اختيار أحمد السقا للبطولة المُطلقة في مسلسل حرب على أساس اللياقة البدنية والتفوق الجسماني، كان دافعاً تجارياً من جانب المُنتجين لاستثمار نجوميته، فضلاً عن رغبتهم في ضمان وصول الرسالة الدرامية المقصودة، بالكيفية التي تُناسب الموضوع بوصفه يناقش قضية كبرى تعتمد في الأساس على التوظيف الحركي وأجواء المعارك ومن ثم وجد صُناع العمل أن السقا هو الأنسب للدور الصعب.
وقد رأى أحمد السقا نفسه، أن المُسلسل يُمثل فرصة ثمينة لا بد من اقتناصها ليؤكد ثباته على القمة وقدرته على منافسة الأبطال الجُدد الذين سحبوا البُساط قليلاً من تحت أقدامه، بأدائهم للأدوار التي اشتهر بها لأكثر من ربع قرن، بعد أن أفسح لهم المجال خلال فترة تخليه عن النمط الذي برع فيه وحقق من خلاله شهرة واسعة.
لكن ما لم يُدركه النجم الكبير ولم يضعه في الاعتبار تحت تأثير إغراء الدور وشخصية الظافر المهمة، أنه تجاوز مرحلة الاعتماد على الأكشن كمقوم أساسي لإثبات جدارته الفنية والإبداعية، بحكم اختلاف الظروف والأزمنة وتقدم العُمر. لقد وضعت التجربة المُثيرة في المسلسل الوثائقي التسجيلي عن الإرهاب أحمد السقا وجهاً لوجه أمام موهبته الحقيقية كممثل، فإما أن يكون على قدر المسؤولية الثقيلة، ويُبرهن على قُدراته الفنية بشكل فعلي بعيداً عن أدائه الحركي المعهود، أو يقنع بما حققه طوال مسيرته الفائتة ويحول وجهته في اتجاه أدوار أخرى أكثر ملائمة لمرحلته الجديدة، مع الاحتفاظ بتاريخه كبطل قديم مشهود له بالكفاءة الرياضية والقُدرة على القفز والجري والتمرس على الأداء الحركي العنيف.
الرؤية الدرامية لمُسلسل «حرب» التي جاءت في أعقاب مسلسل «الكتيبة 101» حيث تم اقتسام الموسم الرمضاني بينهما لم تحمل جديداً يُذكر، فالصراع هو الصراع ذاته المُحتدم بين القوتين المُتضادتين، قوة الإرهاب المُنظم والممول بالمال والعتاد والأفراد، وقوة الشرطة والجيش، وما بينهما من ضحايا مدنيين لا ناقة لهم ولا جمل في المعارك الضارية الدائرة بين الطرفين. هكذا ببساطه هي المُعادلة المُركبة التي قامت عليها قواعد البناء الدرامي في مسلسل «حرب» والتي لم تزد عن مُعطيات محفوظة ومُستهلكة لقضية اختلاف العقائد الفكرية والمفاهيم الاجتماعية بين أطراف الصراع، وربط الدين بالسياسة وربط السياسة بالجهاد في سبيل الله لدى أعضاء التنظيم الإرهابي، وفق السياق الدرامي المكتوب والخالي من أي تطور على أي مستوى، يُفيد بوجود أحداث حية وحقيقية ومُختلفة للحدوتة والصراع المُتجدد والمُتأجج. لقد ركز كل من المؤلف هاني سرحان والمخرج أحمد جلال على مسيرة الظافر كشخصية محورية للأحداث وهي الشخصية التي جسدها أحمد السقا، مُعتمداً على الانفعالات الخارجية بغير عمق، كأن المطلوب فقط هو استعراض الشجاعة في التحدي وبيان القُدرة على المغامرة، وهي جوانب مُتفق عليها في أدائه وشخصيته الحقيقية بعيداً عن المُسلسل والحبكة الدرامية والسيناريو والحوار، لكن المطلوب فنياً ليس كذلك بالطبع، وإنما هو فن إدارة المُمثل واستفزاز ملكاته الإبداعية الباطنية، ليتمكن من الأداء التمثيلي ويمتلك القُدرة على الإقناع بأبسط الأدوات، كنظرة العين والصوت والحركة الملائمة للموقف، وغيرها من المهارات المطلوبة والواجب توافرها في البطل والنجم دون الحاجة إلى التوتر والعصبية والإنهاك الشديد واستنزاف الطاقة البدنية والنفسية بغير نتائج مُرضية.
ربما تأتي الصعوبة في مهمة أحمد السقا كبطل للعمل من واقع المُنافسة الشديدة بينه وبين بقية الأبطال، وإحساسه بجسامة المسؤولية المُلقاة على عاتقة، فضلاً عن المُقارنة الحتمية التي عُقدت تلقائياً بين مسلسل «حرب» ومسلسل «الكتيبة 101» المذكور سلفاً باعتبارهما من نوع واحد، وهذه مخاوف من شأنها تعطيل الموهبة إلى حد ما إذا ما شغل الممثل نفسه بها، لاسيما في ظل الربط الدائم بين أدائه وأداء الآخرين.
المشكلة في مسلسل «حرب» أنه اعتنى بفكرة تسجيل الحدث وتوثيقه بوصفه تأريخاً درامياً لمعارك الإرهاب وعمليات الإرهابيين وكيفية المواجهات المدروسة له من جانب القوة النظامية المُتمثلة في الجيش والشرطة، وهذا ما قلّص بالضرورة مساحات الإبداع والفن وحجم قُدرات المُمثلين وحصرها في أضيق حدودها، لذا جاءت التقييمات الجماهيرية متأثرة بأجواء الإثارة والعنف والدماء والقتل، حيث انصرف المُتلقي عن مُتابعة الأداء التمثيلي أمام هول الجرائم وعدد الضحايا وصور الدمار والاغتيال فأصبح تركيزه بالدرجة الأولى على تفاصيل الظاهرة الإرهابية بغض النظر عن تباينات القوة والضعف في أداء الأبطال وفروق التميز بينهم.
ورغم التأكيد على عدم انشغال الجمهور بأداء الممثلين كعنصر أساسي للانتباه، فإن المُدقق ولو بشكل نسبي يستطيع الوقوف على حدود المهارات الفردية لكل مُمثل، واستنتاج الصلة القوية بين الشخصية الدرامية ومن يؤديها بإحساس أو بسطحية، وفي هذا الصدد يُمكننا الحُكم على أداء محمد فراج على سبيل المثال كبطل ثان للعمل، وكذلك أحمد سعيد عبد الغني، فالاثنان اجتهدا قدر استطاعتهما في الإجادة والتقمص ولو أن المساحة الدرامية المتوافرة للأخير اتسعت أكثر لظهرت إمكانياته بشكل أفضل، حيث المقياس يتحدد بحجم الفرصة المُتاحة، وقوة التأثير المحسوسة في الشخصية وتفاصيلها وأبعادها الإنسانية، وتلك هي مهارة المُمثل الجيد الذي يمتلك الموهبة الصادقة والقُدرة على تفعيلها بما يخدم الدور والنص والعمل ككل فيبرهن على وقوفه في المكان الصحيح.
كاتب مصري