«هاوية المرأة المتوحشة» رواية الجزائري عبد الكريم ينينة: سرد منفتح على الإنسان واستكمال التاريخ

سارة سليم
حجم الخط
1

«قراءة الأدب هي الطريقة الوحيدة لفهم حقيقي للبلد. في الأدب، ندخل إلى قلوب الناس وأرواحهم بطرق لا يسمح بها أي شكل فني آخر» هكذا ترى جومبا لاهيري الأدب، ولعلها محقة تماماً في رأيها، فبدون الأدب لا يمكن أن نعرف شيئا عن الآخر، حياته، وكيف يعيش؟ حتى أن الأكل أحيانا يوضح لك ثقافة بلد بعينه، وأحيانا طائر في رواية يقودك إلى تفكير ذلك البلد، إذ عرفنا خلال رواية «طائر الليل البذيء» لخوسيه دونوسو الشيلي، ثقافتها وكل ما يتعلق بهذا البلد، حكاياتها وخرافاتها، كطائر الجونجون الخرافي الشبيه بالبوم لكنه برأس آدمي، فما الذي سيعرفه القارئ عن الجزائر من  خلال رواية «هاوية المرأة المتوحشة» وبماذا سيخبرنا طائر الحسون أو «المقنين الزين» كما تقول الأغنية الشعبية الجزائرية؟
وبطبيعة الحال ليس من اليسير الإجابة عن هذا السؤال، فلغة الروائي الجزائري عبد الكريم ينينة لا تقول كل شيء، إذ أنها مثل الإبر توجعك في تلك اللحظة بالحقيقة، لكنك تكتشف بعد ذلك مفعولها، لغة مكثفة، برمزيات عالية، سارية المفعول.
نقرأ في «هاوية المرأة المتوحشة» رواية جزائرية خالصة، بملامح جزائرية، وبأفكار جزائرية، لكنها تطرح الأشياء من وجهة نظر إنسانية، فالعمل ينطلق من الجزائر ليتحدث عن الجزائر، لكن رسائله منفتحة على الإنسان، إذ حلّل ينينة شخصياته من الداخل وكأنه أراد القول إن الجميع يمكن أن يتشابه في ردات الفعل، لكن الدوافع تختلف، فما دوافع شخوصه وماهي رسالتهم؟
وهذا أيضا من بين أسئلة الرواية التي ستتضح للقارئ بعض أجوبتها، ذلك أن الرواية ليست ملزمة بالإجابة، إنها تطرح الأسئلة، وتقول في الوقت ذاته في لحظة حاسمة ما يعجز الواقع عن قوله، أو لا يعرف كيف يقوله.
وعودة للعنوان الثانوي «رائحة الأمّ» الذي يذهب بك مباشرة إلى الأم في معناها الأوسع، لكنه يحمل رمزية أخرى لا تقل كثافة عن الأولى، إنها رائحة الوطن، غير، أنك تكتشف للعنوان رمزية أخرى، وأن الهاوية المذكورة تحيل لهاوية أخرى أعادت الرواية ترهينها، فهو يقصد أيضا أولئك الذين شبهم بـ: «الأخطبوط الذي احتوى بأذرعه البلد، وامتص خيراته، وأهان أبناءه، ولا يزال يدفعه يوما بعد يوم إلى الهاوية بوتيرة متسارعة».
هنا الكاتب يتناول حاضر الجزائر والمشاكل التي تقود الشباب إلى الهجرة، وهجرة الأدمغة، كما شاهدنا قبل شهر نجاح أكثر من 120 طبيبا في امتحان الالتحاق بالمستشفيات الفرنسية، تطرح الرواية التساؤلات عن جزائر الآن لكنها أيضا تقول ما وجب قوله خاصة فيما يتعلق بالجزائر التي ستظل عربية. أي أن «هاوية المرأة المتوحشة» تحيي كل ما يريد البعض قتله، بدءا من إعادة الاعتبار لأصل التسميات الجزائرية، إذ ذكر على سبيل المثال حي المدنية الذي سماه، الفرنسيين «صالامبي»، نسبة إلى إميل صالومبي، سياسي فرنسي رسخ للتواجد الفرنسي بالجزائر، بدلا من القول «المدنية» نسبة إلى الشهداء الثلاثة الإخوة «مدني». وأيضا ذكر حي «ميسوني»، المسمى باسم فرناند ميسوني، جلاد فرنسي مارس جرائم كبيرة بحق الجزائريين، لكننا، وللأسف، نستمر في تسميته هكذا، دون أن يعي الجيل الحالي من هو ميسوني؟
ميسوني الذي «قطع رؤوس أكثر من ثلاثمئة مجاهد. يحفظ التاريخ لهذا الجلاد حمله رأسَ الثائر فيرناند إيفتون من الأذنين، وقوله بتبجح: إن هذا أعطى للمقصلة حكم إعدام نموذجي، مستقيم، لا تشوبه شائبة». إذ أنه أنجز عقوبات المقصلة بسجن بربوس، الذي تغيرت تسميته الآخر إلى «سركاجي».
كما أن أصل تسمية هاوية المرأة المتوحشة التي أراد المستعمر سلبنا إياها كما سلبنا الكثير، إذ نسبه لامرأة فرنسية وقد شرحت الرواية ذلك، غير أن القصة تعود في حقيقة الأمر لامرأة جزائرية فقدت ولديها في الغابة، وعلى إثر ذلك فقدت عقلها، فاتخذت من «الهاوية مملكتها الخاصة، فأطلق المحتل على المكان اسم هاوية المرأة المتوحشة»، كما جاء في الرواية.
يقول أستورياس: «الرواية الجيدة تحكى ولا تكتب»، وهذا هو شأن رواية «هاوية المرأة المتوحشة». عمل يكاد يكون حكاية تسمعها لا نصّا تقرأه، ذلك أن ما يُسمع يجعلنا دائماً نغمض أعيننا كي نتخيل المشاهد، في هذه الرواية نتخيل المشاهد بعيون مفتوحة وهنا تبرز فرادتها. فهو حين يتحدث عن الأكل الجزائري الذي جعل سيلفيا تحبه، فهو لا يكتب بل يحكي ويوثق لكل ماله علاقة بالجزائر، عاداتها وتقاليدها التي يستحق أن يعرفها الآخر، إذ للأسف ركزت بعض الأعمال الأدبية على ما يحب الآخر قراءته، لا ما يجب كتابته.
لقد ذكر الأكلات الجزائرية المشهورة وذلك داخل المتن الروائي بطريقة ممتازة، على لسان سيلفيا الأجنبية التي أحبت كل ما هو جزائري بدءا بالحريرة التي تذوقتها من يد «وريدة»، والكسكسي، وأكل صحراوي. وذكر أيضا العُصْبان، الدوّارة، المقطفة، المعدنوس، الكرافس، المسفوف، العصبان، البوزلوف، السجق، والرشتة.
تقول سيلفيا: «يستحيل أن يصل هذا الطبق إلى هذا الكمال؛ لو لم تكن وراءه ثقافة عظيمة»، ثم تضيف: «إنه خرافي!».
وطبعا راح يعدد في الرواية حلويات الجزائر: العرايش والدزيريات وكل ما له علاقة بالعادات والتقاليد الجزائرية. تقول الرواية: «انغمست وريدة مع سيلفيا في أحاديث مطولة، بداية من اسمها الذي يعني تصغير التحبيب للوردة، وهو جانب في لهجتنا، يشي برقة في التعامل مع الأشياء الجميلة المحيطة بنا، وأفهمَتها أننا نفعل ذلك حتى مع الشمس والقهوة فنقول «شميسة» و«قهيوة». ثم انتقلتا إلى الحديث عن العادات والتقاليد، والأفراح التي عدّدتها وريدة فأدهشت سيلفيا، قالت إنها لم تسمع من قبل بشعب يحتفي بالأطفال بمناسبة بروز أسنانهم الأولى، حدثتها وريدة عن كثير من أفراحنا وأشكالها، فلاحظت سيلفيا أن أغلبها له علاقة مباشرة بإعلاء شأن الإنسان وتمجيد الخالق».
كما لم يفته الحديث عن الأغاني الشعبية العاصمية، إذ ذكر «الهاشمي قروابي» و«دحمان الحراشي».
وفي النص عبارة عن طائر الحسون أو المقنين الذي كتب وغنى له محمد الباجي أغنية خالدة، هذا الطائر الذي يحمل معزة خاصة عند أبناء الجزائر العاصمة، تقول الرواية: «ما يزال طائر الحسون، أو المقنين طائرنا المفضل، بتغريده العذب الذي يقوم بتنويعه في كل مرة، ويندر أن تجد منزلا ليس فيه قفص بداخله طائر مقنين، تأتي التغريدات من طيور هاوية المرأة المتوحشة، فترد عليها تلك التي في الأقفاص المعلقة في شرفات المنازل والعمارات، مثيرة إعجابنا.»
يرى جون بوين أن «الأدب مكمل للتاريخ وليس نقيضه»، وهذا ما جاءت به هذه الرواية، إذ إنها لم تكمل التاريخ غير المعروف من كل حكاية، بل رممت حوادث تاريخية بحقائق يستدل عليها القارئ أثناء القراءة، دون أن تخسر الرواية منطقها الخاص في قول الحقيقة.
الرواية تدين التطرف بكل أشكاله بالداخل والخارج، يقول بطل الرواية الذي هاجر بحثا عن كل ما تمناه في بلده: «لما فتحتُ عيني على وطن واعد، خطفه مني الساسة والمتطرفون، وطوحوا بي بعيدا منه، غريبا عاري الكتفين، ثم لما أحببت سيلفيا… وها هو التعصب الديني الأعمى يخطفها مني هي أيضا، بعدما ثبتت تحريات سكوتلانديارد أن متدينين مسيحيين متطرفين وراء عملية المختبر.»
وبرغم كل إلماحات «هاوية المرأة المتوحشة» السياسية ومواضيعها الاجتماعية لكنها تلقي بظلالها على ذلك الحب الذي ينشأ، حين نعتقد أن الحياة لن تعقد الصلح معنا. يقول: «أنا أحب الليل، وكانت سيلفيا قطعة مضيئة منه، بل كانت مجرة تاهت فيها أقماري المرتبكة».
وفي فقرة تتحدث عن رؤية الجزائري للشرف الذي يحصره في شرف المرأة، مما يشكل مفهوماً قصيراً وعقيماً، لا يمكن أن ينتج نظرة واعية تنظر للشرف بما يتجاوز هذه النظرة الدونية، يقول: «يعتقد أن شرفه لا يكمن إلا تحت ملابس الأنثى التي تدخل ضمن عموم متاعه، وعلى مر الوقت ارتبط هذا التصور المبتور للشرف بالدم».
لكن في رأيي من المواضيع المهمة التي أضاءت الرواية الكثير من جوانبها: الإرهاب، والعشرية السوداء، لكن من زاوية أخرى، أي النظر إلى الإرهابي كضحية مجتمع والبحث في مسببات ذلك، إذ نلحظ أن ينينة حاور الشخصيات من الداخل لا الخارج واهتم بما يشكل تفاعلاتها لا ماهي عليه.
عبد الكريم ينينة: «هاوية المرأة المتوحشة»
منشورات ميم، الجزائر 2021
222 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية