هل خدم المال العربي كرة القدم الأوروبية أم العكس؟

 ظافر الغربي
حجم الخط
0

تونس-«القدس العربي»: هل يأتي حرص العرب على ضخ جانبٍ من استثماراتهم المالية في الكرة الأوروبية خدمة للعبة أم خدمة لأنفسهم؟ وهل فعلوا ذلك من باب الإعجاب بالأجواء الأوروبية، أم في إطار المصالح السياسية المتبادلة، أم بحثاً عن فرص اقتصادية مثمرة أم لتحسين صورة العربي في عيون الغرب، أم لتحقيق فوائد غير مباشرة للكرة العربية ولاعبيها، أو تلبيةً لطلباتٍ من الدول التي استثمروا فيها، أو لأسباب أخرى؟
الحقيقة أن بعض ما ذكر لم يخطر في بال المستثمرين العرب، لكن بعضه الآخر موجود، ولأن الأمر أصبح أقرب للظاهرة فدعونا نستعرض الحالات المختلفة للاستثمار العربي كي نحاول مقاربة الحقيقة.

باريس وقطر

ربما أشهر “قصص الحب العربي” للكرة الأوروبية حدثت ولا تزال في عاصمة النور والعطور التي يحبها العرب سياحياً كما تربط معظمهم بها علاقاتٌ سياسية قوية، ولعل هذا السبب كان الأقوى وراء إقدام صندوق الاستثمار القطري على شراء نادي باريس سان جيرمان والاستثمار في تدعيمه وجلب أشهر نجوم العالم إليه ما جعله قوة مهابة في الكرة الأوروبية بدون أن ينجح في الفوز بكأس أبطالها، بينما لم يجد أي عناء في السيطرة على الألقاب المحلية الفرنسية ردحاً طويلاً من الزمن رغم بعض العثرات، بل لعل حجم الاستثمار فيه والذي كان مثمراً اقتصادياً، حيث تضاعفت قيمة النادي عما كانت عليه في بداية هذا الحراك في 2011، ولعل حجم الاستثمار جعل سيطرته المحلية أمراً مفروغاً منه حيث بات من الصعب على بقية أقرانه مجاراته أو مزاحمته خصوصاً وأن مجموع رواتب لاعبيه يعادل على سبيل المثال عشرة أضعاف رواتب ليل بطل الموسم قبل الماضي، ولعل هذا الضعف الذي اعترى المنافسة الفرنسية أثر سلباً على سان جيرمان إذ بات يصطدم في كل عام بمفاجأة أوروبية غير منتظرة.

مانشستر وأبوظبي

قبيل رحيل السير أليكس فيرغسون اشترى صندوق أبوظبي للاستثمار مانشستر سيتي، وبنى له مشروعاً وملعباً مميزاً في منطقة كانت متواضعة، وجلب له المال الإماراتي، كما حدث في الحالة الفرنسية، الكثير من النجوم وكبار المدربين حتى سيطر على الكرة الإنكليزية في السنوات الأخيرة، ولكن بدوره لم يهتدِ للطريق الصحيح أوروبياً وما زال يعيش ذاك التناقض حتى مع المدرب بيب غوارديولا بين التألق المحلي والإخفاق الأوروبي، وهو يمثل استثماراً ناجحاً من الناحية الاقتصادية، إذ زادت قيمته أضعافاً عن المبلغ الذي تم شراؤه به عام 2008، وخلال هذه السنوات فاز السيتي بألقاب محلية لم يفز بها منذ عقود بل حقق مع المال الإماراتي أكبر النجاحات المحلية في تاريخه.

