مشهد من مسلسل «البشاير»
تتواتر الأخبار والشائعات بين حين وآخر عن نجوم كبار من أهل الفن يتعاطون المُخدرات ويُغامرون بحياتهم ومستقبلهم وسمعتهم، وعادة ما تشغل هذه القضايا حيزاً كبيراً من اهتمام الجمهور، خاصة إذا التصقت الشائعة بأحد النجوم المحبوبين، فكثيراً ما يُصاب الرأي العام المصري بصدمة حيال شخص ما حاقت به الشُبهات أو زُج باسمه في قضية من هذا النوع، ويزداد انشغال الجمهور بشكل ملحوظ إذا مست الشائعة أو الحقيقة نجمة لها اسمها وموقعها المميز في الوسط الفني، وبالطبع يتم تداول الأخبار بسرعة البرق، فهناك نماذج كثيرة جنت عليها الشائعات والحوادث حتى قبل اكتشاف وسائل الاتصال الحديثة، التي ساهمت بشكل كبير في رواج الظاهرة المؤسفة والدعاية المُسيئة.
المتهمون بتعاطي المُخدرات تحتل أسماؤهم صدر الصفحات الأولى في كبريات الصحف، فالإثارة تُعد جزءاً أصيلاً من مكونات الخبر الصحافي المكتوب والمرئي والمسموع، لاسيما إذا كان للشائعة ظل من حقيقة فحينئذ يُصبح من حق الوسيلة الإعلامية متابعة الأخبار المُتصلة بهذا الشأن واقتفاء أثر الشائعة مع المداومة على مراقبة التحقيقات، إذا وصل الأمر إلى دوائر التحقيق الرسمية، وتظل القضية محل المُتابعة حتى وصولها إلى المحاكم المُختصة وصدور الحكم النهائي فيها بالبراءة أو الإدانة.
وهذه النوعيات من القضايا لا تُمثل جديداً يُذكر في حيثياتها، إلا أنها تشتهر بحكم الأسماء المقرونة بها كقضية منة شلبي المُثارة الآن والتي يتصاعد مؤشر الاهتمام بها مع كل تطور يُشير إلى مفاجأة ما أو تفصيلة غائبة، فمنذ إعلان خبر القبض على النجمة الشابة عند وصولها لمطار القاهرة عائدة من الخارج وبحوزتها كمية من المواد المُخدرة، لم تهدأ عاصفة التقصي حول هذا الموضوع، رغم إخلاء سبيل الفنانة من سراي النيابة بكفالة قدرها 50 ألف جنيه.
وتُعيدنا حادثة منة إلى حوادث كثيرة مُتشابهة جرت وقائعها منذ سنوات وذُكرت فيها أسماء نجوم ونجمات، منهم من ثبتت عليه التهمة وقضى عقوبة السجن، ومنهم من برأته المحكمة، أو صدر ضده حُكم مع إيقاف التنفيذ، ومن أبرز هؤلاء الفنانة الراحلة « م- خ» وكانت في حينه نجمة كبيرة ملء السمع والبصر، لكنها خضعت للمُحاكمة وقضت مدة العقوبة وخرجت من السجن بدرس العُمر، ولم تعُد إليه مرة أخرى، حيث استفادت من التجربة وعادت إلى عملها أفضل مما كانت وغفر لها جمهورها هذه الزلة، وطوت الأيام تفاصيل الواقعة المؤلمة وظلت مُلتزمة إلا أن رحلت.
كذلك النجم الكوميدي الكبير « س ـ ص» الذي تعرض قبل وفاته بفترة طويلة لمثل هذه الظروف الصعبة وخرج مُعترفاً بأن السجن أفاده بشكل كبير وأعطاه فرصة للمراجعة والوقوف مع نفسه للتصحيح، ولم يكن الفنان مُكترثاً بالمحنة، وإنما تعامل معها ببساطة، إلى أن انقضت مدة حبسه واستعاد بعدها نجوميته وتألقه وزاد حجم إسهامه الفني والإبداعي وتضاعفت شعبيته، بعد عدوله نهائياً عن التعاطي وبُعده التام عن الشُبهات.
