يبدو زلزال 2003 الذي ضرب الجزائر العاصمة وضواحيها الشرقية الحدث المفصلي الذي رجرج مخيلة صلاح باديس، في باكورته القصصية «هذه أمورٌ تحدث» (منشورات المتوسط 2019). لقد كانت الحصيلة ثقيلة آنذاك، شاهد الناس بنايات حديثة تنهار، وأشلاء تخرج من بين الأنقاض، ورأوا مواطنين ينتقلون من عيش تحت السقوف إلى العراء، البلد خرج لتوه من حرب أهلية، ومن نجا منها، راح ضحية تلك الهزة الأرضية، لقد كُتب عنها في ما سبق (مثلاً رواية «المهم ألا تلتف إلى الوراء» لمايسة باي)، لكنها جاءت في الغالب كتابات من عاين الحدث من الخارج، من منظور مُلاحظ سمع ولم يعش، على العكس من صلاح باديس الذي امتص الصدمة، لم يكتب عنها من منظور الضحية، بل باعتبارها نقطة انعطاف، عن الحياة ما قبل وبعد الزلزال.
وردت كلمة «زلزال» في اثنين من القصص التسع التي وردت في الكتاب، هما: «القطارات تغادر قبل الزلزال» و«قبل الزلزال»، ثم تناثر ذلك الحدث والكلمة ذاتها في نتف على القصص الأخرى، كما لو أن كل واحد من النصوص درجة من درجات مقياس ريختر، لقد جاءت هذه المجموعة القصصية في حركة اهتزازية، شخصياتها ووقائعها تخفق، ترتفع وتسقط ثم تعود إلى مكانها، كل شيء يحدث فيها بشكل سريع، لا يستقر حال بدون أن يضطرب، كما لو أن الكاتب يدون ما يعبر في مخيلته في قلق، ينظر من حوله ويقارن المشاهد قبلاً وبعد أن ظن الناس أن الساعة قد قامت.
جاءت كل القصص أيضاً بصيغة البطل الراوي، الذي يحكي عن نفسه كي يتشابك القارئ من ورائه مع تحولات الجزائر العاصمة وضواحيها، في معمارها وطبيعة ساكنيها. في النص الافتتاحي «حاجة جديدة» يبشر بحياة جديدة، يعود الراوي من سفرة دامت أسبوعين، ويجد زوجته كهينة مرهقة من مشاركتها في إضراب الأطباء، ثم تتعقد وضعيتهما بعد أن تصر صاحبة البيت على طردهما من غرفتهما، فيقرران عن اقتناع التخلي عن كل شيء والانصراف إلى إنشاء مغسلة، تبدو نظراتهما وهما يحدقان في رغوة الغسالة تدور مثل نظرات من ينتظر تطهراً من الحياة التي يعيشها. «قالت إنها كشفت سر الغسالات، الرغوة الكثيفة داخلها هي موجة بحر تأتي من مكان بعيد جداً، من آلاف الكيلومترات خلف الغسالات، ليس من البحر الأبيض المتوسط طبعاً، لأنه كان في الاتجاه المعاكس، لا، بل بحر آخر، بحر الغسالات».
وردت كلمة «زلزال» في اثنين من القصص التسع التي وردت في الكتاب، هما: «القطارات تغادر قبل الزلزال» و«قبل الزلزال»، ثم تناثر ذلك الحدث والكلمة ذاتها في نتف على القصص الأخرى
يطوف الراوي في «هذه أمورٌ تحدث» من شرق الجزائر العاصمة إلى وسطها، يتلمس الأمكنة التي يعبرها، ملامح الراكبين في القطارات، استقامة وانحناءات بنايات جديدة، وتمظهر الميناء، ويتذكر في نص «القمر دبوس يثبت ورقة الليل» جنازة المغني الشعبي أعمر الزاهي، ويكتب: «مشينا في جنازة الزاهي حتى تعبنا. دفنوه في مكان عالٍ، في جبانة القطار، كان الرجال في الجنازة يحبسون دموعهم، وكنت أنا أصور من فوق السور، ثم تراجعت خارج دائرة الجمهور الكبيرة، ووقفت أمام مجموعة صغيرة من النساء. لا يحدث هذا دوماً هنا، أن تسير النساء في الجنازات». والملاحظ أن موسيقى الشعبي ـ وكان أعمر الزاهي من رموزها ـ تتكرر في المجموعة، لكن مع مغنٍ آخر هو الهاشمي القروابي، وبالإضافة شعرية أغانيها فإنها موسيقى تنحاز إلى وصف يوميات العاصمة وأحوالها، ولا تخلو من الهجاء أيضاً، وذلك ما يبرر إدراجها والإصرار عليها من طرف المؤلف، فما يسرده وما نسمعه في أغاني الشعبي يتقاطعان في توصيف أكبر مدن البلاد ديمغرافياً، وفي مدحها والنيل منها في آن، لقد أدت أغنية الشعبي دورها الحكائي بالكلمات، وتبعها صلاح باديس في قصص قصيرة، اندمجت فيها السياسة والحب والخوف والعبث ورغبة ملحة أحياناً في الانعزال، والنظر إلى المدينة عن بعد.
عنصر آخر يلفت انتباه القارئ في «هذه أمورٌ تحدث» هي اللغة التي كُتبت بها القصص، في تركيب بين عربية ودارجة وفرنسية، وفي أحيان نشعر بأن الكاتب «يُمسرح» قصصه، يسردها كما وردت على ألسنة شخصيتها، في عريها ونقائها وفوضاها وصداميتها، بل إنه في لحظات يحول العربية الفصحى إلى لغة مشهدية شفوية، وعندما يلجأ إلى أغنية الشعبي فهو يعيد فقط التذكير بالإرث الشفهي للمدينة التي تدور فيها القصص، إن مقاطع مهمة من القصص الواردة في المجموعة تختبئ أحياناً خلف الحواريات التي ترد بالعامية أو الفرنسية، ولا يكتمل معناها من دون تمعن في لغتها، وهكذا يحيلنا إلى واحد من أكثر المسائل جدلاً: ما هي لغة الجزائري؟ الفصحى أم العامية أم الفرنسية؟ يضع صلاح باديس اللغات الثلاث في خلاطة، بل إن صمت الشخصيات مرات يبدو لغة رابعة، لغة الحافة، المسكوت عنه، وعلى عكس كتاب آخرين، يحتمي كل واحد منهم خلف لغة له، فإن صاحب المجموعة يرافع من أجل لغة بأكثر من رأس، لا أحادية فيها، بل تميل إلى التعدد، مع أننا لم نصل في الجزائر إلى «عدالة لغوية»، لا تزال هناك تراتبية، وذلك ما يقف عليه المؤلف نفسه، حيث أن لغة الحواريات تتنوع حسب الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها المتكلم، فعبقرية اللغة الجزائرية تكمن في كتلتها الانشطارية، في تحركها في الاتجاهات كلها، بدون أن تتغلب فيها لغة على أخرى، وتصير تلك اللغة التي كتب بها باديس أشبه بشخصياتها، التي تحب سريعاً وتكره سريعا، شخصيات تقيم في الداخل ورؤوسها لا تتوقف عن التوق إلى الخارج.
ضاحية الرغاية، في شرق العاصمة، من الأمكنة المحببة التي يتردد عليها المؤلف – لعلها مسكنه – ويكتب تعبيراً عن حالها في استعارة عن حال الجزائر: «أحب الرغاية، لكنه حب قديم، أحب ما كانت عليه الرغاية يوماً، قبل الزلزال مثلاً عندما كان عدد السكان قليلاً والمكان هادئاً. لكنها اليوم تزداد سوءاً، والأرصفة تتكسر وتنهار بلاطاتها تحت الأقدام، خاصة في الشتاء. ذكرياتي كلها هنا متعلقة بالطفولة. أشعر بأن هناك شرنقة ما قد تمزقت، وأنا أنتظر الوقت المناسب لأطير وأبتعد»، لا يدري أين وجهته، لكنه قبل أن يطير كتب «هذه أمورٌ تحدث» بمثابة رثاء للجزائر العاصمة وأطرافها التي ما فتأت تتوسع، قبل وبعد زلزال 2003، تلك المدينة التي لا يحرس أحد ليلها، فليل العاصمة بالغ ويحرس نفسه، كما كتب.
٭ روائي جزائري