة هي تشريح المشاعر الإنسانية وتقديمها بمستوى يكون قادراً على أن يُشرِك القارئ في تفاصيلها؛ فيعيشها ويتفاعل معها خوفاً وحزناً وفرحاً وحباً وغضباً.. وعندما ينجح الكاتب في أن يجعل الكاتب يتفاعل بمشاعره مع ما يكتب، كأن يبكي مثلاً أو أن يرقص، فتلك مهمة جسورة تؤكد عبقرية الكتابة؛ إذ ماذا تبقى لتقدّمهُ الصورة السينمائية من إعادة (تعليب) هذا العمل، إذا كان النص مكتوباً قد وصل بالقارئ إلى هذه المرحلة من التفاعلية؟ وهي عبقرية يشاركها المترجم عندما ينجح أيضاً، في الإمساك بمِشرط مماثل، وينقل تلك المشاعر للغة أخرى يُجيد القارئ فهمها والتفاعل معها.
مَن شاهد فيلم «The road» للمخرج جون هيلكوت، وبطولة فيغو مورتنسن وغاي بيرسي وربوبيرت دوفل وشارليز ثيرون، بعد أن قرأ رواية «الطريق» الصادرة عام 2006 للبريطاني الأمريكي كرماك مكارثي، لن يجد أن الفيلم المأخوذ من الرواية ذاتها قد أضاف شيئاً لعبقرية العمل الروائي، بقدر استغلاله لتلك العبقرية وإعادة تعليبها سينمائياً؛ فمشهد موت الأب ومصارعة الابن لحقيقة فقد الأب، لم تمنحها السينما أفضل مما قدّمته الكلمة في النص الروائي، وكذلك مشاعر الخوف التي رافقت رحلة الأب مع حماية الابن خلال الطريق بحثاَ عن النجاة من (الأرض المحروقة).. ونحن هنا لا نقلل من قيمة العمل السينمائي على حساب عبقرية النص الروائي؛ فمخُرج الفيلم كان بارعاً في حرصه على أن يكون بمستوى العمل الروائي، خاصة في تجسيد أجواء الخوف المحيطة بالأب والابن، وهما يسيران في طريق مليء بآكلي لحوم البشر؛ لدرجة تشعر بعظمة العمل السينمائي الموازي، وقد اختزل الرواية في حوار وصور وأصوات (سيناريو) يبرز ملامح الدمار والخراب الذي أصاب الإنسان والأرض، لكن الكاتب في المقابل أبقي الإنسان عامراً في شخصية الأب في رعايته لابنه تحت مظلة بقيت إنسانية، في عالم توحش فيه كل شيء، وهو ما استغله الفيلم ونجح فيه أيضاً.
وتتجلى خصوصية هذه الرواية في حكايتها التي تُجيب وفق أحدهم على سؤال يتحتم على كل منا الإجابة عليه: مَن ستكون بعد أن يموت كل شيء من حولك وتبقى أمام تحدي البحث عما يسد جوعك ويديم بقاءك؟ وهو سؤال يبث الخوف في الروح بمجرد إطلاقه؛ لأن إجابته تتعلق بما يتبقى لدينا من إنسانية في حياة ما بعد (الحريق العظيم)، الذي تصبح الحياة، نتيجة له، مليئة بالدمار؛ وهو ما يصبح معه الإنسان أمام امتحان عسير لإنسانيته في مواجهة (التوحش) الكامن في الجوع والخوف من الموت؛ وهنا كأن بمكارثي في هذه الرواية التي ترجمها للعربية محمد علي فرغل، يدعو الإنسان لأن ينتصر لإنسانيته و(أبوته الكبيرة) في مواجهة الموت والفناء، وللحياة والخير في مواجهة الشر والإفناء، وأن يتجاوز فكرة إفناء الذات (الانتحار) في مواجهة فقد كل شيء؛ فأنت إنسان ويجب أن تبقى إنسانا في رعايتك لقيم الإنسان في داخلك.

