هناك سؤال هام يطرح من جانب الاختصاصيين في الشأن السياسي اللبناني، خصوصاً في هذه المرحلة التي يمر خلالها لبنان بأزمة سياسية ـ اقتصادية حادة وهو: هل حَكم لبنان رئيس جمهورية أكثر التزاماً من غيره بالنسبة إلى القضية الفلسطينية والتضامن في القضايا العربية الأخرى؟
وبما أن منصب رئاسة الجمهورية في لبنان (حتى عام 1990) كان الأساسي في اتخاذ القرارات المرتبطة بالقضايا المصيرية للبلد، ورغم انحسار وتقلص هذا الدور نسبياً بعد اتفاق الطائف (الذي وقع في عام 1989) لتصبح القرارات في يد مجلس الوزراء مجتمعاً مع استمرار الدور المفصلي للرئيس، فإن كتاب الباحثة المصرية المتخصصة في الشأن اللبناني، نهلة الأنصاري، قد يرد على عدد كبير من الأسئلة في هذا الشأن.

السؤال الأهم الذي تحاول الكاتبة الرد عليه هل التزم شهاب القضية الفلسطينية والعروبة أكثر من سلفه الرئيس كميل شمعون والرؤساء الذين تبعوه؟
تقول المؤلفة في الفصل الثاني إن “الرئيس شهاب أراد إعادة بناء السياسة الخارجية اللبنانية على نحو مغاير لما شهده عهد الرئيس شمعون بحيث سلك شهاب دبلوماسية لبنانية واقعية حيال العالم العربي تُخرج لبنان من أي انحياز إلى محاور الصراعات المحيطة به” (ص 130). وتضيف: “في عهد الرئيس شهاب أوصى الرئيس بمعاملة الفلسطينيين كاللبنانيين وفتحَ جميع أبواب العمل لهم بدون قيد أو شرط، لكن دوائر وزارة العمل لم تأخذ بهذه التوصية وظلت تعامل الفلسطينيين كالأجانب” (ص 133).
بيد أنها تستدرك بعض تعقيدات وخلفيات هذا الموضوع بعد ذلك بصفحات قليلة، حيث توضح أن “الوضع الفلسطيني في لبنان كان من المصاعب التي واجهها شهاب في بداية مسيرته إذ اعتبرها مسألة أكثر من قدرة الدولة. وقد كانت حياة الناس في المخيمات الفلسطينية في عهده واقعة تحت السيطرة المشددة لوزارة الداخلية والمكتب الثاني (دائرة الاستخبارات في الجيش اللبناني) وكان الفلسطيني في لبنان محروماً من ممارسة أي نشاط سياسي. وقد دفع كثيرون من فلسطينييّ لبنان ثمناً غالياً بسبب علاقتهم بالحزب السوري القومي الاجتماعي الذي نفّذ نهاية عام 1961 محاولة انقلاب فاشلة ضد نظام شهاب. وكان مسؤولو مخابرات الجيش اللبناني يقومون بزيارات دورية إلى المخيمات. ويتضح مما سبق أن عهد شهاب شهد تشديداً للقبضة الأمنية على المخيمات الفلسطينية إلى درجة حظر الأنشطة السياسية والإعلامية والنقابية للاجئين الفلسطينيين. واتخذت محاولات تنظيم الوجود الفلسطيني وضبطه (آنذاك) طابع التهميش والاكراه والقمع” (ص 142 و143).
وبالتالي، فإن الكتاب يوضح أن سياسة لبنان المعتدلة تجاه البلدان العربية وقياداتها في عهد الرئيس شهاب والشهابية، التي ربطت استقلال لبنان بالتعاون مع محيطه العربي وخصوصا مع القائد المصري البارز جمال عبد الناصر، تزامنت مع علاقة أمنية متشددة ومتوترة وحذره إزاء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ومع موقف لبناني مغطى من جانب أمريكا وفرنسا والاتحاد السوفييتي ومصر.
وتقول الكاتبة إن الشهابية رأت أن سياسة لبنان العربية في عهد شمعون (المدعومة من بريطانيا) كانت في طليعة المسائل التي تسببت في أزمة عام 1958. وانه بعد انتخاب فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية في 31 تموز (يوليو) 1958 فُتحت صفحة جديدة لبنانية مع الجمهورية العربية المتحدة التي كان أصابها التدهور خلال مدة حكم الرئيس شمعون. وكان على شهاب تطمين الرئيس عبد الناصر بأن نظامه يطوي صفحة نظام شمعون وينفتح في الوقت نفسه على حلفاء عبد الناصر في لبنان. وفي العاشر من أيلول (سبتمبر) من عام 1958 وقبل ان يؤدي فؤاد شهاب قسم اليمين الدستورية، بعث الرئيس الجديد بأول رسالة رسمية إلى الرئيس عبد الناصر مؤكداً إقامة علاقات جديدة مع الجمهورية العربية المتحدة (ص 166 و167).
