« نداء يتعثّر كحجر» مجموعة الشاعر السوري خالد حسين: عشقٌ جارفٌ لإيقاظ نشيد الأبد

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

لا توضع عناوين الكتبِ من قبل المؤلفين، أو دور النشر إن عجزوا، عبثاً، إذ تأتي لتعكس طبيعة الكتاب وتجسّد محتواه، إلا إذا تمّ وضع عنوانٍ عبثاً ليمثل طبيعة كتابٍ يدور في فلك فلسفة العبث، وفي هذا أيضاً هو لا يأتي عبثاً؛ العنوان يمثّل المكتوبَ لدى الكتّاب الذين لا يساومون على رسالة الأدب، وإنْ بدرجاتٍ متفاوتة التناغم بين العنوان ومحتوى الكتاب.
«نداء يتعثر كحجر»، عنوانُ مجموعةِ الشاعر والناقد السوري خالد حسين، لا يشذّ عن تناغمه الناجح ومحتوى المجموعة في الحقيقة، مع الإشارة إلى إصرار الشاعر عليه بتكرار وضع مصدره الداخلي المباشر على الغلاف الخلفيّ كذلك، وإن أحسّ القارئ أنّ نشيدَ الإنشاد المتدفّق على طول المجموعة الجارية نهراً، يخترقُ قفص العنوان شعراً، عشقاً، ونداءً لا يتعثّر «كحجر في الهواء»، بقدْر ما ينحدرُ قارباً من شلال متدافقٍ، ويُكْمل طريقه طافياً بإبداع الشّعر بعد انقلابه: «في غيابك الذي يتخثّر كليلةٍ مطعونةٍ بعتمةٍ آثمةٍ، لا علامة تَغيثُ انتباهي، لا دروبَ تستنجدُ بعَمَايَ، كأنني لا أُتقن النداء!/ أناديك بقوّةٍ، ولكنّ ندائي يتعثّر كحجرٍ بالهواء فينهار بالقرب من قدميَّ».
وفي هذا الكشف الذي يُفصح عن نداء ألمِ الفقدِ والتمنّي في استحالة استمرار العشق، في الثلث الأخير من المجموعة، يتجلّى العنوان الذي تمّ رسمه ليفتح عالم الحلم على الخذلان، مقارباً كمالَ ما أُريد للقصائد أن تفصح عنه من مآلات أحلامها. ويتجلّى لدى القارئ قصْدُ الشاعر من إيراد قصيدة التمنّي: «عن تلك الشجرة التي يستضيءُ بها الليل في سيره الأعمى»، فاتحةً للمجموعة، بتداخلٍ متناغمٍ للعنوان والمحتوى وحجر الأبد الغافي والمستيقظ في ذات الوقت، مع بيت شعر الشاعر الجاهلي تميم بن مقبل: «ما أطيبَ العيشَ لو أنّ الفتى حجرٌ/ تنبو الحوادثُ عنهُ وهو ملمومُ»، الشهير الذي ذهب مثلاً، واستخدمه الشاعر محمود درويش بخصوصيته المتألقة، كما استخدمه الكثير من الشعراء «كشكلٍ من أشكال تجسيد اليأس في كلماتٍ، وعزاءً لليأس بيأس مصنوع من الإيقاع»، وفق تعبير الياس خوري.
كما تتجلّى خصوصيةُ خالد حسين في هذا الاستخدام المتناغم مع محتوى كتابه في الحب المستحيل:
«يا ليتني
كنتُ حجراً ملموماً على صمتي؛
يعبرني الرعاةُ ويبكيني العشّاق، تعبرني الرياح والعواصف تجتاحني،
وأبقى، كما أنا، حجراً حجراً أُلَقِّن الأبديةَ نشيد الأزل.
يا ليتني كنتُ حجراً؛ ليعبرني الحبّ كمسافر دون أثر، لتعبرني الغزالة ولا
تطعن قلبي بالنوى!
يا ليتني كنت هناك ويسكنني حجر!».
وفي هذه الفاتحة التي تتماثل مقدمتُها تراثياً مع الوقوف الجاهليّ على الأطلال، يطوّر حسين استخدامه لهذه الفاتحة البطيئة المتأمّلة بالجريان والتدفّق، كما لو على أنغام «كانتاتا» كارل أورف الشهيرة «كارمينا بورانا» في فصل الربيع. ولا يُستبعد أن يكون حسين قد صاغها تحت تأثيرها المباشر أو المستقر في ذاكرة الخلايا؛ حيث تتماثلٍ الحسّية الرعوية في القرون الوسطى الأوروبية، مع الرعوية في ربوع الجزيرة السورية النابضة بالحياة، بالخصوصية «الكردية» الماثلة في المجموعة أرضاً تعجّ بالبحيرات والجبال والسهول والكائنات المتداخلة بها ألواناً وموسيقى وحياة. تتراكم تراثاً ودبكةً وثياباً صارخةً وروحاً تطير، وأساطير وأعياد نوروز تتجلى بها المعشوقة الغزالة آلهةً، والمعشوق الوعل أمير الآلهة الغزالة؛ والماثلةُ كذلك توقاً متكسّراً يدور بعجلة القدر، مداخلاً العشقَ الذي يعاني من الانكسار في الحاضر والحكايات الكردية، مع الحلم الكرديّ العام بتحقيق الاستقلال، حيثُ الشاعر بعشقه الزائل الماثل: «مثلَ كرديّ يطاردُ حلماً مستحيلاً، مثل أيّ كرديّ تتربص به الجهات موتاً، ويعانده التاريخ كل وردةٍ، طاردُ الحلم وطريدُه أنا، سأتدثّر أفقاً علّ معجزةً يهَبَها الإله غفلةً في غفلةٍ!».
وتجدر الإشارة في تناغم العنوان مع موضوع المجموعة كذلك، إلى ملحق العنوان الذي أورده الشاعر بجملة «اشتباكات سردية في إهاب الشعر»، التي تضمحلّ بعد انتهاء القارئ لتحلّ مكانها كلمة شعر، تتألّق بها قصيدة نثرٍ حسين بعموميةِ قصيدة نثر ما بعد الحداثة التي يتداخل بها السّرد والحكاية والعبث والسخرية والحلم محلّقين بأجنحة الكتابة الآلية الخلّاقة. وكذلك بإدهاش تركيب الجملة الشعرية المتداخلة المجازات، وإن أكثرَ الشاعر من كاف التشبيه المعيقة للتشابك الكمومي مع كونها المدهش في تشابكاته. وبخصوصيةِ حسين التي تعجن أناشيد الشعراء القروسطيين الجوّالين بنشيدِ الإنشاد، بسيف لهب نيرودا الذي يَخلق ويشقّ عالمَ كائنيه الوحيدين بعشقهما على الأرض، بكريستال شعر مالارميه، بعيون إلزا أراغون وجنونه، وبتراثه الكرديّ الثري بالحكايات والأساطير، المازجة ممو زين بممو آلان، وتجارب عشقه، ليخرج بنشيد إنشاد كرديّ إنساني متدفّق للعشق الذي يرقص على حدّ سكاكين الزمن المُتربّص والمتربّصين.
في ندائه الذي يتعثّر موضوعاً ولا يتعثّر فناً إلا بقليل عدم الغوران الظاهري في تيّارات البحيرة النفسية الداخلية التي ينبض بها الجمال، وتتكشف باطناً بالغوران في معالجات الوجود والعدم النيتشوي، كما لو أن الجمال تضمّنها؛ يضع حسين بنية عامةً سهلةً تتناغم مع موضوعه، ويفرشها أرضاً يمدّها بتضاريس، يعيش قارئها ثلاثة منعطفات، يُضمّنُها مشاهدَ تأتي قصائدَ قصيرةً شاسعة الامتداد في الزمن والطبيعة، بعناوين وأرقام لاتينية تحت العناوين.
في منعطفه الأول، يورد حسين أربع قصائد: «عن تلك الشجرة التي يستضيء بها الليل في سيره الأعمى ــ كقصيدةٍ تمكث على لسان اللغة ـــ لكي أتورَّد كنسيان بين أصابعك ـــ سفوحٌ، كباشٌ ولسانٌ معضوضٌ»؛ وفي الثاني يورد أربع قصائد كذلك: «سماواتٌ شاردةٌ، عتمةٌ على بعد شهقةٍ ـــ عن العدم، عن بناته الصاخبات ـــ قوس الإغواء، ثمّة شرّ يندلع ـــ سرٌّ يكادُ من وجهك… أيتها الغزالة». وفي الثالث يورد قصيدتين: «ليلٌ يغوص في شهقةٍ أخيرة: نداءٌ يتعثّر كحجرـــ على رنة خلخالك، يستيقظ العشب!». وتفصح هذه العناوين مع العناوين الثانوية عن اللغة الثرية الضاجة بتجلّيات جمال العشق البشريّ المتجاسد مع الطبيعة، والذي توفّره الجزيرة السوريّة لكل من سكنها على ضفتي الفرات ودجلة من كائناتٍ وشعوبٍ، بكرمٍ لا مثيل له في التسامح والقتل كذلك.
في منعطفاته الثلاثة يورد حسين قصائده بصورة مستقلّة وبالمزج، بأسلوب قصيدة السطر الواضحة التي يمكن التحكّم في شاعريتها بسهولة، وقصيدة القطعة التي يكتنفها السّرد الخطر على هذا النوع من القصائد، وبالأخصّ عندما يلجأ الشاعر، كما يفعل فيها، إلى الجملة الطويلة. غير أن المشهدية الأخاذة والتدفّق الغامر يرفعها إلى شاعرية الابتهال والتأسّي والإنشاد والغمر، بخصوصيةٍ عذبة صوَرية آسرة، يغيب فيها كل شيء ويظهر في ذات الوقت نابضاً في حجر الأبد الذي ينتظر إيقاظه وينالُه على تلك الصورة المبهرة:
«مع هذا الغياب الباهظ الذي لا يتبدّد يزرعني الصمت حيرةً تتراكم بغزارةٍ على كراسي الحديقة كأكوام القش المرصوصة في بيادر تلك القرية البعيدة. حديقةٌ أنيقةٌ هنا وقريةٌ بائسة هناك! أبتسم كأيّ امرئ غريبٍ يخفّف من وطأة المكان. لكنّ الأمر لا يختلف كثيراً فيما يخص «الشارع» الذي يقودني دون رحمةٍ إلى الحيرة ذاتِها، لا أملك من أمري سوى القولِ: أيتها السمكة الماكرة!/ لا بلاغة ترتجى في هذا الموقف؛/ هكذا أبوح لنفسي بهدوء./ كأنّ الغياب قدرٌ؛ كأن الحبّ لا يكون…، كأنّ الحبّ هوةٌ، كأنك لست أنت!».
ويمكن للقارئ أو لا يمكنه سوى عيشِ هذا التدفق بعذوبة الصعود والانسياب والهبوط والتداخل في زمكانية هذه الثلاثية، عبر المجموعة التي تتجلّى بها المعشوقة امرأةَ القرية البسيطة المستندة على الباب، راعيةَ الغنم، المشتعلةَ في نار الدبكةِ الكردية، صعوداً وهبوطاً للنهود، التزازاً للأكتاف بالأكتافِ وتقادحاً للأقدام لا يُعرف إلى أين تذهب شراراته؛ والآلهةَ المعبودةَ برقّتها وقسوتها التي لا تعرف الرحمة. ويتجلّى بها المعشوق بلسان المرأة الأميرَ الوعلَ الراكضَ المتلاحمَ بجسد غزالته الأليفِ النافر، في خطاب الرجل للّيل وعناصر الطبيعة أن تدلقها عسلاً مصفّى مع ذهب خريفها، في ظل الغياب، كأنْ لم يكنْ حضورها على حافة تلك البحيرة «سوى إشراقةِ وردةٍ»، بشعرها الكستناء ويدها التي «لا شأن لها سوى أنّها تخثّر الوقت كريستالاً في هيئة زنابق رهيفةً على حافة المكان». «امرأة: يستيقظ بلمسةِ أناملها ذاك الحجر المركون في رشاقته على حافّة الماء من غفوة الأبد، امرأةٌ من رائحة القهوة.» حيث: «بنظرةٍ تندلع الحرائق في جسد نمرٍ متوحّش هناك». امرأةٌ تهدل يمامةً، بعلاماتِ أنوثة كونيةٍ، تتبدّى «علاماتُها، سجاياها، آياتها، في عراء هذا العالم ووحشته»: «نارٌ، نهرٌ، نخلةٌ، نغمٌ ونعيمٌ.»، وإمعاناً في البهاء، حيث الغواية الباطشة، وحيث: «لا حيلة لي تجاه هذه الذئاب الشرسة المشتعلة بالافتراس في عيني».
وحيث السّماوات تتكسّر في شفافية ممارسة الحب وعنفها، تتجلّى المعشوقة العاشقة الإلهة: «قصيدةً تمكثُ على لسان اللغة»، نشيداً وإن قطعتْها كثرة الأرقام اللاتينية، و«شجرةٌ تضيء المكان بصمتها»، «نجمةٌ تؤنِس الوحشة»، «أميرةٌ كردية رهيفةٌ كلغة الآلهة»، «صوتٌ يشبه عبث النهر»، «صباحٌ في أقصى الرقص، ولا يقين سوى ابتسامتِها». كما تتجلّى بؤرةَ شغفِ من يشهدَها من «الماء الداعر على جسدها» إلى عيون المأخوذين ولا مطال، «جمالٌ عابر للقياس»، ولكنْ، يا للأسى: «يتكسّر الحبّ أيضاً، مثل آنيةٍ من خزفٍ، ولا يبقى إلا وجه أمي الذي لا ينتهي».

خالد حسين: «نداء يتعثّر كحجر»
منشورات رامينا، لندن 2023
104 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية