كاتب ياسين(يمين) في مسرح سيدي بلعباس
من هي «نجمة» التي يتجادل بشأنها الناس وعنون بها كاتب ياسين روايته الأشهر؟ لا بد أن هذا السؤال قد طرح مئات المرات، في السابق، وتعددت الإجابات عنه، بين من يظن أنها امرأة حقيقية، عاشت وكبرت في مدينة سطيف أو عنابة، وآخر يجزم أنها ابنة عم الكاتب، بينما ثالث يدعي أنها كانت في علاقة يائسة مع ياسين، وآخر يجزم أنها امرأة مستحيلة استعصى قلبها على محبيها، وراح كل شخص يدلي برأي مناقض في التعريف بهوية هذه المرأة المجهولة، بل هناك أيضاً من يقول إنه رآها في جنازة الروائي عام 1989 وآخرون يتداولون صوراً مختلفة عنها، مرة نراها بشعر قصير، ومرة أخرى بشعر كثيف، ومرات في رسومات بقلم رصاص، لكن لا واحد منهم امتلك يقيناً عما يقول، كل تلك الأخبار التي وردت عنها جاءت بشكل خجول، لا أحد ذكر اسمها بالكامل وبالدليل، فقد ظلت سيرتها مجرد سلسلة حكايات تتداولها الألسن، تضيف إليها تفصيلاً وتحذف آخر كل مرة، فالمؤكد أنها شخصية روائية، من ورق وحبر، عدا ذلك لم نصل إلى شيء آخر يرجح فرضية حقيقتها من عدمه، بل إن كاتب ياسين بدا في كلامه وحواراته متلكأ كلما ورد سؤال عنها، غير صريح في البوح بشيء نافع عنها، كثيراً ما تجنب الخوض في الرد عن سؤال بشأنها، إننا إزاء شخصية تقع بين الواقع والمخيلة، في برزخ بين متناقضين.
في ظل هذا التجاذب بين الآراء لم نشهد بحثاً ملموساً يشبع نهم القارئ الذي ضاع في أمواج التأويلات، ولا واحد من الباحثين تملّك جرأة القول إنها شخصية وهمية، لم تخلق من لحم ودم، بل اخترعها كاتب ياسين وأقنع بها الناس، مثلما اختلق محمود درويش شخصية «ريتا» تاركا إياهم يسيرون على رمال متحركة بحثاً عنها، متيحا لهم مجالاً واسعاً في تخيل حياة لها، فنجمة لم تكن لا امرأة ولا بشراً، بل فقط أسطورة أفلح كاتبها في إقناع القراء بها.
فوضى النشر
من المرجح أن كل من قرأ رواية «نجمة» يكون قد استشعر صعوبة النص، ليست رواية سهلة للمطالعة، ليست موجهة إلى قارئ عادي، بل إنها معقدة إلى درجة أننا من الممكن التوقف عن إكمالها، فهي في مراوحة بين ماضٍ وحاضر، في كتابة مفككة، وإن كان العنوان يوحي بأنها تدور حول امرأة اسمها نجمة، فالحقيقة أنها حكايات أربعة رجال، يتشاركون في حب مكبوت للمسماة نجمة، التي ولدت من أم فرنسية وأب جزائري، ليس سهلاً فهم ما ود كاتب ياسين قوله، إنه عمل يجمع بين الشعر والسرد، حيث الشخصيات في ذهاب وإياب بين طفولتها وراهنها، في تنقل عشوائي أحياناً، لكن ما يلفت النظر إلى هذه الرواية هو، قوة كلماتها، موهبة صاحبها في نحت كلماته وجمله، هي رواية تقرأ من أجل متعة القراءة، لا من أجل أن تصير مادة نقدية أو رسالة أكاديمية مستعجلة، هي رواية موجهة إلى قارئ نوعي، هذا فيما يتعلق بالنص، لكن ما هي قصة هذه الرواية؟ كيف انتقلت من مسودات إلى كتاب وصدرت في المطبعة؟
