نحن هنا..

هذا كتاب جميل وأخاذ للصحافي والكاتب خيري حسن أحد أعلام جريدة «الوفد» المصرية، منشور منذ أسابيع عن دار غراب. خيري حسن له قلم رشيق وروحه الإنسانية تتدفق دائما في كتاباته، وأتابعها منذ وقت طويل في الصحيفة.
في هذا الكتاب يبحث خيري عن وجوه رائعة ملأت حياتنا بالفن والفكر والثقافة، ليس بطريقة البحث العلمي في ما أنجزوه، لكن يبعث فيها الحياة بطريقة سينمائية وقصصية مثيرة، ويقول على لسانهم نحن هنا. أما الطريقة، فقليل منها حقيقي وكثير منها خيال، فهو يقوم بإعادتهم إلى الذاكرة، من خلال الحضور معهم في مواقف ومشاهد قد تكون فاصلة في حياتهم، وفي قضايا عبرت على الصحافة وطوتها الأيام. يعتمد في ذلك على المعرفة الشخصية أحيانا، وعلى ما قرأه عنهم ولهم أحيانا، فيكون معهم في الطرقات، أو في البيت، أو العمل، أو السجن للحظات قليلة فارقة تجسد الشخصية وتستمتع بحضورها. يختارعشرين شخصية بين الفن والثقافة والصحافة من فاتن حمامة إلى جلال أمين عبورا بسعد باشا زغلول وصلاح عيسىى وفرغلي باشا «ملك القطن» وصبري موسى ومحمد عبد الوهاب وماجدة الخطيب وأحمد بهاء الدين وسمير سرحان وأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام ونجيب محفوظ وسعد الشاذلي وأبو السعود الإبياري وصلاح عبد الصبور وعلاء الديب وأم كلثوم ومحمود أمين العالم ويوسف إدريس. يقدم الكتاب بعبارة «أحداث حقيقية والسيناريو من خيال الكاتب» وبمقدمة صغيرة يبدي فيها إعجابه بمن ردوا على بعض رواة الماضي البعيد من الإغريق واليهود، الذين رأوا في الشخصية المصرية تجهما وعبوسا.
من قال عكس ذلك مثل أفلاطون الذي حين خرج من مصر قال «أريد أن أتأكد أن دماغي ما زال في مكانه» أو الإسكندر الذي قال «أي جنة هذه» أو عمرو بن العاص الذي قال «هذه شجرة خضراء» أما ابن خلدون فقال «رأيت مجمع الدنيا ومحشر الأمم» كذلك قال صلاح الدين «هذا بلد لا يخرج منه إلا مجنون» ويأتي الكتاب ومن فيه كنماذج من الردود على من قللوا من قيمة مصر وشعبها هاتفين على لسانه « نحن هنا».
يقدم خيري حسن لكل فصل أو سيناريو بمقدمة شعرية لعلم من أعلام التاريخ المصري مثل ابن عروس أو بيرم التونسي أو زين العابدين فؤاد أو صلاح جاهين أو سيد حجاب، أو مرسي جميل عزيز، أو غيرهم من الشعراء، وفي كل مقدمة يوجز المعاني الجميلة لما يكتبه عن الشخصية. مع كل شخصية يكتب تاريخ حركته إليها. مع فاتن حمامة يبدأ عام 2009 من ميدان الجيزة وهو يتحرك بين الصخب ليستقل تاكسي إلى مدينة الإنتاج الإعلامي، فيتلقى اتصالا من الإعلامية رولا خرسا فهو معد برنامجها، تذكره أن اليوم عيد ميلاد فاتن حمامة، وليته يحاول الاتصال بها لتجري رولا معها محادثة تليفونية في برنامجها «الحياة والناس». حيرته وعودته في التاريخ إلى عام 2004 يتذكر بائعة الشاي التي اسمها بهية في الطريق، التي وهو يشرب عندها شايا في محطة أثر النبي، التي وصل إليها بالخطأ، وتعرفت عليه وأنه صحافي، طلبت منه إذا رأى ست الستات فاتن حمامة يبلغها سلامها. يصل بالتليفون إلى فاتن حمامة التي كانت قد ابتعدت بإرادتها عن الأضواء ويتم الحوار. ينسى إبلاغ سلام الست بهية التي قالت له أيضا أن يبلغها، أنه لا يزال بيننا الكثيرات من «هنادي» لا يشعر بهن أحد، والفقر هو الفقر، والقهر هو القهر، «والبلد ماتغيرتش كتير، وسنة 40 زيها زي سنة 90».

وطبعا هنادي هي زهرة العلا أخت آمنة، فاتن حمامة، في فيلم «دعاء الكروان» التي اغتصبها المهندس الذي تعمل عنده وقتلها خالها في فيلم لا يُنسي. بعد سنوات ماتت الخالة بهية التي شرب الشاي عندها في محطة أثر النبي، وماتت فاتن حمامة وتحولت محطة أثر النبي إلى مخزن سيراميك لتاجر كبير فصار خيري كلما مرَّ عليها يسمع الكروان مغردا في الفضاء، «المُلك لك لك يا صاحب المُلك». مع سعد باشا زغلول نحن مع الخطاب الذي لم يصل إليه، وهو خطاب من أحمد حلمي يهدد فيه بالانتحار، ثم تأتي الأخبار أنه انتحر. وحتى يعرف سعد القصة الحقيقية، تأتي بعض كواليس السياسة وتخيلها. لقد اتضح أن المنتحر هو أحمد حلمي باشا وزير الزراعة السابق، لكنه في الخطاب لم يكتب كلمة «باشا» فحوّل سكرتير سعد الخطاب إلى غيره، فسعد ليس لديه الوقت لقراءة الخطابات العادية. يلغي سعد كل مواعيده ويلحق بالوزير المنتحر، الذي مرت الرصاصة بين ضلوعه ولم تصل إلى قلبه ليعرف أنه فعل ذلك لأنه مديون. يعرف سعد باشا بعد التحقيق في الأمر أن أحمد حلمي باشا مديون، لأنه رهن جزءا كبيرا من معاشه ليبني بيتا صغيرا في قريته، وأنه اقترض مبلغا من أحد البنوك الخاصة ففوجئ لتأخره، بالبنك يهدد بالحجز عليه.

هذا كان زمان من فضلك، البيوت والفلل الآن تقريبا ببلاش!! يطلب سعد باشا من سكرتيره سداد ديون أحمد حلمي باشا، ثم يؤكد عليه أن لا يخفي عنه خطابات، فيطلعه على خطاب من طالب يسكن في حي الفجالة يشكو من أن أهل حبيبته أغلقوا نوافذ البيت بالمسامير، ويطلب من الحكومة أن تصدر قانونا يحرم إغلاق الشبابيك بالمسامير، فيرسل رسالة للطالب يتمنى له السلامة والنجاة من المسامير ومن الانتحار. طبعا لن أجد مساحة لأمشي مع الشخصيات كلها، لكني أقف عند فرغلي باشا ملك القطن، باعتباره من الإسكندرية، وما أكثر ما لعبنا وجرينا بين مصانعه في المساء في منطقة مينا البصل، وكان لدينا بورصة عالمية خاصة للقطن هناك يوم كان لنا وطن وأرض، وحين كانت الأرض من حجر البازلت الأسود الذي نزعوه وباعوه في الخارج ووضعوا أسفلت يتم حفره كل يوم. مشاهد المصانع والمخازن ومن يعملون فيها زمان، والتي ظهرت في روايات لي مثل «طيور العنبر» و»الصياد واليمام» استيقظت أمامي.
يبدأ بعام 1961حين أصدر عبد الناصر قرارات التأميم، التي شملت عظماء مصريين مثل فرغلي باشا وعبود باشا وغيرهم. نحن هنا مع فرغلي باشا يذهب إلى مكتب الصحافي محمد حسنين هيكل المقرب من الرئيس، ويطلب الدخول إليه. لا يعرفه من بالسكرتارية فيعرفهم بنفسه. كل من سمع اسمه يهتف مندهشا «ملك القطن». تخبر هيكل مديرة مكتبه نوال المحلاي فيندهش ويسمح له بالدخول. يقابله هيكل بترحاب فيطلب منه فرغلي باشا أن يتوسط لدى عبد الناصر، ليس لإعادة أملاكه فهو من المرحبين بثورة يوليو/تموز، لكن صارت أملاكه تحت الحراسة وابنته لا تجد ما تعالج به طفلتها الصغيرة. وحديث عن رحلته مع القطن ومع الثورة أيضا التي آزرها، ثم حديث كيف صار التأميم بشكل انتقامي، فبعد فرض الحراسة على أمواله وصله شيك بمبلغ جنيهين ونصف جنيه كراتب شهري. دهش هيكل وتطور الأمر بعد ذلك، فيعود فرغلي باشا إلى مبني جريدة «الأهرام» حيث هيكل مرة أخرى أكثر سعادة. لقد تأثر عبد الناصر بالقصة وجعله مستشارا لمؤسسة القطن بمرتب يعادل رئيس مجلس الإدارة. لكن وقف عبد الحكيم عامر وخفافيش الظلام ضد تنفيذ القرار، حتى قبل فرغلي باشا العمل في المؤسسة بمبلغ ضئيل جدا يسيء إلى نظام الحكم أكثر مما يسيء إليه. يأخذنا التاريخ إلى هزيمة 1967 وموت عبد الحكيم عامر وإصدار القرار من جديد لفرغلي باشا مستشارا لمؤسسة القطن، فظل يؤدي دوره بإخلاص فهو عاشق الأرض التي تأتي بالأمل، وهو صاحب الحكمة من كل العصور وأشكال الحكم «انسَ. وسامح، فعندما تستطيع أن تفعل ذلك تكون أحسن الناس وأعدلهم وأنجحهم وأصدقهم في حكمك عليهم».
للأسف لا يتسع المقال للرحلة الجميلة مع الكتاب كله أو حتى نصفه، فلتعذرني بقية الشخصيات العظيمة التي أمتعني خيري حسن برؤيتها أجمل امتاع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية