حين تقرأ للروائي الجزائري أمين الزاوي تشعر وكأن الرواية هي امتداد لكل شيء، تواصل باللغة الساحرة وعن طريقها مع العالم الذي يحيطنا، وفي حضرة هذه اللغة تُفتح جميع الأقفال لمتعة الحكي والسرد، فلا حاجز ولا مستحيل ولا خطوط حمراء أمام المخيلة الروائية اليقظة وأمام التفكير الحر الذي يحاصر الواقع بأسئلته المحرجة غير المترددة.
بين علاقة المخيلة والفكر الحر يتأسس النص الروائي ناسجا خيوطه بانتظام في أزمنة وأمكنة أخرى غير التي نعرف أو نعتقد وهما بأننا نعرفها ونفقه تفاصيلها، إلا أن الروائي بامتلاكه المقدرة على استحضار التاريخ والتراث والأسطورة بكتابة جريئة يفكك كل منغلِق ومغلَق. والجرأة في الأدب ضرورية، بل الأدب هو الجرأة، في مجتمع كمجتمعاتنا العربية والمغاربية عاشت وتعيش على المواربة، وتخشى من تسمية الأسماء بمسمياتها وتفضل دائما أن تنظر من خرم المفتاح أو من خلف الباب دون فتحه كي نرى النور بشكل كامل، فالظلمة كما جاء على لسان أحد أبطال فيلم The Fountain «كل ظلمة مهما كان عمقها، يهددها ضوء النهار».
هكذا عوّدنا وتعوّد الروائي والمفكر الجزائري أمين الزاوي أن يقدم أعماله الأدبية السردية، معتمدا على المقاربة الحكائية المطعمة بتوابل العجائبي (الفانتاستيك) المؤسس على قراءة جادة لسردية التاريخ المحلي والإنساني. لا ينشر عملا روائيا بالعربية أو بالفرنسية إلا ويشعر القارئ بأنه أمام نص يقرأ الواقع ويفككه بعيدا عن الأفكار الجاهزة السعيدة في كسلها وفي نفاقها، فليس مهما أن تتفق روائيا مع ما يكتب أمين الزاوي، ولكنه يشعرك بأنك تقرأ ما يجعلك تتساءل عن كثير من المسلمات التي تحيط بك. فكتاباته تنطلق من فلسفة خدش الأفكار العامة التي تحتاج إلى من ينفض عنها الغبار، يخلصها من مفهوم المسلمات ويعيدها إلى مربع السؤال المحرج. ليس الجدل الفارغ بل الجدل الذي يحرك الأسئلة ويفرض المراجعات عن بعض الذين يعتقدون بأن أفكارهم هي أصنام تعبد.
في رواية «نيرفانا» وهي آخر إصدارات أمين الزاوي تناول الروائي موضوع تشكل الهوية وأعطابها المجروحة في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، حيث يستحضر النص في تقاطع السردية الجمالية بين «ماشاهو» الأمازيغية (أي كان يا ما كان بالأمازيغية) وسردية ألف ليلة وليلة المشرقية. فبنية الرواية جماليا هي تعبير عن أن الهوية هي راحلة باستمرار وأن لا هوية جامدة أو كاملة أو صافية، جميع الهويات في تشكل وتشاكل مستمر.
تقدم الرواية من خلال استحضار المكان الأمازيغي الذي هو قريتا «أربوز» و«أميزور» مكانا مؤسسا ومؤثثا بالتاريخ والمقاومة ضد الاستعمار وضد المسخ الهوياتي، من دون السقوط في التعصب أو «الغيتو» القاتل للتنوع والاختلاف الذي تدافع عنه الرواية بشكل سردي من خلال شخصيات وأحداث يتقاطع فيها التاريخي بالأسطوري بدون أن ينفصل عن الواقع المرير لجيل تأسيس الجزائر المستقلة. تأسيس غير كامل، يحتاج إلى كثير من الوعي لبناء دولة جديدة كاملة وعصرية.
تقدم لنا رواية «نيرفانا» الشخصية المركزية وهو الشاب أنزار، وأنزار هو إله المطر عند الأمازيغ، أخا من الرضاعة للحمار أزمور، حيث يرضع كلاهما من نفس ضرع المعزة بعد أن جف ضرع الأم عند الأول وماتت الأتانة الأم عند الثاني، لتتشكل بينهما صداقة ومحبة غريبة. فأزمور الحمار يملأ فضاء أكثر من فضاء حيوان السخرة العادية، إنه أحد أفراد الأسرة، وهو حيوان ذكي، انطلاقا من ذلك فالرواية وبشكل يجعلها استثناء في الرواية العربية تحتفي بالحيوانات بشكل واضح، وتجعل الحياة سعيدة وسوية ونافعة وإنسانية في فضاء يلتقي فيه الإنسان مع الحيوان.

يكتب أمين الزاوي: «هكذا كان أزمور، حمار جدتي! الذي كبر معي! أنا وهو أخوان من الرضاعة، نعم أخوان رضعنا من أم واحدة، فقد ماتت الأتان أم أزمور بعد الولادة مباشرة فأخذته جدتي بالعناية وتولت تربيته ورضاعته الاصطناعية من حليب معزة إسبانية تدرُّ حليبا كثيرا، وهي المعزة نفسها التي رضعتُ منها أنا أيضا، فقد حملتْ أمي مبكرا بعد أقل من شهرين من ولادتي بأخي الأصغر مصطفاي أو مُولْ كما كنا نسميه فجف ثدياها مما اضطرها إلى إرضاعي من المعزة نفسها التي كان يرضع منها الحمار أزمور، كنت أجري خلف المعزة فأرضع مباشرة من ضرعها وأنافس في ذلك جديَيْها الصغيرين، أما أزمور فكان عاقلا ينتظر جدتي كي تملأ له رضّاعة اصطناعية وتمسكه بين فخذيها وترضعه ذاك السائل الأبيض السحري».
«نيرفانا» نص عامر بحضور الحمام والكلاب والخيول والنحل والأفاعي وهي جميعها حيوانات صديقة للإنسان في فضائه الاجتماعي والتاريخي والسيكولوجي أيضا، وهي في الوقت نفسه تأخذ ابعادا أسطورية (الأفعى والحمام). ويبدو أن الحيوان أكثر صداقة من الإنسان وأكثر وفاء في كثير من مفاصل الحياة، فالوحشية ليست قرينة بالحيوان بل هي لصيقة بالإنسان وربما بشكل أشرس وبصور همجية دلت عليها الحروب وأشكال العنف والعبودية والتوحش الرأسمالي:
«العمل مع الكلاب أفضل منه مع بني البشر، الكلاب وفية ومحترمة ونظيفة والإنسان لا يوثق جانبه يعض ويوسخ ويخون. استملح أنزار العيش مع الكلاب حتى أصبح صباح ذات يوم ينبح مثلهم، وأضحى يمشي على أربع بينهم، بل مرات كان يفضل أن يأكل مما يأكلون وفيما يأكلون، من الصحون نفسها، وكانت الكلاب أيضا سعيدة بوجوده حتى إنها أصبحت تعده واحدا منها، وكان الذكور من الكلاب يخشون أن تسقط الإناث الكلبات الجميلات في عشقه فيلدْنَ منه جِراءً تشبه بني الإنسان في خلقته القبيحة وأخلاقه السيئة، ففي عيون الكلاب الإنسان هو السلالة الأكثر بؤسا وخيانة من مخلوقات الله جميعها، فهو عنيف وشرس وعنصري وذباح وقتّال وصياد ويحب الحروب».
والرواية تقارب العالم من خلال التركيز أيضا على معنى فلسفة «المرة الأولى» أو «التجربة الأولى» التي يمر بها الإنسان في حياته فتظل عالقة في عقله وفي خلايا جسده، فالعقل والجسد يحملان ذاكرة لا يمكنها أن تنسى «المرة الأولى»، كالعلاقة الجنسية الأولى مع فريد آيت عمران، كركوب ظهر الحمار للمرة الأولى، تدخين أول سيجارة، شرب أول كأس نبيذ، ركوب البحر لأول مرة، السفر خارج البيت أول مرة، المشي حافيا على تراب ساخن أول مرة، مشاهدة الميت أول مرة… هي لحظات ترافق الإنسان طول حياته، بل تصبح مقياسا لجميع التجارب اللاحقة التي تشبهها. من هذا المنطلق فالرواية قراءة داخلية سيكولوجية للفرد في تركيبته التاريخية من خلال تجربته الفردية.
و»نيرفانا» نص يتشكل كنشيد احترام الطبيعة التي تتعرض يوما بعد يوم لوحشية الإنسان المأخوذ بالرأسمال الهمجي، كل ذلك من خلال تتبع تشكل قرية أربوز التي تبدأ بنزول شخص فيها، هاربا من ظلم قابض الضرائب العثماني الذي يريد أن يصادر أخته الصغرى بديلا عن قيمة الضريبة المفروضة. وهي مكان خلاء حتى تصبح قرية للتهريب والملاحقات الاستعمارية والوعي الوطني من خلال العم سليمان المتأثر بالحبيب بورقيبة وبالزعيم الريفي عبد الكريم الخطابي والأب الخائن المتردد المتعاون مع الاستعمار.
وأنت تقرأ رواية «نيرفانا» ومن خلال احتفالها بالموسيقى تشعر وكأن الكتابة بالكلمات لا يمكنها أن تأخذ إيقاعا جميلا إلا إذا كانت على إيقاع موسيقى ما، فالحكاية التي تؤثث الرواية تروى بطريقة تعرف سر السرد العجائبي الذي يشكل تجربة عميقة في ذواتنا. فطريقة السرد نفسها على إيقاع موسيقى «ماشاهو» هي انتماء هوياتي للثقافة الأمازيغية، في لغة عربية تستقي شعريتها من خصوصية مغاربية تتعامل مع العربية بطريقة خاصة في انتقاء الكلمات وبناء الجملة وتركيب الفقرة وهندسة عمارة النص الروائي بالكامل.
«نيرفانا» تُقرأ بكثير من المتعة، من دون انتفاخ لغوي ولا بدانة نصية، بل إننا نشعر باقتصاد في الكلام الذي بموجبه يسمح الروائي للقارئ بمشاركته توقعات أخرى، أي الفراغات التي يتركها الروائي قصدا (بياض النص) يملأها القارئ بتوقعاته التي من خلالها يرسم آفاقا جديدة للنص، وذلك ما نسميه توريط القارئ في كتابة الرواية في الرواية.
و»نيرفانا» هي في النهاية رواية عن الحرية الفردية والجماعية، عن قرية تبحث من خلال العم سليمان عن الحرية الجماعية، ومن خلال أنزار في علاقته مع فريدة هناك بحث عن الحرية الفردية، إذ لا حرية فردية في غياب الحرية الجماعية والعكس صحيح. لذا نرى أن شخصية نزار تريد أن تكون على شاكلة العم سليمان، فالحرية التي يتمتع بها لا يمكنها أن تأخذ بعدها الكامل إلا إذا أصبحت جماعية في ظل توازن هوياتي يجعلنا نؤمن بالتعددية والاختلاف ومناهضة الغيتو والتعصب.
أمين الزاوي: «نيرفانا»
منشورات ضفاف، بيروت 2021
294 صفحة.