ما هي العوامل الأساسية التي تدفع الجماهير في المشرق العربي إلى التظاهر والنزول إلى الشوارع بكثافة مطالبين بتغيير الأنظمة، كما حدث ويحدث في السنوات الأخيرة؟
هل هي بالفعل الحاجة للمطالبة بتحقيق الديمقراطية أو هي نتيجة لدوافع اقتصادية، أو هل هناك عوامل أخرى موازية وربما تكون أكثر تأثيراً؟
وهل يكفي تأثير الانترنت ووسائل التواصل والإعلام الاجتماعي المتطورة لدفع عشرات الآلاف من المواطنين العرب والمشرقيين للصمود لأسابيع وأشهر في مواجهة جيوش وأنظمة قمعية؟

هذه بعض الأسئلة التي طرحها الدكتور نبيل دجاني، أستاذ الإعلام والعلوم الاجتماعية في الجامعة الأمريكية في بيروت في كتابه الصادر بالعربية: “إشكاليات في الإعلام العربي” والذي وردت بعض أفكار منه في كتاب صدر منذ أسابيع بالإنكليزية بعنوان “الإعلام في لبنان”.
سنتناول في هذه المراجعة الكتاب الأول الذي صدرَ في مطلع هذا العام بالعربية عن “دار الفارابي” في بيروت والذي عُدلت بعض فصوله وكُتبت مقدمته في نهاية العام الماضي.
يعتبر دجاني، الاختصاصي في الإعلام والعلوم الاجتماعية منذ حوالي نصف قرن (في المحور الثالث من كتابه الصادر بالعربية) أن من أهم العوامل التي تدفع الإنسان العربي إلى النزول إلى الشوارع والمخاطرة بحياته (وحتى تعرضه لفقدان الحياة) هو شعوره بخسارة كرامته وكبريائه وشرفه. ويرى في الصفحة (181) ان الصفعة على وجه أحمد بو عزيزي من قبل ضابط شرطة تونسي (بالإضافة إلى فقره ومعاناته) هي التي دفعته إلى إحراق نفسه وإشعال أولى ثورات “الربيع العربي” في تونس وليس توقه إلى ديمقراطية ربما لم يختبرها في حياته.
ويضيف في الصفحة نفسها: “من الأمثلة على أهمية الكرامة والاعتزاز لدى الإنسان العربي (خصوصا الفقير) التأييد الجماهيري الضخم لمواقف الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، حيث لا يمكن وصف نظامه بالديمقراطي الناجح اقتصاديا ومع ذلك يعتبره ملايين العرب (حتى الساعة) الزعيم العربي الأكثر شعبية في زمننا الحديث”. ومع أن مقال دجاني هذا ورد في صحيفة أجنبية متخصصة في الإعلام في السنوات الأولى لـ”الربيع العربي” فإن فكرته الرئيسية انطبقت وما زالت على كثير من التظاهرات الضخمة التي جرت وتجري في بلدان عربية أخرى والتي أسقط بعضها أنظمة وكاد بعضها الآخر أن يفعل ذلك لولا تدخلات أجنبية أو ردات فعل معاكسة.
ويوضح في المقدمة أن الكتاب مكون من مجموعة مختارة من مقالات أو محاضرات كتبها أو ألقاها في السنوات الماضية للألفية الثانية (وحتى قبل ذلك) وهي تعبّر عن قناعاته في مسيرته المهنية والعلمية خلال النصف قرن الماضي.
في المحور الثالث (القسم الثالث) يقدم الكاتب مفهومه لـ”الربيع العربي” ولدور التقنيات الإعلامية الحديثة في نجاحه أو فشله.
ويقول في الصفحة (174) إن المجتمع الأكاديمي اليوم أصبح غارقاً ومفتوناً بتقنيات “فيسبوك” و”تويتر” والوسائل الإعلامية الجديدة الأخرى حتى صار البعض يعتبرها سبباً في إطلاق الانتفاضات العربية الأخيرة وإحداث تغييرات في الأنظمة في تونس ومصر وليبيا وغيرها مؤخراً.
هذه الوسائل، في رأيه، يمكن أن تضخم في رسائل الاحتجاج، ولكن القول بإنها سبب التغيير الاجتماعي قول يحتاج إلى التدقيق والمزيد من البرهان، فالتاريخ حافل بأخبار شعوب أسقطت أنظمة وقيادات قبل وقت طويل من ظهور الانترنت وتويتر وفيسبوك. فالتفاعل الإنساني البشري المباشر مع الجماهير من قبل قياديين ناشطين يشعرون بمعاناتها أو بين فئات الجماهير نفسها خلال التظاهرات والاحتجاجات قد تكون أكثر أهمية من وسائل التواصل الاجتماعي. الانترنت (في رأي الكاتب) عامل فعال في نشر المعلومات ودعم المواقف والمعتقدات، ولكنه ليس العنصر الأساسي في تحويل المواقف والآراء، فهو أداة توعية ولكنه ليس الأداة الرئيسية في تغيير الأنظمة. ويعتبر أن صرف النظر عن وسائل الاتصال التقليدية والتركيز فقط على الانترنت يشكل خطأ. التواصل الوجاهي (وجهاً لوجه) وفي الجوامع والكنائس والمقاهي والصبحيات والتجمعات الشعبية الأخرى كلها وسائل أساسية في نظر دجاني (ص 175).
ويؤكد أن الساسة والمفكرين الغربيين غالوا في اعتبار الديمقراطية في مفهومها الغربي مطمحاً أساسياً للشعوب من الثقافات المختلفة وبينها أبناء الثقافة العربية وأخطأوا في الاعتقاد بأن النموذج الديمقراطي الغربي هو ما تسعى إليه الشعوب العربية والإسلامية التي تعيش في مجتمعات أبوية تقليدية حيث القرارات تأتي عن طريق الشورى والتشاور من الأعلى إلى الأسفل بدلاً من الأسفل إلى الأعلى في كثير من الأحيان.
الشعوب العربية أيدت جمال عبد الناصر لأنه انتفض لكرامة العرب والمسلمين ووقف في وجه “المؤامرات” الأجنبية مع انه لم يخلق مجتمعاً أكثر ديمقراطية يسوده الرخاء الاقتصادي، في رأي الكاتب. وهذا الأمر انطبق على قادة آخرين في “المشرق العربي”.
في المحور الثاني، يورد مقالين كتبهما عن “الفضائيات العربية ومدى تأثيرها على المشاهد العربي” وعن “تغطية الفضائيات العربية للحرب الإسرائيلية على غزة” استقاهما من محاضرتين ألقاهما في ندوتين لـ”اتحاد إذاعات الدول العربية” التابع للجامعة العربية عقدا في بيروت في أواخر العقد الأول من الألفية الثانية.
ففي مقاله عن تأثير الفضائيات العربية، يقول إن: “التقنية الإعلامية (في الفضائيات العربية) ليست عربية، فهي خاضعة أساساً للبلدان الأجنبية المنتجة لها وبالتالي نرى هيمنة للثقافة الأجنبية على محتوى عدد كبير من الفضائيات العربية ما يساهم في تغريب المواطن العربي عن مجتمعه. وما يراه لا يدفعه نحو التغيير الإيجابي في مجتمعه وواقعه (في كثير من الأحيان) فتتحول أنظاره عن المشاكل الاجتماعية والقومية الحقيقية إلى مشاكل مستوردة من خارج مجتمعه. وبعض المحطات الفضائية العربية تعرض أكثر مما يجب وجهة النظر الصهيونية أو الخلافات بين الدول العربية ما لا يؤدي لتوحيد الرؤية العربية بل إلى الفرقة” (ص 115).
كما ينتقد تركيز بعض الفضائيات العربية على الخلافات في المذاهب والإثنيات والأجناس في المنطقة عموما.
ويُتبع ذلك بموقف آخر يقول فيه: “أنني أرى الفضائيات العربية تماماً كالجامعات الأجنبية في بلادنا فهي تخدم الأجنبي من حيث تقديم وجهة نظره لجماهيرنا غير أنها أيضاً تنشر الوعي بين أبنائنا عن طريق عرض أحداث المنطقة والعالم على هذه الجماهير ما يزيد المعرفة التي قد تمكنهم من الصمود” (ص 117).
وهذا يعني أن دجاني يتجنب الدعوة إلى التقوقع والتشرنق في بعض تقاليد مجتمعنا المتحجرة ولكنه يحذر من الإفراط في تقليد وسائل الإعلام الأجنبية أكثر مما يجب.
وفي مقاله عن تغطية الفضائيات العربية للحرب على غزة، ينتقد الحياد الإعلامي لهذه الفضائيات الذي يؤدي إلى الهروب من اتخاذ موقف أخلاقي ضد القمع والانتهاكات الممارسين من جانب إسرائيل وحلفائها ضد الشعوب العربية” (ص 119). ويقول إن هذه الفضائيات انقسمت في تغطيتها لحرب غزة إلى ثلاثة اتجاهات، أحدها يصف ما يجري كحدث عادي لا يتطلب التغطية الواسعة (خصوصا القنوات العربية الرسمية) والثاني يعرض الجوانب الإنسانية مع تخصيص الوقت الأطول للجهات المقربة من هذه الفضائيات والقسم الثالث يعرض الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان في غزواتها ضد غزة بشكل متواصل وملتزم. ويذكر في هذا المجال قناة “الجزيرة” وقناة “المنار” ص 121) ولكنه يضيف قائلا إن قناة “الجزيرة” تقدم تغطية أوسع لمواقف “حركة حماس” برغم تقديمها مواقف القيادات الفلسطينية الأخرى، كما تنتقد الدول التي تسميها “دول الاعتدال”. ويشير الكاتب إلى وجود اختلاف بين ما تقدمه قناة “الجزيرة” بالعربية وقناة “الجزيرة” بالإنكليزية حيث تقدم الأولى تغطية ميدانية أكثر كثافة من الثانية (ص 126 ـ 127).
أما في كتاب دجاني بالإنكليزية عن “الإعلام في لبنان” الذي صدر في الأسابيع الماضية فقد ارتبط ما ورد فيه بمقالات الكتاب الذي نراجعه هنا، حيث شن في كتابه (بالإنكليزية) حملة ضد التراجع في صدقية وحرية الإعلام اللبناني في السنوات والعقود التي مر خلالها لبنان في حرب أهلية (1975 ـ 1990) والعقود الثلاثة التي تلتها. وربط الكاتب هذه التطورات السلبية بتصاعد دور المذهبية والطائفية في لبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانية وبعدها على الرغم من أن “اتفاق الطائف” الذي تم التوقيع عليه من سائر الأطراف اللبنانية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي وكان من المفروض تطبيقه ابتداء من مطلع التسعينيات، كان من المعوّل عليه أن يقضي إلى أقصى درجة ممكنة على المذهبية والطائفية في لبنان. فالصحافة في لبنان كانت أكثر حرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي في عهدي الرئيسين كميل شمعون وفؤاد شهاب (وخصوصا في عهد شهاب) حين سنّ الرئيس آنذاك (عام 1962) قوانين جديدة للإعلام قلصت عدد الرخص المعطلة لإصدار الصحف، وحاول نظامه إنشاء مجالس إعلام فاعلة. ولكن بعد انتهاء نظام الرئيس شهاب خضعت المؤسسات الإعلامية اللبنانية ومنذ السبعينيات لضغوط إقليمية ودولية ساهمت في تفاقم وتزايد التدخل الإقليمي والعربي والدولي في حرية الصحافة في لبنان، وازداد التحريض الإعلامي بين المذاهب والمجموعات الاجتماعية على حساب تغطية القضايا المصيرية والقومية. كما توقفت مؤخراً صحف قيادية في حركة التحرر والمقاومة العربية عن الصدور بسبب تقلص مداخيلها والضغوط الممارسة ضدها وفي طليعتها صحيفة “السفير” الورقية التي أصدرها وقادها الزميل طلال سلمان في أصعب المراحل اللبنانية والعربية، فخسر الإعلام اللبناني مرحلته “الذهبية”.
نبيل دجاني: “إشكاليات في الإعلام العربي: مسار بحث وممارسة”
دار الفارابي، بيروت 2019
285 صفحة.