وهناك أيضاً من دفع حياته كلها ثمناً لأخطائه وركضه خلف الكيف والمزاج وهو لا يزال في كامل لياقته الفنية، وقمة عطائه الفني والتمثيلي والغنائي، وهذا النموذج بالتحديد لم يجول بخاطر أي من مُحبيه وعشاقه أن يكون له صله من قريب أو بعيد بحالات التعاطي أو الإدمان، وبالفعل كان موته المفاجئ صدمه مروعة لكل من أحبه واستعذب صوته وعاش معه التجارب الرومانسية في أجمل الأفلام التي أبدع فيها، مُمثلاً ومُطرباً قبل أن يتوارى خلف الضباب.
ومرّ نموذج آخر من كبار نجوم التمثيل بمحنة مماثلة أودت بحياته ليبقى موته الغامض لُغزاً مُحيراً رغم التكهنات ومحاولات التنقيب والبحث عن الأسباب والملابسات التي أحاطت بوفاته في وقت كان يستعد فيه لأعمال وأدوار وبطولات كثيرة، فقد وهبه الله موهبة كبيرة أهدرتها المُغامرات غير المحسوبة من جانبه، وبتحريض من رفقاء السوء وجماعة القتل اللذيذ وفق التسمية التي أطلقتها الكاتبة حُسن شاه على سيناريو فيلمها الشهير الذي أخرجه المخرج أشرف فهمي والمهتمة أحداثه بُمعالجة قضية الإدمان والمُخدرات، وما ينتُج عنهما من مخاطر جسيمة، حيث لعب أدوار البطولة فريق من المُمثلين المحترفين وكبار النجوم، ميرفت أمين وإلهام شاهين ومنى زكي وسمير صبري وخالد النبوي وآخرين.
كما أن الدراما التلفزيونية نوهت أيضاً بشكل عابر عن ضحايا الإدمان من نجوم الفن في مسلسل «البشاير» الذي كتبه قبل عدة سنوات وحيد حامد وأخرجه سمير سيف وقام ببطولته محمود عبد العزيز ومديحه كامل وأحمد بدير وأمينة رزق وسناء يونس، حيث عرض المسلسل قصة حياة نجمة مشهورة وقعت في براثن الإدمان بعد دأبها على التعاطي لفترة طويلة، ما أدى إلى تدهور صحتها وإهمال فنها، ولم يُنقذها من ذلك غير الصدفة التي جمعتها بأبو المعاطي، الفلاح البسيط الذي يعشق الأرض والخُضرة وجمال الطبيعة، فاختارت البطلة أن تشاركه حياته المتواضعة وفضلت نقاء الريف وصفائه على تلوث المدينة وقسوتها، فنجت من أخطار المُخدرات وتعافت من الإدمان المُهلك.
وهنا يؤكد المُسلسل أن المُدمن هو الجاني على نفسه، ولا يُمكن لأحد إنقاذه إلا هو بإرادته وذاته وقراره الشخصي، ولو ربطنا رسالة السينما والدراما في ما يتصل بهذه القضية سنعود إلى حيث بدأنا وهو موضوع منة شلبي وقضيتها التي لا تزال رهن التحقيقات. وبالطبع سيمتد الخيط ليصل بنا إلى قضية المطربة شيرين عبدالوهاب وما أثير خلال الأسابيع الماضية حول تعاطيها المُخدرات، ومدى تأثير ذلك في حياتها العائلية والفنية، وهنا تتضح الإفادة الدالة على أصل الشائعات التي تنطلق أحياناً من فراغ لكنها في أحيان أخرى تكشف عن بعض الحقائق التي تنطوي على ثمة كوارث يرتكبها المتورطون بحماقة وسوء تصرف في غمرة استغراقهم في التوهان والغيبوبة!
كاتب مصري