كثير من نجمات السينما المصرية في فترة الستينيات والسبعينيات اعترفن بانتهاء عصرهن كبطلات ونجمات شباك وقبلن بالظهور كضيوف شرف في بعض الأفلام أمام أبطال وبطلات من عمر أولادهن، حيث فرضت عليهن الحياة قانونها وبتن يقبلن بأدوار أقل بكثير من قُدراتهن الحقيقية من أجل البقاء تحت الأضواء والاحتفاظ بما تبقى لهن من بريق.
من أشهر النجمات اللائي قبلن بالأمر الواقع ولم يُكابرن ويجادلن في فرضيات السوق السينمائية ومُتغيراته القاسية، الفنانة مديحة يسري التي كانت في زمانها الأول وفي عنفوان شبابها نجمة تتهافت عليها الجماهير، فهي صاحبة البطولات والأدوار المهمة مع كبار النجوم محمد فوزي وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، وقد قبلت الفنانة الكبيرة بعد تقدمها في السن أن تلعب دور الأم وتتخلى تماماً عن البطولة المُطلقة إيماناً منها بأحكام الزمن واعترافاً بأن لكل وقت آذان كما يقول المثل الشعبي الدارج.
ولعل آخر أدوار مديحة يسري المهمة بعد تنوع شخصياتها الدرامية في سياقها الجديد كان فيلم «أيوب» مع الفنان العالمي عمر الشريف، حيث جسدت دور زوجته بكل جدارة وتمكن ووقار، ونجح الفيلم الذي أخرجه هاني لاشين ولم تشعر النجمة السابقة أنها تنازلت عن شيء من مكانتها.
الفنانة والنجمة السابقة أيضاً مريم فخر الدين صاحبة الوجه المُريح والملامح الرومانسية الهادئة على الشاشة لعبت خلال فترة طويلة من حياتها الفنية أدواراً ثانوية فظهرت كأم في العديد من الأفلام دون اعتراض منها على نوعية الدور أو مساحته، لذا ظلت باقية في ذاكرة جمهورها إلى أن توفيت ولم تندم يوماً على إسهاماتها البسيطة في أي من الأفلام ولم تُقارن بين ماضيها الذي كان وحاضرها الذي أصبح، وفارقت الحياة وهي راضية تماماً عما قدمت.
ومن بين النجمات اللاتي تعاملن مع الواقع الفني وتقلباته بكل بساطة وتسامح الفنانة الراحلة تحية كاريوكا، فقد حسمت المسألة من بداية تقدمها في العمر وإدراكها أنها لم تعُد النجمة المسيطرة التي بوسعها فرض الشروط والمُفاضلة بين الأدوار المعروضة عليها، فقبلت بكل ارتياح الظهور في الأفلام كأم وضيف شرف بلا أدنى إحساس بالمرارة ولعلها بذلك قاومت الصراع الدائر بداخلها ولم تتوقف عن العطاء ولم تستسلم لليأس الذي انتابها في فترة من حياتها حين قست عليها الأيام ولم تجد من يعينها أو يقف بجانبها غير ابنة شقيقتها رجاء الجداوي وبعض المُعجبين بفنها.
وقد ظلت الفنانة ليلى طاهر كواحدة من نجمات الأيام الخوالي تؤدي دورها كفنانة لها خصوصيتها وتأثيرها على الجمهور في حدود المُتاح لها من فرص وأدوار ولم تتخذ قرار الاعتزال إلا مؤخراً بعد أن شعرت بأنها أعطت كل ما لديها وآن لها أن تستريح من عناء القراءة والمتابعة والتصوير والبقاء في الأستوديوهات لفترات طويلة مُرهقة.
تاريخ فائت وذكرى
تلك كانت الطريقة المُثلى لتعامل نجمات السينما السابقات مع أزمة السن وتراجع الفرص الكبرى أمامهن للاستمرار كبطلات ونجمات شباك.
