بيروت ـ «القدس العربي» ووكالات: رمى العدو الإسرائيلي بكل حقده وكرهه لتاريخ لبنان مستهدفاً الأبنية والآثار التي تعود إلى آلاف السنين وخاصة في مدينتي بعلبك شرقاً وصور جنوباً، وشن غارات وارتكب فظائع جسيمة تنتهك حقوق الإنسان، ومزّق القوانين الدولية وكذلك القيم التي تأسست عليها الأمم وما يتعلق منها بحماية المواقع التاريخية والأثرية التي يحرّم ضربها.
لا يزال موضوع حماية المواقع التاريخية والأثرية في لبنان لا سيما في بعلبك وصور وصيدا يشكل هاجساً لدى لبنان الرسمي والشعبي، وبعد مراسلات الحكومة ووزارة الثقافة التي حذّرت مما تتعرّض له هذه المواقع من مخاطر متعاظمة جراء الغارات الإسرائيلية الأخيرة والتي بلغت موقف السيارات القريب من قلعة بعلبك وجّه 79 نائباً لبنانياً رسالة إلى المديرة العامة لليونسكو أودري أزولاي، تضمنت نداءً إلى المنظمة الدولية لحماية التراث المشترك للبشرية. وتلت هذا النداء النائبة نجاة صليبا وجاء فيه: «في السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، خلال الحرب المدمرة على لبنان، ارتكبت إسرائيل انتهاكات وفظائع جسيمة لحقوق الإنسان، ومزّقت القوانين الدولية وكذلك القيم التي تأسست عليها الأمم المتحدة. نستهجن فقدان الأرواح البريئة ونزوح العائلات من منازلها قسراً، وندين هذه الأفعال التي تنتهك قدسية كرامة الإنسان. ومع ثقل هذه المآسي التي تفرض نفسها علينا، نقف بحزم مع مهمة الأمم المتحدة في حماية الأرواح والحقوق والتراث الثقافي، مع إدراك الحاجة الملحة للحفاظ على ما تبقى من إنسانيتنا المشتركة».
«حماية المواقع التاريخية»
وأضافت «بصفتنا برلمانيين، نناشدكم ونلفت انتباهكم إلى ضرورة ملحة: حماية المواقع التاريخية في لبنان، لا سيما في بعلبك وصور وصيدا وغيرها من المعالم الثمينة التي تواجه خطراً كبيراً نتيجة تصاعد الفظائع. هذه المعالم العزيزة، التي لا تقدر بثمن ليس فقط لأمتنا بل للبشرية، تواجه خطراً متعاظماً مع تصاعد وتيرة الحرب. فهي تجسد قروناً من التاريخ والإنجازات والهوية الإنسانية، وتحمل القيم العميقة التي تربط بين الأجيال» مؤكدة «أن حمايتها ليست مجرد مصلحة وطنية، بل مسؤولية للحفاظ على جزء من الحضارة الإنسانية الذي ينتمي إلى تراثنا العالمي والدولي المشترك».
غارة إسرائيلية على مبنى أثري قرب القلعة التاريخية شرق البلاد
وتابعت الرسالة «بصفتكم المدير العام لليونسكو، تتحملون مسؤولية كبيرة في الدفاع عن هذه الرموز التي لا تقدر بثمن لتاريخنا البشري المشترك. إن مهمة اليونسكو في تعزيز السلام من خلال التعليم والعلوم والثقافة تجعل حماية هذه المواقع أمراً أساسياً، ان تدمير هذه المعالم، إن حدث، لن يكون مجرد خسارة للبنان، بل ضربة مأسوية للتراث العالمي، ما يؤثر في الناس في جميع أنحاء العالم ويمزق الهوية الجماعية البشرية بشكل لا رجعة فيه».
وشددت على «أن استهداف هذه المعالم بشكل مباشر أو غير مباشر، سيؤثر فيها بعمق ويهدد وجودها. لذا، ندعوكم سيدتي، لإعطاء الأولوية بشكل عاجل لحماية هذه المواقع التاريخية، من خلال تعبئة سلطة اليونسكو، وتأمين الانتباه الدولي، والدعوة لاتخاذ التدابير الحمائية كافة».
وختمت «إن هذا النداء يتجاوز الحفظ المادي، إنه يتعلق بحماية التقاليد والقصص والقيم التي تمثلها هذه المواقع – إرث يربط بين ماضينا ومستقبلنا. نحن كممثلين للشعب، ونيابة عن المجتمعات التي ترتبط هوياتها بعمق هذه المعالم الثقافية، نناشد اليونسكو للاستجابة لھذا النداء العاجل. إن قيادتكم وتأثيركم والعمل السريع ضرورية لضمان بقاء هذا التراث الثمين، ليكون رمزاً للوحدة والسلام. وباحترام وثقة في تفانيكم لتراث الإنسانية المشترك، نحثكم على اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لحماية هذه الايقونات الثقافية. من خلال دعم اليونسكو، نؤمن بأننا نستطيع زيادة الوعي العالمي، وتأمين الدعم الدولي، وتعزيز الالتزام بحماية هذه المواقع التي لا تقدر بثمن».
6 مواقع على قائمة اليونسكو
ويضم لبنان ستة مواقع مدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، بما فيها آثار رومانية في مدينتي بعلبك وصور. وحذّرت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جينين هينيس – بلاسخارت قبل أيام، من الخطر الذي تشكّله الحرب على مواقع أثرية ولا سيما في المدينتَين.