في الإمكان وصف شهاب بالقائد اللبناني الأكثر عروبة من غيره لكونه وثّق العلاقة اللبنانية مع الرئيس عبد الناصر ومع حلفاء ناصر في لبنان، ولكنه ضغط بقوة على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان؟ هذا سؤال قد يطرحه البعض على الكاتبة.
كما أنه لعل هذا كان أحد الأسباب التي دفعت وتدفع بعدد كبير من اللبنانيين المؤيدين لسياسات أمريكا والدول الغربية في المنطقة، بدلاً من مواجهة ومقاومة إسرائيل عسكريا، إلى اعتبار الرئيس شهاب رئيس لبنان الأكثر ذكاء في تخطيط سياسة لبنان الخارجية بالإضافة إلى إصلاحاته الداخلية في البلد. وهذا يشمل معظم الأحزاب اليمينية التوجه في لبنان حالياً حتى التي كانت تعارضه سابقاً. وقد التقى شهاب (حسب الكتاب) بالرئيس عبد الناصر في خيمة من الصفيح على الحدود بين لبنان وسوريا في 25 آذار (مارس) 1959 (نصف الخيمة في لبنان ونصفها الآخر في سوريا) واعتُبر هذا اللقاء خطوة مفيدة وفاعلة وذكية من جانب مؤيدي شهاب في لبنان والعالم العربي.
وأكد عبد الناصر لشهاب في ذلك اللقاء أنه لا يطلب من لبنان الانخراط في الوحدة العربية مع مصر وسوريا ولكنه يتمنى عدم سماح شهاب لنشوء مؤامرات ضد الوحدة العربية تنطلق وتُنظم في لبنان.
بيد أنه وفي 28 أيلول (سبتمبر) 1961 حدث انقلاب انفصالي عن الوحدة مع مصر في سوريا أدى إلى تردي علاقة لبنان بالنظام السوري الانقلابي الجديد بزعامة العقيد عبد الكريم النحلاوي فيما حدثت في الثلاثين من الشهر نفسه مظاهرات في لبنان مؤيدة لعبد الناصر والوحدة العربية (ص 179). وتريث نظام شهاب اللبناني في الاعتراف بالحكومة الانفصالية السورية الجديدة بينما عَلت أصوات أحزاب لبنانية مناوئة لعبد الناصر مطالبة بهذا الاعتراف، وبينها الحزب السوري القومي الاجتماعي بقيادة عبد الله سعادة، الذي كان يطالب بإقامة اتحاد كونفدرالي عربي بين دول منطقة الهلال الخصيب (لبنان، سوريا، الأردن، العراق وفلسطين) ويتحفظ إزاء هيمنة مصر عبد الناصر على الشؤون العربية عموماً وارتباط نظامه بمحاور خارجية متضاربة التوجه. أما موقف الرئيس شهاب من الانفصال السوري، فتقول الكاتبة انه كان محايداً، ولم يسرع للاعتراف بالنظام الجديد في دمشق بيد انه بدّل اسم رئيس الوزراء اللبناني لاحقا وسلّم رئاسة الحكومة إلى رشيد كرامي بدلا من صائب سلام، علماً أن كرامي (حسب الكتاب) زار الولايات المتحدة في إحدى المراحل والتقى الرئيس الرئيس الأمريكي ايزنهاور، كما كان مقبولاً من عبد الناصر. وحدثت محاولة الانقلاب بقيادة الحزب السوري القومي ضد نظام شهاب نهاية عام 1961 فاستنكرها الرئيس عبد الناصر.
وتقول الكاتبة إنه كان للمملكة الأردنية الهاشمية والرئيس اللبناني كميل شمعون وبريطانيا الأدوار في التشجيع على هذا الانقلاب الفاشل، وخصوصاً بعد لجوء شخصيات ضالعة فيه إلى المملكة الأردنية الهاشمية واتهام وزير الداخلية اللبناني كمال جنبلاط (في عهد شهاب) عقيداً بريطانيا اسمه فاولونغ بالقدوم إلى لبنان قبل أسابيع من حدوثه وإقامة اتصالات في بيروت مع قيادات الحزب القومي السوري.
وتؤكد الكاتبة أن علاقة لبنان بالأردن ظلت مشوبة بالخلافات والشكوك والحذر حتى نهاية ولاية شهاب الرئاسية عام 1964 مع أن الملك حسين نفى علاقة بلده بهذا الانقلاب (ص 225).
وتبدو الكاتبة متعاطفة (إلى حد ما) مع مواقف عبد الناصر وشهاب ونجاحهما في إخراج لبنان من مشروعي “حلف بغداد” و”مشروع ايزنهاور” اللذين أيدهما نظام شمعون في لبنان ونظام الملك حسين في الأردن.
كما أنها تثني على التزام لبنان في عهد شهاب “مبدأ عدم الانحياز” والتعاون المثمر مع عبد الناصر وسحب دعاوى رفعها لبنان في مجلس الأمن في عهد شمعون ضد تدخل عبد الناصر في الشؤون اللبنانية.
ولكنها، وبالرغم من اعتمادها البحث العلمي والتوثيق في معظم تحاليلها، فإنها أدرجت بعض “الوقائع” التي يخالفها الرأي فيها باحثون آخرون، ومنها أن الرئيس شمعون كان على علم مسبق بالانقلاب القومي السوري، وانه غادر لبنان إلى افريقيا ثم إلى فرنسا وبريطانيا بعد فشل الانقلاب خوفا من الاعتقال مع قادة الحزب القومي الآخرين، وان حكومة بريطانيا حاولت إرسال سفينة حربية من أسطولها البحري لحماية شمعون من الاعتقال ولكن حكومة لبنان رفضت استقبال هذه السفينة (ص 115). كما ذكرت الكاتبة أن الرئيس شهاب كان قد قرر اعتقال شمعون ولكنه تراجع عن ذلك القرار بضغط من البطريرك الماروني المعوشي.
بيد أنها أكدت ان شهاب رفض التوقيع على أحكام بالإعدام على 197 قيادياً قومياً سورياً من المعتقلين وحولها إلى أحكام بالسجن المؤبد. وبعد ذلك تم اصدار عفو عن هؤلاء في عهد خليفة شهاب الرئيس شارك حلو الذي ترأس لبنان من (1964 ـ 1970).
ومن الأمور التي أيدتها الكاتبة في قرارات الرئيس شهاب ان لبنان كان أول دولة عربية قامت بتشكيل مكتب إقليمي لمقاطعة إسرائيل، وقد حقق هذا المكتب في عديد من القضايا ومنع التعامل مع شركات ومؤسسات أجنبية تتعامل مع إسرائيل، كما منع عدداً من الشخصيات الأجنبية من دخول البلد كانت تحوم الشبهات حولها (ص 144).
وكان لبنان في عهد شهاب يعتزم تحويل مجرى نهر الحاصباني في جنوب البلد. وصدرت الصحف اللبنانية في 16 كانون الثاني (يناير) 1960 تؤكد هذا الأمر فاحتجّت إسرائيل ورئيسة حكومتها آنذاك غولدا مائير على الأمر فيما لقي لبنان دعماً كبيراً في الجامعة العربية، وخصوصا من الرئيس عبد الناصر. وقد استمر موقف شهاب هذا في فترة قيادة الرئيس شارل حلو (من بعده) ولكن حلو قال في أحد مؤتمرات القمة (في أيلول/سبتمبر 1964 في الإسكندرية) إن بلده يعجز عن زج لبنان في مقامرة بمثل هذه الخطورة في وقت هدد فيه رئيس وزراء إسرائيل ليفي أشكول ووزير دفاعه موشيه دايان بأن مثل هذا القرار سيكلف لبنان استقلاله. بيد أن سيطرة إسرائيل على مرتفعات الجولان والضفة الغربية في عام 1967 أدت إلى سيطرتها على معظم امتدادات نهر الأردن واستخدمت إسرائيل هذه الحجة لعدم الانسحاب من الأراضي العربية. فبدون الأرض والمياه لا يتم وينجح الاستيطان ولا التوسع على الأرض الفلسطينية والأراضي العربية المجاورة ومنها لبنان، حسب قول المؤلفة.
هناك ملاحظات يمكن تقديمها على بعض مواقف الكاتبة السياسية خلال تقديمها وقائعها الموثقة علمياً بالإجمال. فمثلا في إحدى الصفحات، تذكر ان “التطورات الإيجابية في علاقات شهاب وعبد الناصر لم ترضِ بعض القوى والأحزاب الطائفية والانعزالية في لبنان، ولا سيما الحزب القومي السوري وحزب الكتائب. ولكن شهاب احتوى الأزمة بعد تسليمه إلى سفير الجمهورية العربية المتحدة في لبنان تقريراً يحمل أسماء منتسبين إلى مخابرات ووكالات أنباء أجنبية اتخذت من بيروت قاعدة للعمل ضد الجمهورية العربية المتحدة” (ص 177).
إن عدم التركيز الكافي على مدى قساوة نظام شهاب في التعامل الضاغط مع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والتركيز حصرياً على عروبته لكونه تعامل بشكل إيجابي مع نظام الرئيس جمال عبد الناصر والجمهورية العربية المتحدة قد يثير الانتقاد. كذلك تصنيف الكاتبة الحزب السوري القومي، من جهة، وحزب الكتائب اللبنانية، من جهة أخرى، في خانة واحدة وهي خانة الأحزاب الطائفية والانعزالية في لبنان مطروح للنقاش.
ولعله يجب تذكيرها بأن الحزب السوري القومي هو الحزب اللبناني والعربي الوحيد الذي يلتزم ويؤمن وينطق بمكافحة الطائفية ويمارس هذا المبدأ بالفعل في مواقفه. وقد دفع ثمناً غالياً بسبب ذلك حيث واجهته بشدة أنظمة طائفية وعسكرية قمعية وحاولت القضاء عليه بشتى الوسائل.
نهلة الأنصاري: “الرئيس فؤاد شهاب وسياسة لبنان الخارجية (1958 ـ 1964)”
المؤسسة الحديثة للكتاب لبنان، 2020
432 صفحة.