أحد الأسئلة المطروحة هذه الأيام بالنسبة لدور المثقفين عموماً، والعرب منهم خصوصاً، هو هل من المفيد خوضهم المعترك السياسي بشكل مكثف أو الاستمرار في مراقبة وتقييم الأوضاع السياسية من مواقعهم الأكاديمية والفكرية بموضوعية وعدم الغوص أكثر مما يجب في عمليات اتخاذ القرارات السياسية بشكل مباشر؟
هذا سؤال يطرحه كتاب صدَرَ مؤخراً بالانكليزية بعنوان: «المثقفون العرب والنفوذ الأمريكي: إدوارد سعيد وشارل مالك وأمريكا في الشرق الأوسط» لمؤلفه م. د. والهوت، الأستاذ المخضرم في جامعة سياتل باسيفيك الأمريكية، المتخصص في متابعة المواقف الفكرية والفلسفية لكبار المثقفين العرب الذين اختبروا العالمين الغربي والعربي في عملهم وانخرطوا في حضاراتيهما في شتى المجالات واحتلوا مناصب فاعلة فيهما.
اعتمد والهوت على دراسته المعمقة لما أتيح له الحصول عليه من معلومات في مكتبة الكونغرس الأمريكي في واشنطن وعبر اتصالاته المباشرة بشخصيات من عائلتي سعيد ومالك ومع زملاء لهما في مناصبهما المتعددة والبارزة في العالم، علماً ان مالك كان وزيراً للخارجية اللبنانية في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وقبل ذلك مثّل بلده لبنان كسفير في أمريكا وشارك في وضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى جانب اليانور زوجة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، قبل أن يترأس الجمعية العمومية للأمم المتحدة في عام 1958. وإدوارد سعيد كان مستشاراً للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وشخصية مقربة من قيادات منظمة التحرير الفلسطينية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وشارك في وضع اللمسات الأخيرة على خطاب عرفات الشهير في الأمم المتحدة في عام 1974 والذي قال فيه: «انني أحمل البندقية في إحدى يدي وغصن الزيتون في يدي الأخرى» إلى جانب مناصبه الأكاديمية خصوصاً في جامعة كولومبيا الأمريكية.
شارل مالك كان يُعتبر حليف أمريكا المقرب في الشرق الأوسط خصوصاً في الفترات التي كان الحزب الجمهوري الأمريكي في السلطة، في فترة حكم الرئيس دوايت ايزنهاور في خمسينيات القرن الماضي بمعاونة وزير خارجيته جون فوستر دالاس والمسؤولين الأمنيين في عهده.
وكان مالك يتمتع بنفوذ كبير في فترة حكم الرئيس ريتشارد نيكسون، أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات وفي عهد الرئيس رونالد ريغان في الثمانينيات.
أما إدوارد سعيد فكان مقرباً من الحزب الديمقراطي الأمريكي، وجناحه المعتدل المتحفظ إزاء الهيمنة السياسية والإعلامية والأكاديمية للصهيونية المؤيدة للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، لكون ادوارد ولِدَ في القدس ونشأ في عائلة متمسكة بجذورها الفلسطينية حتى عندما عاشت في مصر أو أمريكا أو لبنان.
ويؤكد الكاتب أن سعيد تأثر فكرياً في شبابه بمواقف معلمه وقريبه شارل مالك ولكنه ابتعد عن هذا الموقف بعدما شعر بإحباط إزاء ما اعتبره موقف مالك المتخاذل بعد حرب الأيام الستة التي استولت خلالها إسرائيل على الضفة الغربية وغزة والقدس عام 1967. واعتبر سعيد انه كان من المنتظر من مالك استخدام نفوذه لدى أمريكا واتصالاته الوثيقة بقادتها لدعم الموقف العربي الفلسطيني ودفعهم لمواقف شبيهة لما فعلوه عام 1956 عندما أفشل الرئيس الأمريكي ايزنهاور الغزو البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي لمصر تحت قيادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وكان مالك لعب دوراً هاماً آنذاك وكذلك في عام 1948 عندما دافع كسفير لبلده عن حقوق الشعب الفلسطيني في الأمم المتحدة، وتحفظ إزاء مشروع تقسيم فلسطين على أسس إثنية وطائفية.
ولعل السبب في تبدل موقف مالك كان أن الرئيس الأمريكي ليندون جونسون، الذي ورث الرئاسة بعد اغتيال الرئيس جون كنيدي وكان رئيساً في عام 1967 اعتبره المراقبون أحد أشد قادة أمريكا تأييداً للأهداف والمشاريع الصهيونية الإسرائيلية ولم يكن بوسع مالك القيام بما كان يقوم به خلال عهود الرؤساء الجمهوريين السابقين، حسب قول المؤلف.
فقد كان مالك كما ورد في الكتاب، يملك خط اتصال مع وزير الخارجية جون فوستر دالاس وشقيقه آلان دالاس مدير وكالة الاستخبارات المركزية في عهد الرئيس ايزنهاور، وكانا يستمعان إلى نصائحه، هما وأعوانهم المسؤولين عن شؤون الشرق الأوسط وبينهم كيم روزفلت ومايلز كوبلاند وبيل ايفلاند إلى درجة انه بعد فشل غزو مصر ورغبة الرئيس جمال عبد الناصر بإعادة فتح قناة السويس، تحت شروط مفيدة لمصر وقيادتها، طلب الرئيس المصري من مالك (كوزير خارجية لبنان) المجيء إلى القاهرة والاجتماع معه في هذا الشأن، وقد تم مثل هذا الاجتماع في مطلع عام 1957 وساهم في تحقيق خطوات فاعلة لتقريب النظام المصري من الغرب قبل ان تعود مصر لاحقاً إلى الانفتاح على المعسكر السوفييتي. (ص 57). وطالب الرئيس عبد الناصر في الرسالة التي سلمها لمالك الانسحاب الإسرائيلي الشامل من سيناء وغزة لحل مشكلة قناة السويس. وقد حمل مالك الرسالة إلى باريس ولندن قبل ذهابه إلى نيويورك وواشنطن حيث اجتمع بالمسؤولين الأمريكيين حول ما ورد فيها.
لكن مالك كان في الوقت نفسه مؤيداً لـ(مشروع ايزنهاور) الذي صدَرَ في مطلع 1957 والذي نص على حماية أمريكا لأي دولة تتعرض لاعتداء عسكري من جيرانها، والذي تم استخدامه لدعوة قوات عسكرية أمريكية إلى لبنان في صيف عام 1958. وحاضرَ مالك على منبر هيئة الأمم المتحدة في نيويورك في 16 أيلول (سبتمبر) 1958 داعياً إلى مثل هذه الخطوة التي نُفذّت في لبنان.
ويعرض المؤلف والهوت طبيعة العلاقة بين سعيد ومالك مشيراً إلى: «تأثير حرب 1967 المفصلي الكبير على علاقة شارل مالك بإدوارد سعيد، فقد أصبح إدوارد مناضلاً فلسطينياً بكامل معتقداته وخياراته، فيما تحفّظ مالك إزاء مواقف القيادات الفلسطينية في لبنان آنذاك واعتنق القضية القومية اللبنانية ومواقفها». (ص 80).
وفي مقطع آخر في الكتاب، يقول المؤلف بإن مالك ربما كان يسعى للوصول إلى رئاسة الجمهورية اللبنانية بعد عودة نيكسون إلى الرئاسة الأمريكية عام 1968 (برغم انه ليس مارونياً في انتمائه المسيحي بل أرثوذكسياً) وان رسائل من السفير الأمريكي في بيروت في تلك الحقبة (دوايت بورتر) إلى الخارجية الأمريكية في واشنطن أشارت إلى مثل هذا الأمر، وان بورتر قال في إحدى رسائله ان مالك يحاول دفع الإدارة الأمريكية إلى إطاحته من منصبه الدبلوماسي. كما أضاف بورتر ان مالك كان يسعى بشتى الوسائل لإعادة الرئيس كميل شمعون إلى الرئاسة (إذا لم ينجح هو في الوصول اليها) ولكنه اقتنع في النهاية بان سليمان فرنجية كان الخيار الأفضل لمنع عودة الجنرال فؤاد شهاب إلى الرئاسة أو إيصال أحد أعوانه (الياس سركيس) إلى ذلك المنصب. وهكذا كان، فقد فاز فرنجية برئاسة الجمهورية بأكثرية صوت واحد عام 1970. (ص 84).
ولعله من المفيد الإشارة إلى ان والهوت وبرغم الانتقادات التي وجهها إلى مالك ولتدخله في كل شاردة وواردة عندما أتيح له المجال للقيام بذلك، فانه كان متوازناً إلى حد ما في عرض مواقف مالك الأخرى، فيقول: «عندما شعر مالك بان الحرب الأهلية في لبنان أصبحت على مشارف الوقوع كتَب مقالاً في مجلة (موندي مورننغ) اللبنانية قال فيه انه وبما ان معظم دول العالم اعترفت بـ(منظمة التحرير الفلسطينية) كممثلة للشعب الفلسطيني فإنه حان الوقت لأن تقوم الولايات المتحدة بمثل هذه الخطوة علناً وان تدخل في مباحثات رسمية مع المنظمة حول كل شؤون الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وانه على أمريكا ألا تفرض شروطاً قبل القيام بمثل هذه الخطوة فليس من الضروري الطلب مسبقاً من قيادة منظمة التحرير ان تتخلى عن مواقفها، بل ان الأمور ستصبح أسهل بعد الاعتراف بها كممثل للشعب الفلسطيني. (ص 92).
وفي مقاطع لاحقة، يقول الكاتب إن شارل مالك دعا إلى «سلام ابراهيمي إسلامي ـ يهودي ـ مسيحي» وليس إسلامياً يهودياً فقط كما حدث في كامب ديفيد بين الرئيس أنور السادات ومناحيم بيغين. علماً أن مالك كان من المؤمنين بوحدة الطوائف المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية تحت سلطة البابا الكاثوليكي في روما. أما ادوارد سعيد فمع انه كان علمانياً في ميوله السياسية والدينية فإن عائلته انتمت إلى الطائفة البروتستانتية الانغليكانية، وصُلّي على جثمان والده في إحدى هذه الكنائس في بيروت بينما صُلّي على جثمانه هو ودُفن في كنيسة الفريندز في برمانا لبنان، وهي أقل الكنائس البروتستانتية تعصباً وأكثرها تعاطفاً مع القضية الفلسطينية. وقد دُفن على مقربة من مدرسة برمانا العالية في جبل لبنان التابعة لهذه المجموعة.
بيد ان الكاتب يشير إلى ان أحد أهم الفوارق بين إدوارد سعيد وشارل مالك في المجال الديني ـ السياسي كان أن سعيد عارضَ ورفض بوضوح إنشاء الكيانات السياسية في فلسطين وغيرها على أساس ديني ولذلك كان يرفض أي تقسيم لفلسطين على أساس عرقي ـ ديني، وبالتالي كان يرفض قطعاً أي دولة يهودية أو غير يهودية ترفض الاعتراف بأبناء الطوائف الأخرى فيها كسكان ومواطنين متساوين في حقوقهم مع المنتمين إلى الطائفة الحاكمة فيها.
ومن الملاحظ أن الكاتب ربما ناقض نفسه حول اختلاف مالك عن سعيد في هذا المجال. ففي خطابات مالك المتواصلة في لبنان وأمريكا عن الدور الرئيسي للمسيح والمسيحية ومبادئهما في تحرير العالم من الديكتاتورية والظلم كان هو أيضاً يرفض تقسيم فلسطين (أو غيرها) على أساس ديني ويعارض مبدأ الدولة اليهودية العنصرية الصهيونية منذ أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. وكان يدعو إلى دولة فدرالية لبنانية في قالب شبيه بالفدرالية في الولايات المتحدة بحيث لا تهيمن أي طائفة دينية على الطوائف المنتشرة في الفدراليات المختلفة الأخرى تذرعاً بحجج دينية ـ سياسية.
وفي نهاية هذه المراجعة، لا بد من الإشارة إلى أن شارل مالك الفاعل في التأثير على القرارات الأمريكية تقلص تدريجياً عندما نجحت المنظمات واللوبيات الصهيونية في أمريكا في خلق بديل له مؤثر جداً على قرارات الرؤساء والمسؤولين الأمنيين في الولايات المتحدة ألا وهو هنري كيسنجر الذي تمتع بالمؤهلات التي تسمح له بذلك.
والآن… لبنان وفلسطين هما في عهد مواجهة العنصرية والفشل الاقتصادي والمالي، ودول عربية أخرى ربما لحقت أو ستلحق بهما. وهذا أمر لن يفرح له لا شارل مالك ولا ادوارد سعيد (حيث هما) ولن يقضي على انجازاتهما كمفكرين بارزين تقاربا ثم تخاصما سياسياً فتباعدا.
M.D. Walhout: «Arab Intellectuals and American Power»
I.B. Tauris, London and New York 2021
295 pages.