وكتبت على منصة إكس «تواجه مدن فينيقية قديمة ضاربة في التاريخ خطرا شديدا قد يؤدي إلى تدميرها». والأربعاء، شنّ الطيران الإسرائيلي سلسلة غارات طالت مدينة بعلبك ومحيطها في شرق لبنان، ما أسفر عن مقتل 40 شخصاً على الأقل، غالبيتهم في المدينة. وأفاد محافظ المنطقة بشير خضر عبر منصة إكس، عن غارة «هي الأقرب على قلعة بعلبك» مشيرا إلى سقوط «صاروخ داخل موقف السيارات» التابع للموقع الأثري.
وقال رئيس بلدية بعلبك مصطفى الشل الخميس لفرانس برس إنّ الاستهداف طال مبنى المنشية الأثري الذي يتوسط قلعة بعلبك وفندق بالميرا الذائع الصيت، والذي لحقت به أضرار. وفي مدينة صور، استهدفت غارات إسرائيلية مواقع قريبة من آثار رومانية قديمة. وقالت منظمة اليونسكو الشهر الماضي إنها «تتابع عن كثب تأثير الصراع المستمر على موقع التراث العالمي في صور» باستخدام أدوات الاستشعار عن بعد وصور الأقمار الصناعية.
وكان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي سلّم سفراء الدول الخمس الكبرى الاثنين رسالة حذّر فيها من أنّ «الهجمات على مدن مثل بعلبك وصور، أدت إلى نزوح قرى بأكملها وتهديد مواقع تراثية وثقافية لا تقدر بثمن».
12 إصابة بهجوم لقوات الاحتلال على حي أثري في مدينة صور الجنوبية
ودعا إلى «وقف فوري لإطلاق النار لوقف العنف العبثي وحماية التراث الثقافي لبلادنا، بما في ذلك المواقع الأثرية القديمة في بعلبك وصور» مطالبا «مجلس الأمن باتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة لحماية هذه الكنوز التاريخية التي لا تشكل جزءا من هويتنا الوطنية فحسب، بل إنها تحمل أيضا أهمية باعتبارها معالم تاريخية عالمية». في بعلبك، أكد سهيل رعد، أحد سكان المدينة لفرانس برس أنّ «آخر ما فكرنا فيه أن تُستهدف المنطقة لأننا كنّا نعتقد أنّ لها حرمتها وحصانتها كما أنّها الأكثر أماناً… ولكنّنا فوجئنا باستهدافها بعد ظهر الأربعاء، ما أحدث دماراً هائلاً». وقال محمّد شرف وهو متخصص في الفنون وعلم الآثار «نحن أمام مشهد مريع بالفعل، خصوصاً أنه طاول المنطقة الأثرية التي كنّا خائفين عليها».
غارة على مبنى أثري في بعلبك
استهدف الجيش الإسرائيلي، أمس الخميس، إحدى المعالم التاريخية والأثرية في بعلبك، التي يعود تاريخ بنائها إلى أكثر من 150 عاماً في فترة الدولة العثمانية، والمعروفة بالمنشية، وتقابلها أقدم فندق في لبنان والعالم العربي، «أوتيل بالميرا» الذي يعود لنفس الحقبة التاريخية في بنائه، ويقع على بُعد أمتار قليلة من هياكل بعلبك. وتعرضت المنشية، ليل أمس، لغارة إسرائيلية أدت إلى تدميرها بالكامل، مما تسبب في أضرار جسيمة لفندق بالميرا.
12 إصابات في صور
وخلال الأسابيع الأخيرة، استهدفت غارات جوية إسرائيلية بعلبك المدينة الملقبة بـ«مدينة الشمس» المعروفة بمعالهما الأثرية التي يعود الكثير منها للعصر الروماني.
وأُصيب 12 شخصاً على الأقل، الخميس، جراء غارة شنتها مسيرة إسرائيلية على منطقة أثرية في مدينة صور جنوبي لبنان.
وقالت وكالة الأنباء اللبنانية إن مسيرة إسرائيلية قصفت مبنى بحي الآثار في صور، ما أسفر، في حصيلة أولية، عن إصابة 12. ولم توضح الوكالة مدى خطورة الإصابات، كما لم تقدم أي تفاصيل أخرى بالخصوص. ويُعد حي الآثار بصور وجهة سياحية مهمة؛ حيث يضم مجموعة من المواقع الأثرية البارزة، التي تعود للحضارتين الفينيقية والرومانية.
وفي الفترة الأخيرة، حذر مسؤولون لبنانيون من تدمير الغارات الإسرائيلية لمعالم تاريخية في لبنان، بعدما ألحق بعضها بالفعل أضراراً كبيرة بعدد منها.
في سياق متصل، قالت الوكالة اللبنانية إن محيط المستشفى الحكومي ببلدة تبنين، في قضاء بنت جبيل، التابع لمحافظة النبطية (جنوب) تعرض لغارة نفذتها الطائرات الحربية الإسرائيلية، الخميس. وأضافت أن الغارة «تسببت بأضرار كبيرة في المستشفى» دون ذكر تفاصيل أخرى بالخصوص.
ووفق بيانات وزارة الصحة اللبنانية حتى مساء الأربعاء، استهدفت إسرائيل، خلال عدوانها الحالي على لبنان، 40 مستشفى، و86 من المراكز الطبية والإسعافية، و244 من الآليات التابعة للقطاع الصحي. وأدى ذلك إلى استشهاد 179 وإصابة 306 من الكوادر الصحية.
وتجرم العديد من الاتفاقيات الدولية استهداف الطواقم والمنشآت الطبية أثناء الحروب، ومن ضمنها المادة 12 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، والمادة 18 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والمادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.