أما الآن فمعظم من توارت عنهن الأضواء أو في طريقها للتواري لا تقبل أي منهن أن تُصبح مجرد تاريخ فائت وذكرى، فالغالبية لديهن قناعة تامة بوجودهن كنجمات شباك يمتلكن التأثير الأقوى على الجمهور وباستطاعتهن إنجاح أي فيلم لو توافرت له عوامل النجاح الجماهيري ومعطياته.
على رأس هؤلاء نادية الجندي التي لُقبت بنجمة الجماهير لسنوات طويلة بفضل الإيرادات والأرقام القياسية التي حققتها أفلامها في شباك التذاكر، فهي بطلة أشهر أفلام الأكشن والإثارة لأكثر من ثلاثين عاماً على التوالي، «وكالة البلح» و«ملف سامية شعراوي» و«خمسة باب» و«مهمة في تل أبيب» و«عصر القوة» وغيرها من الأعمال.
لهذا لم تتصور نادية الجندي ظهورها كضيف شرف في فيلم تُسند فيه البطولة لنجوم آخرين، فهي تكتفي حالياً بما حققت وليس لديها مانع من القيام ببطولات أخرى في أفلام جديدة ولكن بشروطها.
نبيلة عبيد وهي المنافسة التقليدية لنادية الجندي في زمن التألق والنجاح الجماهيري الكاسح لديها نفس القناعات بأنها لا تزال المُمثلة الأهم والنجمة الأكثر تأثيراً من الناحية الشعبية والقادرة على تحقيق أعلى الإيرادات وتجاوز الأرقام القياسية إن وجد النص السينمائي الجيد والمخرج الجيد والمُنتج الجريء.
نبيلة عبيد ظلت لفترة طويلة تحمل لقب نجمة مصر الأولى وقت ما كان للألقاب اعتبار وتأثير دعائي قوي، فمن أشهر أفلامها «الراقصة والسياسي» و«الراقصة والطبال» و«حارة برجوان» و«توت توت» و«أرجوك إعطني هذا الدواء» و«قضية سميحة بدران» و«اغتيال مدرسة» و«قصاقيص العُشاق» وقد تميزت الفنانة بتنوع أدوارها وقدرتها على الأداء المُقنع غير المُصطنع.
نأتي إلى جيل آخر من نجمات الصف الأول اللائي يرفضن أيضاً القبول بوجودهن كضيوف شرف كليلى علوي وإلهام شاهين كأبرز فنانتين قدمتا أدوارا مهمة في وقت ظهورهن كبطلات، حيث قدمت ليلى مجموعة من الأفلام الناجحة كان من بينها «خرج ولم يعد» و«تفاحة» و«إنذار بالطاعة» و«يا عزيزي كُلنا لصوص» و«الرجل الثالث» و«بحب السيما» و«غرام الأفاعي» و«يا دنيا يا غرامي» والأخير كان بطولة مشتركة مع إلهام شاهين وهالة صدقي.
كذلك قدمت إلهام شاهين أدواراً جماهيرية في أفلام مثل «الهلفوت» مع عادل إمام و«سوق المتعة» مع محمود عبد العزيز و«لحم رخيص» للمخرجة إيناس الدغيدي وأفلاما أخرى على نفس المستوى.
وبالطبع يأتي اسم يسرا كنجمة كبيرة لا تقبل بظهورها كضيف شرف أو أم في أي من الأفلام لاعتبارات كثيرة أولها الاعتقاد بأن ذلك سيؤثر على نجوميتها في السينما والتلفزيون ومن ثم فهي تُفضل انتظار الفرصة الأنسب لاستعادة مجدها السينمائي بدلاً من تواجدها في دور لن يُضيف لها الكثير، بل من الممكن أن يخصم من رصيدها أو يُعيد تصنيفها وفق قناعات وتصورات بقية النجمات الكبيرات.