نيوكاسل والسعوديين

ثالث الصفقات الكبرى التي حققتها الأندية الإنكليزية مع المال الخليجي كانت مع نيوكاسل في شمال إنكلترا الشرقي حيث استحوذ صندوق الاستثمار السعودي على النادي في 2021 لقاء 300 مليون جنيه استرليني، ولأن النادي صارع البقاء في الدوري الممتاز فإن “آثار النعمة الاستثمارية” لم تظهر عليه بعد، وما زالت جماهيره التي يتخطى طموحهاً حتماً مجرد البقاء وتجنب الهبوط، تنتظر مزيداً من الصفقات والنجوم الذين يستطيعون إعادة أمجاد ماضي ألان شيرر ونقل الأبيض والأسود إلى المنافسات الأوروبية.
ومن الصناديق السيادية الحكومية ننتقل إلى القطاع الخاص، فالأمير عبدالله بن مساعد وهو الرئيس السابق للهيئة العامة للرياضة في السعودية يمتلك شركة “وورلد يونايتد” للاستثمار الرياضي والتي يديرها من خلال فريق عمل محترف ومن خلال خبرته ودراسته في الولايات المتحدة، واستحوذت هذه المجموعة على شيفيلد يونايتد الإنكليزي في 2013 حيث صعد النادي للدوري الممتاز ثم هبط مجدداً، كما اشترت شاتورو الفرنسي وبيرشكوت البلجيكي، ولأن هذه الأندية تصنف على أنها صغيرة وتنشط في درجات أقل من الدوري الممتاز، فإن الاستثمار فيها يبدو ذكياً وناجحاً إلى حد بعيد كما تنبئ بذلك أرقام ميزانياتها السنوية ومقدار مداخيلها الصافية.
وفي 2010 اشترى رجل الأعمال القطري الشيخ عبدالله بن ناصر آل ثاني ملقة الإسباني، وبدا كأنه حنين عربي لماضينا التليد في الأندلس، واستمر شهر العسل بين الطرفين عدة سنوات نشط خلالها ملقة في الدرجة الاولى وتمكن من التأهل لدوري الأبطال وتخطى الدور الأول، ولكن سرعان ما تراجع الاهتمام بالفريق الأندلسي الذي عاد إلى الدرجة الثانية وبات يعاني من بعض المشاكل المالية ما أدى لتأخر دفع رواتب لاعبيه وجهازه الفني الأمر الذي انعكس بوضوح على مردوده الفني!
ومستثمر عربي آخر ظهر على الساحة الإسبانية صيف العام الماضي واشترى ألميريا وهو تركي آل الشيخ رئيس هيئة الترفيه السعودية والذي قيل إنه دفع 27 مليون يورو لشراء حصة من ملكية النادي وسداد ديونه، وتمكن النادي أخيراً من الصعود إلى الدرجة الأولى، والتحدي الأول الذي يواجه الفريق هو البقاء في هذه الدرجة وعدم العودة مجدداً إلى ظلمات الدرجة الثانية.
وبعدما ولد عاصم علام في مصر سنة 1940، وفي سن الشباب هاجر إلى إنكلترا وأسس شركة استثمارية كبيرة أسماها “علام مارين” واتجه ضمن استثماراته إلى كرة القدم حيث اشترى في 2010 نادي هال، وضم إليه أكثر من لاعب مصري ونجح في الصعود به إلى الدرجة الممتازة قبل أن يهبط مجدداً، وبدوره اشترى رجل الأعمال المصري ناصف ساويرس في 2018، 55% من آستون فيلا بهدف العمل على تطوير النادي وإعادته لمستواه الكبير الذي عرفه في الثمانينات عندما فاز بكأس أوروبا، أما رجل الأعمال المصري ماجد سامي فاتجه إلى دول أوروبية أخرى واشترى أندية أصغر حجماً مثل ليرس البلجيكي، وإيراغوتليس اليوناني واستعان مثل علام بخدمات بعض اللاعبين المصريين، وهو أمر لم يقم به المستثمرون العرب الآخرون مع لاعبي بلادهم! وتطول القائمة، اذ سبق لرجل الأعمال المصري محمد الفايد تملك فولهام الإنكليزي ثم باعه، وكذلك فعل رجل الأعمال الكويتي فواز الحساوي مع نوتنغهام فوريست الإنكليزي.

ماذا جنت الكرة العربية؟

هذا المال العربي الذي يتدفق بسخاء من شأنه أن يثير تساؤل المواطن العربي حول اهمال الجانب الرياضي الذي قد يعود بالنفع على الكرة العربية، فاذا كانت هذه الدول لا تبالي بالمردود المالي فما الذي يحول دون أن تجني الكرة العربية “بعض” الفائدة من ملكية أندية أوروبية شهيرة؟ نحن نفتقد للاحتراف الحقيقي (عقلية وسياسة واستراتيجية ) في دورياتنا، ولا يضير هذه الاندية شيئا لو فكر مالكوها في إتاحة الفرصة للمدربين واللاعبين والإداريين العرب (من بلدانهم أو غيرها) للتعلم وصقل المواهب والاطلاع على سير “الحياة الاحترافية” ومفهومها بالعيش في داخلها؟ المدرب يطور مستواه حين يقضي عاما أو اثنين في دورة تدريبية يحتك خلالها بالأسماء الكبيرة التي يجلبها النادي ويتابع أيضا عن قرب طريقة العمل في مراكز التكوين أو الأكاديميات. ولِم لا يتم استقطاب اللاعبين العرب الواعدين وتمكينهم من الانضمام لهذه المراكز لصقل مواهبهم والارتقاء بمستواهم؟ وللإداريين نصيب من الاطلاع والتعلم من فنون الادارة ما يعزز رصيدهم و خبرتهم و يؤهلهم بتحقيق الاضافة المطلوبة حين يتولون شؤون أنديتهم أو منتخبات بلدانهم. ومن أجل ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل استفادت الكرة العربية شيئاً من كل هذه الاستثمارات العربية في الكرة الأوروبية؟ والجواب مع الأسف هو كلا!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية