القرار النيابي الأخير مثّل صدمة جديدة للمنظمات الحقوقية المعنية في العراق، وجددت تمسكها بالحقوق الدستورية في التعبير عن الآراء، وعدم استغلال حقوق الإنسان في خلافات وصراعات سياسية.
بغداد ـ «القدس العربي»: عبّر حقوقيون ومراقبون للشأن العراقي، عن مخاوفهم من إجراءات اتخذتها السلطات الحكومية والنيابية مؤخراً، قالوا بأنها تندرج ضمن محاولات تقويض حرية التعبير عن الرأي في العراق، وتكميم أفواه الصحافيين والناشطين المعارضين، بذريعة «الفوضى الإعلامية» مؤكدين انتهاج الحكومات المتعاقبة على إدارة البلاد منذ 2003 بدفع مبالغ مالية لشراء أصوات المحللين ومنصات إعلامية بهدف تلميع «السلطة».
وفي أواخر الأسبوع الماضي، وجه رئيس مجلس النواب بالنيابة محسن المندلاوي، بإقامة دعوى قضائية ضد أي شخص «يسيء» للمؤسسة التشريعية وأعضاء مجلس النواب، متعهداً بأن البرلمان «سيقوم باستضافة أي جهة تعرقل المهام الرقابية للنواب».
القرار النيابي الأخير مثّل صدمة جديدة للمنظمات الحقوقية المعنية بالدفاع عن حرية التعبير عن الرأي في العراق.
تحالف «الدفاع عن حرية التعبير» ذكر في بيان له أنه «في الوقت الذي تشتد فيه الخلافات السياسية، والصراع الدولي داخل الأراضي العراقية، فإننا نجدد التمسك بالحقوق الإنسانية والدستورية في التعبير عن الآراء، وعدم استغلال حقوق الإنسان في خلافات وصراعات سياسية».
وأكد أن «التوجيه الأخير الذي أصدره رئيس مجلس النواب بالنيابة محسن المندلاوي، للدائرة القانونية في المجلس، برفع دعاوى قضائية على أية مؤسسة أو فرد (يسيء) للمؤسسة التشريعية والسادة أعضاء مجلس النواب، توجيه غاية في الخطورة، لأنه يستخدم مفردة فضفاضة حينما يقول (يسيء)».
وأشار التحالف أيضاً إلى أن «هذه المفردة المطاطية، ستُستخدم بالضد من كل شخص ينتقد أو يعبر عن رأي لا يعجب المتنفذين، أو المتصدين للمشهد في البلد، ما يشكل خرقاً دستورياً كبيراً للمادة 38 من الدستور العراقي النافذ لسنة 2005 وإشارة واضحة إلى وجود محاولات ممنهجة لتقويض حرية التعبير عن الرأي».
ورأى أن «التهديدات وحملات التشهير التي تقوم بها قِوى سياسية بالضد من أصحاب الرأي والصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، لا يمكن اعتبارها إلا محاولات تُهدد أسس الديمقراطية في عراق ما بعد الديكتاتورية».
وأضاف: «نحن في تحالف الدفاع عن حرية التعبير، سبق وأن أعلنا موقفنا من محاولات التضييق على الحريات بتمرير مسودة قانون لا تتوافق مع مبادئ حقوق الإنسان، لذا، نجدد اليوم المطالبة برفضها، وتذكير أعضاء مجلس النواب بأن واجبهم تمثيل ناخبيهم، وليس كتلهم».
كما دعا حكومة محمد شياع السوداني إلى سحب مسودة مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي، خاصة وأنها أبدت في وقت سابق ملاحظات على المسودة، حاثّاً إياها على «منع أية اعتقالات تعسفية من دون أوامر قضائية، واطلاع الرأي العام على التهم الموجهة لصُناع الرأي والمدونين والصحافيين».
وفي 12 شباط/فبراير الماضي، أعلن في العاصمة العراقية بغداد تشكيل «تحالف الدفاع عن حرية التعبير» الذي يضم مجموعة منظمات غير حكومية وأعضاء برلمان وأفراد ناشطين في المجتمع المدني وخبراء قانون.
التحالف الذي يرعاه «المرصد العراقي لحقوق الإنسان» يهدف إلى حماية حقوق الإنسان وصونها، بالإضافة إلى خلق مساحات حوار صريحة مع مؤسسات الدولة لردم الفجوة التي عُمِقت بينهما طيلة العقدين الماضيين، والتحول من آليات العداء والإقصاء، إلى آليات الحوار والنقاش وإيجاد المشتركات، حسب بيان أصدره حينها.
وفي موازاة ذلك، جدد «مركز النخيل للحقوق والحريات الصحافية» قلقه من «المضايقات وتقييد الحريات» المتبعة من رئاسة مجلس النواب ضد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية تحت ذريعة «الإساءة للنواب» وكان آخرها توجيهه إلى الدائرة القانونية بإقامة دعوى قضائية على أي مؤسسة أو فرد يسيء للمؤسسة التشريعية والسادة أعضاء مجلس النواب.
وأكد المركز الحقوقي العراقي في بيان أصدره تعليقاً على قرار المندلاوي، «رفض الإساءة الشخصية والتجريح بحق أي عضو في مجلس النواب العراقي» مبدياً في الوقت عينه عن «قلقه واستغرابه من الحملة المتصاعدة ضد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية منذ تولي المندلاوي منصب رئيس مجلس النواب بالإنابة».
وذكّر رئاسة البرلمان بأن عملها هو «متابعة مشاريع القوانين المعطلة وتشريع القوانين التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر بدل ملاحقة الصحافيين والبرامج التلفزيونية والتضيق على حرية الرأي والتعبير».
في الأثناء، يوثّق المحلل السياسي العراقي، محمد علي الحكيم، «انحداراً» في موقع العراق بمؤشر حرية التعبير العالمي، كاشفاً في الوقت عينه عن تخصيص الحكومات المتعاقبة «مبالغ كبيرة» من أجل شراء الأصوات المؤيدة.
وفي حديث لـ«القدس العربي»، أفاد الحكيم بأنه «مع إنهاء الحقبة الدكتاتورية عام 2003 وبعد سقوط النظام السابق، الزعامات السياسية في العراق خلقوا لهم (القدسية) وكذلك خلقوا للمناصب السياسية (العصمة) لعدم انتقادهم والاقتراب منهم إعلامياً، لذلك القوى السياسية حاولت ترسيخ (العصمة والقدسية) لكل من يتصدى للشأن السياسي في العراق ان كان السياسي والزعيم ناجحا وان كان فاشلاً أو فاسدا أو عميلاً أو مرتبطاً بأجندات إقليمية أو دولية، خلافاً لما قدموه من وعود ابان السقوط من حرية الرأي والتعبير».
وأوضح إنه «بعد 20 عاماً من سقوط النظام السابق في عام 2003 وضع مؤشر حرية التعبير العالمي لعام 2023 العراق بالمرحلة التاسعة عربيا بعد الجزائر ولبنان وتونس وموريتانيا والأردن وجزر القمر والمغرب والكويت، وهذا يعد أبرز دليل أن مؤشر حرية الرأي في تدنٍ خطير إذا استمر الوضع كما هو عليه بمنع ظهور محللين سياسيين وإغلاق قنوات فضائية وصفحات تواصل اجتماعي ومنع ظهور برامج ومقدمي برامج سياسية».
ورأى أن «أحزاب السلطة (الفاسدة منها أو أغلبها) تتغاضى بشكل أو بآخر، عن بعض مدونيها الذين يحرضون على العنف عبر القنوات الإعلامية وعبر مواقع وصفحات التواصل، وتتمسك فقط ببعض المنتقدين الذين ينتقدون أداء الحكومات المتعاقبة الفاشلة منذ عام 2003 إذن في ظل عدم وجود معيار حقيقي وفي ظل التلاعب بالمصطلحات واعتبار الانتقاد البناء نوعا من (الابتزاز السياسي) الذي يمثل ويعد أعلى مراحل الخطورة والانحدار نحو دكتاتورية (حرية التعبير والرأي) حيث ان هناك بعض الشخصيات السياسية وبعض الزعماء يحاولون صناعة (العصمة والقدسية) السياسية لأنفسهم عبر تقييد حرية الرأي وحرية التعبير، وإذا رجعنا إلى الوراء قليلا فإن مدوني وإعلاميي السلطة أول من بدأوا خطاب التخوين والتفرقة الابتزاز».
وأشار الحكيم إلى إنه «لا يختلف اثنان ان أغلب الحكومات المتعاقبة خصصت مبالغ كبيرة من أجل شراء الأصوات والمحللين وصفحات التواصل من أجل تلميع السلطة وأداءها الفاشل منذ عام 2003 وكذلك لتلميع الأحزاب وزعماء القوى السياسية، كّرد نوعي ضد بعض الأصوات المنتقدة للحكومات المتعاقبة وأداءها».
وفي الوقت الذي لفت فيه المحلل السياسي العراقي إلى وجود «من يستغل حرية التعبير وحرية الرأي لأجل التقسيط السياسي والعداء الشخصي بعيداً عن مهنة الإعلام والتحليل، وهذا مرفوض جملة وتفصيلا» غير إنه شدد على وجوب أن «تكون المعالجات الحكومية بصورة أكثر حرفية، لكي لا تأتي بنتائج عكسية في الظرف الراهن، لذلك هناك مخاوف حقيقية من وجود مساع لتكميم الأفواه عبر تقنين الحريات المدنية بذريعة الفوضى الإعلامية».