هذه الأعمال التي تشتغل بكثافة على المشاعر الإنسانية قد تستغرق من القارئ وقتًا طويلاً للقراءة، ليس لأنها طويلة بل لأن قراءتها مهمة شاقة مثلما كانت كتابتها وترجمتها ليست بالمهمة اليسيرة.

إنه الخوف اشتغل عليه مِشرط مكارثي بعناية فائقة ينتقل معها القارئ من عالمه إلى عالم مليء بالقتلة واللصوص، ويجد نفسه مشاركاً الأب مَهمة حماية الابن، وكم كان الحدث مشحوناً بالخوف والحزن الذي بلغ ذروته عندما تفاجأ الابن بأن أباه الذي ودعه قبل نومه قد نام نومته الأخيرة، ولم يترك له سوى مسدسه ووصيته بعدم الوثوق بالغرباء.
أحيانا هذه الأعمال التي تشتغل بكثافة على المشاعر الإنسانية قد تستغرق من القارئ وقتًا طويلاً للقراءة، ليس لأنها طويلة بل لأن قراءتها مهمة شاقة مثلما كانت كتابتها وترجمتها ليست بالمهمة اليسيرة، وأحياناً يشعر القارئ بالإشفاق نحو الكاتب؛ إذ كيف استطاع تخيل كل هذا الألم وسكبه في هذه السبيكة الحارقة؟
الحديث عن الحزن أو أي مشاعر إنسانية معينة في العمل السردي لا يعني تصنيفاً للعمل في هذا النطاق أو ذاك من المشاعر؛ فالحزن والخوف والاشتغال على المشاعر الإنسانية عموماً متوفر في كل الكتابات السردية، ويتوفر هذا الاشتغال في كل مجالات الكتابة الروائية، لكن بمستويات وحرفيات مختلفة؛ فرواية «الطريق» تنتمي لأدب ما بعد نهاية العالم، لكنها في اشتغالها على الخوف كان مِشرط الكاتب ذكياً ومفعماً بالإنسانية التي تُعيد تقويم (أبوة) القارئ في علاقته بقيم الحياة، وكذلك غيرها من الروايات، كرواية «روسهالده»، مثلاً، للكاتب الألماني هرمان هيسه؛ فهي تنتمي للروايات الفلسفية والروحية، وقد ترجمها للعربية أكثر من مترجم، لكن اشتغال الرواية على الحزن كان مختلفاً ومسيطراً على سير الحدث الدرامي، بل ظل العمل مشحوناً بالحزن من بدايته حتى نهايته. وهنا تقول لنا هذه الرواية: يمكن أن يكون الحزن أو المشاعر الإنسانية عموماً مجرد كلمات يولدها الخيال، لكنها من خلال التعبير الصوري والدلالي الفريد تصنع مشاعراً حقيقية عند قراءتها، ولك أن تتوقف عند تصوير معاناة «بيير» ابن الفنان «فيرغوث»، بل معاناة الأب «فرغوث» نفسه في رواية «روزسهالده»، ولن تحتمل قراءة الألم، بل ربما ستبكي؛ فالخوف الذي بثه مكارثي في رواية «الطريق» وجعلك كقارئ تتلفت يمنة ويسره خوفًاً على الابن، يجعلك الحزن الذي بثه هيسه في روايته «روزسهالده» تتحسس إنسانيتك وأنت تعتصر ألمًا وحزناً على الأب والابن أيضا، خاصة خلال لحظات اشتداد مرض «بيير» قبل موته.
الكتابة الإبداعية في العموم تُعيد الاعتبار لإنسانيتك في كل ما تشرّحه ببراعة من مشاعر، وعليك أن تتفقد وعيك الإنساني عقب قراءة كل عمل جميل وستجد وعيك متوهجاً، كإحساسك القويم بالأبوة، مثلاً، عقب قراءة روايتي «الطريق» و»روسهالدة».. فأهلاً وسهلاً بمِشرط كتابة كهذه تثير خوفك وحزنك، أو أيا من مشاعرك الإنسانية، لكنها تستهدفك أنت وعياً إنسانياً رفيعاً بالحياة من حولك.

٭ كاتب يمني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية