عاشت البشرية على مدى الشهور الماضية مشاهد رعب وفزع ورهبة من الحاضر والمستقبل، بل طبقوا نظاما حياتياً جديداً من حيث لا يدرون، وكأنهم يقولون “غداً نفتح عيوننا ويعود كل شيء كما كان”، وربطها كثيرون بسنة كارثية، بعام 2020، وليس بأحداث ممتدة وتمتد فوق حدود الزمن والشهور والاسابيع.
في مثل هذا الوقت من العام، ربما بات من الصعب الحديث عن حصاد رياضي، كون أبرز الاحداث والبطولات جاءت مشوهة ومجبرة ومسلوخة عن طبيعتها، ورغم الفقاعات الصحية والبروتوكولات الصارمة واتمام ما أمكن من ابرز البطولات والمسابقات في كل الرياضات، الا أن الشعور العام ظل منغصاً للمشجعين والجماهير التي ظلت بعيدة عن الملاعب، ولدى الرياضيين، الذين أجبروا على التعامل مع تعديل مواعيد المسابقات وتفاوت القيود بحسب البلدان في الربيع، ثم واجهوا في الخريف جدولا مزدحما بالمباريات، ما شكل مصدراً للتعب والإصابات. كل هذا في مناخ من عدم الاستقرار المالي أيضاً، ما أثر على بعض الرياضيين الذين تم تعليق دعمهم من الرعاة المتضررين بدورهم من الأزمة. وحاول “السوبر ستار” ليونيل ميسي المساهمة في حل أزمة ناديه برشلونة المادية الطاحنة، فاستمر اخفاق ادارته بقيادة سيئ الذكر جوزيب ماريا بارتوميو، في فهم مغزى الرغبة من الرحيل، فغاص النادي الكتالوني أكثر في وحل الديون، رغم ان مداخيل برشلونة كانت ستتخطى مليار يورو، لكن فيروس كورونا وسوء الادارة تسببا بانهيار كل شيء. وعلى صعيد التفاوض مع اللاعبين، أعلن النادي الكتالوني في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر تخفيض رواتب لاعبيه بواقع 122 مليون يورو هذا الموسم، وأجّل توزيع مكافآته ثلاث سنوات.
برشلونة ليس وحده في العناية المركزة مادياً، فالمدرجاتٌ الخالية أو المقلصة، ونافذة الانتقالات الرتيبة وتراجع في حقوق البث التلفزيوني ستقود لا محالة الى انفجار تحت تأثير كورونا، فبعدما بلغت المداخيل في السنوات السابقة مليارات الدولارات للأندية الاوروبية، تبدو آفاق العام 2021 مقلقة، بعد تقليص سعة الملاعب بسبب البروتوكولات الصحية وفي أحيان كثيرة أقيمت المباريات وراء أبواب موصدة، ما أثر على خزائن الاندية جراء انعدام عائدات شباك التذاكر. واضطرت الاندية الى ترشيد إنفاقها بشتى الطرق، بينها بطالة جزئية وخفض مؤقت لرواتب اللاعبين أو إرجاء للمكافآت وفصل للموظفين.
وبات التركيز على أولمبياد طوكيو، التي تقام الصيف المقبل، فحتى اليابانيون يشككون في اقامة الألعاب في موعدها، ومن المؤكد أنها ستكون أقل بريقاً مما كان متوقعاً، حيث ضخم تأجيلها الميزانية بـ2.1 مليار يورو لتصبح نحو 13 مليار يورو. وخفّض المنظمون عدد الدعوات وأزالوا بعض الاحتفالات وقلّصوا عدد التمائم واحتفالات الألعاب النارية، لكنهم لم يتمكنوا إلا من توفير 240 مليون يورو.
لكن من ايجابيات الرياضة في هذا العام الأليم، كانت موجة الاحتجاجات، حيث استخدم جيل جديد من الرياضيين الواثقين بأنفسهم أصواتهم لدعم مبادرات العدالة الاجتماعية على نطاق غير مسبوق. من نجم دوري السلة الأمريكي ليبرون جيمس، الذي بذل جهداً لزيادة إقبال الناخبين في الانتخابات الأمريكية، الى لاعب مانشستر يونايتد ماركوس راشفورد الذي نجح في الضغط على الحكومة البريطانية لتأمين الوجبات المجانية لأطفال المدارس، وانغمس الرياضيون في القضايا والحملات بشكل لم يسبق له مثيل. وكان مقتل الرجل الأسود جورج فلويد أثناء اعتقاله من الشرطة في مينيابوليس حافزا للتغيير، دفع بالرياضيين من رياضات متعددة الى التحدث علنا ضد العنصرية الممنهجة ووحشية الشرطة. واعتبر “الملك” جيمس، أن وفاة فلويد عززت صحة الاحتجاجات التي أطلقها لاعب كرة القدم الأمريكية كولن كابيرنيك في 2016، والذي اشتهر بركوعه أثناء عزف النشيد الوطني قبل المباريات كوسيلة احتجاج على الظلم العنصري. وتم تبني حركة ركوع كابيرنيك تضامنا مع حركة “حياة السود مهمة” من النشطاء الرياضيين والمتظاهرين في جميع أنحاء العالم.
اليوم هناك حديث عن لقاحات، سعد بها كثيرون حول العالم، لكن أيضاً لاقت التشكيك من عدد كبير، خصوصا في البلدان الغربية، مع أنباء ظهور سلالة جديدة من هذا الفيروس اللعين، والذي على ما يبدو يريدون من بريطانيا ان تكون النموذج المثالي في الحظر والاغلاق وأيضاً في تقبل اللقاح والعلاج، بدون سؤال أو استفسار. والغريب انني تلقيت في الأيام الماضية عشرات الرسائل من أصدقاء حول العالم، عادة يسألونني عن آخر مستجدات الدوري الانكليزي، الا ان هذه المرة للوقوف الى جانبي في ظل الأنباء المرعبة التي انتشرت حول العالم. كان ردي: “عماذا تتحدثون؟ أي رعب؟”.
نعم سيرحل عام 2020، وسيأتي 2021 ولا يهم ان كان يحمل أنباء سارة أو مطمئنة، لأن الحقيقة هي أن الزمن يدور بلا حدود ولا أرقام، والغريب ان الرياضة يجب ان تستمر، وكرة القدم أهم وسيلة ترفيه يجب أن تبقي العقول والعيون بعيدة عن أشياء أخرى.
كل عام وانتم في أفضل حال ممكن
@KhaldounElcheik