براح في سوق شعبية
انقلاب ناعم وقع في الثقافة الشعبية، دون أن ننتبه إليه. شخصية مركزية في موسيقى الراي ـ قديماً ـ اختفت، دون أن نتساءل عن سبب اختفائها. إلى غاية الثمانينيات، لم تكن حفلة راي تبلغ منتهاها دون «البراح». لم تكن الشيخات ـ من أمثال الشيخة الجنية ـ يطلقن حناجرهن بالغناء في غياب مُرافق لهن، ذلك البراح الذي يفتتح الحفلة وينهيها، ويتدخل في كل مرة في وسطها، فيطلق أدعية لشفاء المرضى أو ترحماً على الموتى، يمدح أو يرثي واحداً من الحاضرين.
كان البراح ملح الراي، فهو الذي كان يقبض مالاً من المتبرعين ومن يرغب في دعاء أو عتاب، وليس المغني. كان الناس يُقبلون على مغني راي أو ينصرفون عن آخر، بالنظر إلى سمعة البراح الذي يُرافقه. في زمن سابق، كانت شهرة البراح تتجاوز شهرة المغني أو المغنية، كانت نبرته ترتفع أو تنخفض حسب المبلغ الذي يتسلمه من أحد الحاضرين، ولازمة «هذي في خاطر فلان» لا تُفارق لسانه. يذكر المبلغ الذي تسلمه نقداً، ويذكر اسم صاحبه، ثم ينطلق في الكلام الموزون، ولا يحق للمغني العودة إلى الغناء إلا إذا أكمل البراح وصلته. هكذا كان الحال في ما مضى، أما اليوم فقد انسحب البراح، وقع انقلاب عليه دبره المغنون، لأغراض مادية محضة، لم يرقهم أن يتكسب شخص آخر على ظهرهم. صار الراي يتيماً دون البراحين، مكتفياً بمغنين، ونسينا في السياق أننا محونا شخصية من الثقافة الشعبية، تعود أصولها إلى قرون مضت.
مسرح الحلقة
المداح، الفوال، الحلايقي أو القصاد… هي مرادفات البراح، هذه الشخصية التي ظهرت قبل الاستعمار الفرنسي. في البدء كان ينشط في الأسواق، أسواق الغنم أو أسواق الخردة، يتحين جمهرة الناس كي يظهر من اللا مكان، فينطلق صوته جهوريا في قص حكايات غريبة عجيبة، عن بقاع بعيدة وعن أناس لا مثيل لهم في البطولات، فيتحلق حوله الناس، من هنا نشأ «مسرح الحلقة». فالبراح لم يكن يكتفي بسرد حكاياته العجيبة، التي تُشبه حكايات «ألف ليلة وليلة» بل يمسرحها، يضفي إليها حركات وسكونا، ولا يتفوق براح على آخر سوى بمقدرته على الإقناع، بمقدرته في تلبس المشاهد أو الشخصيات التي يحكي عنها. ذلك البراح وُلد من ضلع الفرجة، من أجل تسلية الناس، ومن أجل قبض مال يعينه على مشقة العيش. ففي ذلك المجتمع الأمي في جله، حيث القراءة من الكماليات، صار البراح شاعر زمانه بكلامه المقفى، وحكاء عصره بقدرته على خلق الحكايات وسردها. لم يكتف بذلك الدور، فقبل ظهور المؤرخين كما نعرفهم اليوم، كان البراح مؤرخ عصره، يوثق الوقائع والأحداث في خرجاته إلى الأسواق، لقد أنشأ البراح مسرح الحلقة، الذي سيكون نواة المسرح في الجزائر والمغرب وتونس، قبل أن يتراجع حضوره عقب الاستعمار، بحجة تحريضه على المقاومة. منع الفرنسيون الحلقة في الأسواق، فعاد البراح إلى مهجعه خاسراً منكسراً، لكنه أورث الحرفة لشخصية أخرى سوف تأتي من بعده: شاعر الملحون.
