كثيرة هي الامتيازات الأدبية التي حصل عليها الكاتب الكبير نجيب محفوظ بعد حصوله على جائزة نوبل، وهو بالقطع جدير بها كما هو جدير بالجائزة العالمية الكُبرى.
مع التصريح الإعلامي بإطلاق اسم أديب مصر الكبير على ستوديو 27 بالدور السابع والعشرين بمبنى الإذاعة والتلفزيون، بدأ تيار من الإعلاميين في نقد أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، كونه تجاهل من وجهة نظر البعض أسماء كُبرى لها ثقلها الفني والإبداعي في مجال صناعة الدراما وركز فقط على اسم نجيب محفوظ باعتباره العلامة البارزة ككاتب ومُبدع والأديب العالمي الأشهر.
واعتبر المُعارضون أو المتحفظون على قرار المسلماني أن القرار لم يستهدف سوى الدعاية، مُشككين في جدواه وموضوعيته، حيث كان من الأولى إطلاق اسم أحد مُبدعي الدراما الكبار كأسامة أنور عكاشة أو يحي العلمي أو إبراهيم الشقنقيري أو إنعام محمد علي أو إبراهيم الصحن أو أحمد طنطاوي أو إسماعيل عبد الحافظ أو يسري الجندي أو محفوظ عبد الرحمن أو محمد صفاء عامر، فكل هؤلاء لهم بصمات واضحة على الدراما المصرية سواء كانوا كُتاباً أو مخرجين، بينما الكاتب الكبير نجيب محفوظ لم يكتب دراما بل كتب الرواية والقصة القصيرة وعددا من سيناريوهات الأفلام الشهيرة والمهمة.
ولكن برغم براعته في كتابة السيناريو والحوار، إلا أنه لم يُسهم في الأعمال التلفزيونية وظل مهتماً بالسينما، ومن ثم فهو ليس الأنسب تماماً كي يُطلق اسمه على واحد من أكبر ستوديوهات ماسبيرو، تلك هي وجهة نظر عدد قليل من العاملين بمبنى الإذاعة والتلفزيون ممن يرون أن هناك أيضاً رموزا إعلامية تصلح أسماؤها أن تكون عنواناً وواجهة لأي صرح إبداعي، كالإذاعي أحمد سمير ومحمود سُلطان وحلمي البُلك ومحمد محمود شعبان وملك إسماعيل وهند أبو السعود وحكمت الشربيني وسلوى حجازي وزينب الحكيم وهمت مصطفى وغيرهم الكثير من ذوي الاستحقاق الأدبي في هذا الصدد.
وبينما تم انتقاد قرار رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بهذا الخصوص من جانب البعض، نجد أيضاً من أيد قراره ورآه قراراً صائباً، اعتماداً على مكانة نجيب محفوظ الأدبية والأصداء الإيجابية التي يُمكن أن يُحدثها إطلاق اسمه على أحد أكبر الإستوديوهات، فالاسم بالتأكيد له تأثير كبير وسينعكس ذلك على المُنتج الفني نفسه فيما بعد، فالدراما التلفزيونية سلعه تحتاج للدعاية كي يسهل تسويقها ولن يكون هناك أفضل من اسم نجيب محفوظ كدعاية للدراما المصرية وعنواناً جيداً لتسويقها.
وقد برز اسم عبد القادر حاتم كوزير إعلام الحرب في عام 1973 من بين الذين تم ذكرهم كقامات إعلامية كبيرة كانت جديرة بالتكريم الذي ذهب لمحفوظ بحسب وجهة النظر المُعارضة.
وكما هو معهود أخذت هذه القضية حيزاً وفيراً على وسائل التواصل الاجتماعي وانشغل بها عدد من المُستخدمين والناشطين الثقافيين والإعلاميين لعدة أيام في محاولة لتمثيل نوع من الضغط الشعبي، لعل ذلك يؤدي إلى عدول رئيس الهيئة الوطنية أحمد المسلماني عن قراره كما حدث في موضوع تغيير اسم قنوات النيل إلى قنوات مليود، حيث أدت موجات الرفض حينئذ إلى إلغاء الفكرة ونفيها تماماً كأنها لم تكن، وهو ما اعتبر تصحيحاً للمسار وانتصاراً للإرادة الجماعية التي احترمها المسلماني وأيدها ولو بشكل غير مباشر.
من بين الخطوات المهمة والتي جاءت متأخرة عدة سنوات، الشروع في تنمية الإنتاج الإذاعي وعودته لسابق عهده أسوة بالإنتاج التلفزيوني الذي كان رائداً في يوم من الأيام قبل أن يتم إهماله ويتوقف نهائياً عن إنتاج الجديد من الأعمال المتميزة.
والآن وبعد التصريحات الأخيرة بات الأمل وشيكاً في إعادة نشاط الدراما الإذاعية لتُصبح كما كانت في الماضي، إبان تألق المخرجين الإذاعيين الكبار، عبده دياب ومصطفى أبو حطب وآخرين ممن عرفهم الجمهور بأسمائهم بدون وجوههم ورسخوا في الذاكرة كجزء من التاريخ الإذاعي العريق بمُسلسلاته وبرامجه وصوره الغنائية الفريدة من نوعها.
ستوديو 27 الذي يقع في الطابق السابع والعشرين من المبنى التاريخي، تم الانتهاء من تطويره وإعادة تشغيله مؤخراً بجهود مُكثفة من العاملين بالإدارة الهندسية، ومن المتوقع أن يكون مزاراً لكبار الشخصيات، فقد تضمن موقعاً خاصاً لاستقبال الزائرين وقاعة كُبرى للندوات.
وحسب ما ورد من تصريحات، فإن واجهة الإستوديو الذي أعيد تشغيله بعد فترة توقف طويلة تحمل صورتان لنجيب محفوظ وأحمد زويل الحاصلان على جائزة نوبل كل في تخصصه، وذلك لأن زويل كان قد زار هذا الإستوديو في وقت مبكر قبل وفاته في واحدة من مقابلاته الإعلامية المهمة، ما جعل تعليق صورته بجانب الأديب الكبير على الواجهة نوعاً من التذكار وتوثيقاً لزيارته عرفاناً بقيمة العلم وفضل العلماء.