من المرجح أن كل من قرأ رواية «نجمة» يكون قد استشعر صعوبة النص، ليست رواية سهلة للمطالعة، ليست موجهة إلى قارئ عادي، بل إنها معقدة إلى درجة أننا من الممكن التوقف عن إكمالها
روى كاتب ياسين نفسه كيف أن مخطوطة روايته كانت أكبر حجماً من الشكل الذي ظهرت عليه، دون أن يضيف تفاصيل أخرى، والحقيقة أنه حين أرسلها إلى دار نشر «لوسوي» عام 1955 طالعها ناشر اسمه بول فلامان، جعل من تلك الدار منبراً يسارياً مناهضاً للاستعمار، اختص في نشر أعمال كتاب من الجزائر، من بينهم مولود فرعون ومحمد ديب، إذن حين طالع بول فلامان مخطوطة كاتب ياسين، لم يستسغ إسرافه في الشعر، فاستبعد عدداً من الأوراق التي وصلته دونما إبلاغ المؤلف، ونشرها على النحو الذي أراده هو، والأمر الآخر الذي يغض البعض الطرف عنه، أن الناشر نفسه من انتقى عنواناً للرواية، وليس كاتب ياسين نفسه، أعجبه اسم نجمة فجعله على الغلاف، مع أن هذه الشخصية ليست سوى شخصية ثانوية في النص، فقصة تلك الرواية إنما قصة تعسف ناشر، وفوضى نشر، صدرت عام 1956 بعدما قضى صاحب «لوسوي» أسابيع في إعادة ترتيب أوراقها، في حذف أشياء وإسقاط أخرى، ولم يرها كاتبها إلا حينما نشرت تماماً مثل أي قارئ آخر.
وجوه نجمة
حين شرع كاتب ياسين في الكتابة، في سنوات المراهقة، كان يحمل في قلبه نموذجاً، شاعراً لطالما سار على نهجه، وهو لويس أراغون، هذا الشاعر له تأثير في عدد آخر من الكتاب الجزائريين (على غرار محمد ديب) وكان أراغون يكتب عن حبيبته إلسا، التي لم يكن يعرفها أحد وقتذاك (قبل أن يدرك الجميع أنها شخصية حقيقية وأنها كانت هي أيضاً كاتبة) سار كاتب ياسين على نهجه، اخترع لنفسه «إلسا» محلية وسماها «نجمة» هذه الشخصية المتخيلة لم تظهر لأول مرة في الرواية ـ كما شاع ـ بل ظهرت قبل ذلك بسنين، في نصوص شعرية كتبها ياسين، وصدرت متناثرة في صحف ومجلات، بالتالي فإنها ليست شخصية حقيقية، كما أوهم قراءه في روايته، بل صنيع مخيلة، وليست حبيبته، لأن «نجمة» التي تظهر في قصائده الأولى ليست فقط الحبيبة، بل صديقة، ومستمعة إليه، وأحيانا في صفة المرأة العابرة، كانت تعبيراً عن حالة عابرة، ما يناقض القول إنها كانت الأهم في حياة الكاتب، ووجب التذكير بأن كاتب ياسين عاش حياة صاخبة بالنساء، لم يحب امرأة واحدة، بل قبيلة من النساء، كما تحدث عن نفسه، تعددت زوجاته، وله أبناء من أكثر من امرأة، لم يكن وفياً للحب الأول، بل جعل من كل امرأة مال إليها قلبه «نجمة» له. لقد أفلح الكاتب في إيقاع القراء في فخ البحث عن امرأة لا وجود لها، راحوا يتسابقون من يعثر عليها قبل الآخر، ونسوا النص الأصلي، الذي لا ضرر في القول إنه لم يقرأ فعلا، فهو ليس رواية مثل المتعارف عليه، هي شلال من الذكريات المتنافرة في ما بينها، تحكي عن الجزائر ولا تحكي عنها، هي نص مفتوح، كل قراءة واعية له إنما هي تتمة له.
كاتب جزائري