من بين مرادفات البراح ـ كما أسلفنا ـ هي القصاد، فعقب الاحتلال الفرنسي، هجر الأسواق، هجر مسرح الحلقة، وتلبس صفته شعراء الملحون. لا يزال الجزائريون يذكرون شعراء الملحون الكبار، على غرار مصطفى بن براهيم أو خلفه عبد القادر الخالدي وغيرهما.
قصد يا قصاد
من بين مرادفات البراح ـ كما أسلفنا ـ هي القصاد، فعقب الاحتلال الفرنسي، هجر الأسواق، هجر مسرح الحلقة، وتلبس صفته شعراء الملحون. لا يزال الجزائريون يذكرون شعراء الملحون الكبار، على غرار مصطفى بن براهيم أو خلفه عبد القادر الخالدي وغيرهما. أولئك الشعراء لم يهتموا بتدوين قصائدهم، بل كانت شفهية، تلقى في المناسبات العامة أو العائلية أو الدينية، فتحفظها الألسنة، لذلك نحن نجد اليوم اختلافات في القصيدة الواحدة، بحكم أنها وصلت إلينا بالألسنة لا بالكتابة. شعراء الملحون واصلوا ما شرع فيه البراح، صاروا ناطقين باسم الجماعة، يؤرخون للأحداث والوقائع في قصائدهم، يتحدثون عن الحب والغرام، لكن أيضاً عن السياسة. مثلما جلب الفرنسيون في حقائبهم رسامين وثقوا المعارك (قبل ظهور آلة التصوير) كان الجزائريون يوثقون مقاوماتهم بقصائد (القصاد) وهي صيغة مبالغة عن قائل القصائد. وإن تمكن الاستعمار من حظر مسرح الحلقة، وإزاحة البراح في صورته الأولى، فقد تعذر عليه منع شاعر الملحون أو قطع ألسنة من يحفظون قصائده. لم يكتف شاعر الملحون بإلقاء الشعر، بل أضاف مرافقا له، يعزف على آلة إيقاعية أو وترية، هكذا سيظهر ما سيطلق عليه «الأغنية البدوية». سيظهر الشيخ حمادة، عميد تلك الأغنية، التي صارت تسجل في الأسطوانات، ولم يكن المغني البدوي ليتخلى عن البراح، الذي يجالسه في كل حفلاته، واستمر الحال كذلك حتى الخمسينيات من القرن الماضي مع ظهور نساء في الأغنية البدوية غرب البلاد، فذاع صيت الشيخة الريميتي، بصحبة الشيخ النمس، هكذا كان المشهد الفني إلى غاية الاستقلال في 1962.
بعد الاستقلال عاد البراح، إلى صورته الأولى، في الأسواق، استعاد مسرح الحلقة مكانته، فاستلهم منه عبد الرحمن كاكي وعبد القادر علولة ـ اثنان من أعمدة المسرح في الجزائر ـ شيئاً من تجربتهما، لكنه لم يجد جمهوراً كما كان في الماضي، فقد انصرف الناس إلى السينما لسماع ومشاهدة القصص العجيبة، ثم إلى التلفزيون، فاضطر البراح إلى الركون إلى الأغنية البدوية، التي لم تفتأ أن تطورت فصارت الأغنية الوهرانية، ثم أطلق عليها «العصري» نظير إدراجها آلات تلحين حديثة، ثم صار «الراي» ـ في نسخته الحديثة ـ الذي اعتمد على حضور البراح، إلى غاية الثمانينيات من القرن الماضي، قبل أن يمحى نهائياً في التسعينيات. صار مغني الراي وحيداً، يقوم بالدورين، في الغناء وفي (التبراح) أي التلفظ بالدعاء أو في تحية الحاضرين، ممن يدفع له، أو ما يطلق عليه (الرشقة) أي أن الحضور يرشقون أوراقاً نقدية في ياقة قميصه. اندثر البراح عن الوجود، وهو الذي ساير قروناً من تاريخ الجزائر الثقافي، ولم يعد اليوم أكثر من ذكرى في عقول الأجيال القديمة أو في كتب المؤرخين.
روائي جزائري