جاء الكشف لأول مرة عن صاروخ «فلسطين2» ليضع المنطقة في مرحلة جديدة على صعيد التسلح الصاروخي، لاسيما وأن الصاروخ يتمتع بخصائص تجاوزت الأجيال السابقة منه بكثير.
صنعاء ـ «القدس العربي»: ما أحدثه الصاروخ اليمني فرط الصوتي، الذي أطلقته قوات «أنصار الله» (الحوثيون) في تاريخ 15 ايلول/سبتمبر، واخترق كل منظومات الدفاع الجوي في طريقه إلى تل أبيب ما زال مثار جدل، وخاصة على صعيد ما سيكون بعده، بما في ذلك تأثيره على قواعد الاشتباك في المنطقة.
ما حققه الصاروخ، الذي قطع أكثر من ألفي كيلومتر خلال أقل من 12 دقيقة ويبلغ مداه 2150 كم وتصل سرعته إلى 16ماخ، يمثل تحديًا لقدرات الاحتلال، وما تمتلكه تل أبيب من قوة ردع، وفي مقدمتها منظوماتها المتعددة للدفاع الجوي، التي فشلت للمرة الثانية في تفجير الصاروخ قبل اختراق أسوار القبة الحديدية، بل إنها فشلت في اكتشافه قبل اقترابه منها، ما يفقد المبررات الإسرائيلية مصداقيتها إزاء فشلها في اعتراض الطائرة المسيرة «يافا» التي أطلقها الحوثيون في 19 تموز/يوليو، واستطاعت الوصول إلى تل أبيب.
يأتي صاروخ «فلسطين 2» نتاجًا لسلسلة من الصواريخ الباليستة فرط صوتية يمنية الصنع، التي سبق للحوثيين الإعلان عنها، وأولها كان صاروخ «حاطم» وكشفوا عنه في أيلول/سبتمبر 2022 وهو صاروخ أرض-أرض، ويصل مداه إلى 1450 كيلومترا وحمولة إلى 500 كيلوغرام، وحسب موقع الجزيرة نت «فهو يعادل الصاروخ الإيراني خيبر شكن» وتمتلك منه الجماعة عدة أجيال بمديات مختلفة، وهو الجيل الرابع من صواريخ بدر. و«يمتاز باختراقه الدفاعات الجوية للعدو وصعوبة استهدافه بسبب سرعته الفائقة. إلا أن الميزة المضافة أنه بعيد المدى وهو ما يعني قدرة على الوصول إلى أهداف حساسة في عمق جغرافية العدو وإلحاق أضرار بالغة بالأهداف نظرا لقدرته التدميرية الكبيرة» وفق موقع قناة «المسيرة» الفضائية.
في يونيو/حزيران 2024 أعلن الحوثيون عن صاروخ «حاطم 2» الذي استهدف سفينة إسرائيلية في بحر العرب. وقالت الجماعة إنه يعمل بالوقود الصلب، ويمتاز بنظام تحكم ذكي، وقدرة على المناورة؛ وهو ما مثل إضافة نوعية لقدراتهم التسليحية الصاروخية.
ومن ثم جاء استخدام الحوثيين لصاروخ «فلسطين» الذي تم من خلاله استهداف ميناء إيلات مستهل حزيران/ يونيو، وأعلن عنه الحوثيون لأول مرة في الثالث منيونيو، وهو صاروخ يتمتع بخصائص مشابهة لصاروخ «حاطم2» والتي تتميز جميعها بالبعد التقني الذي يجعلها «ذي كفاءة عالية، للإفلات من أحدث نظم الدفاع الجوي، وتحقيق استهدافات ناجحة، ودقيقة، وتدميرية جداً» وفق وسائل تابعة للحوثيين.
وكانت روسيا أنتجب ثلاثة طرز من هذه الصواريخ، وتبعتها الصين وكوريا الشمالية وإيران، وصار اليمن خامس بلد ينتج هذه التقنية من الصواريخ، وأول بلد عربي في هذا المجال.
وجاء الكشف لأول مرة عن صاروخ «فلسطين2» في 15 ايلول/سبتمبر الجاري ليضع المنطقة في مرحلة جديدة على صعيد التسلح الصاروخي، لاسيما وأن الصاروخ يتمتع بخصائص تجاوزت الأجيال السابقة منه بكثير.
قواعد الاشتباك
السؤال: هل يمكن لصاروخ «فلسطين2» أن يمثل تحولًا استراتيجيًا يغيّر من قواعد الاشتباك في المنطقة؟
اعتبر أستاذ علم الاجتماع السياسي في مركز الدراسات والبحوث اليمني بصنعاء، عبدالكريم غانم، «الصاروخ الباليستي، الفرط صوتي، الذي أطلق عليه الحوثيون تسمية فلسطين 2 وتم إطلاقه إلى العمق الاسرائيلي بنجاح، نقلة نوعية في نمط الصواريخ التي يستخدمها الحوثيون، فمن حيث السرعة استطاع هذا الصاروخ قطع مسافة 2040 كيلو مترا خلال 11.5 دقيقة، بفضل قدرته على اختراق الغلاف الجوي، الأمر الذي يمنحه القدرة على التخفي، ويحول دون قدرة أنظمة الدفاع التقليدية على التصدي له».
وأضاف متحدثا لـ«القدس العربي» أن «وصول صاروخ بهذا القدر من التكنولوجيا المتطورة، وبحمولة تصل إلى نصف طن من المتفجرات، إلى وسط إسرائيل، على بعد بضعة كيلومترات من مطار بن غوريون، هو مدعاة لتغيير قواعد الاشتباك بين إسرائيل وجماعات المقاومة المسلحة، خارج فلسطين».
ويرى أن «هذا الحدث يحمل دلالات كثيرة، أهمها: أن لدى الحوثيين مصادر متنوعة للتسلح، فالصاروخ الفرط صوتي لم يثبت استخدامه حتى الآن سوى من قبل روسيا وهناك أنباء عن تصنيعه في الصين وإيران، وهو ما يؤكد قدرة الحوثيين على تحقيق السبق في التسلح، بما يحمله من عنصر المفاجأة الذي يربك الدفاعات الإسرائيلية، إلى جانب أن الحوثيين، خلافًا لإيران وبقية الفصائل الموالية لها، أقل اكتراثا بالعواقب، والحسابات السياسية».
ويعتقد غانم ّ»أن اختراق صاروخ بهذا القدر من الضخامة والتطور التكنولوجي للأجواء الاسرائيلية، وإن لم يحدث خسائر بشرية داخل إسرائيل، هذه المرة، هو مؤشر على عجز منظومة الدفاع الإسرائيلية عن تحقيق الحماية الكاملة لسكان إسرائيل من تهديد عسكري يأتيهم على بعد أكثر من ألفي كيلو متر، وهو تطور خطير ومثير للهلع لدى سكان يعتمد بقاؤهم على الثقة في حصانة منظومتهم الدفاعية».
كذلك، يعتبر «استمرارية استهداف الحوثيين للمدن الإسرائيلية بأسلحة نوعية قادرة على اختراق جدار القبة الحديدية، ومقلع داؤود وغيره من التحصينات التي تشكل السياج الأمني لإسرائيل يجعلها تدخل ما يشبه حرب الاستنزاف مع جماعة لا تكترث بالعواقب، وليس لديها ما تخشى أن تخسره».
ويعتقد عبدالكريم غانم «أن تغيير قواعد الاشتباك في الصراع مع إسرائيل قد حصل فعليًا بمجرد وصول هذا الصاروخ إلى إسرائيل، فبنيامين نتنياهو وجنرالات حكومته المتطرفة، الذين لا يتأخرون في الرد على مثل هذه الهجمات، قد قاموا بالرد فعلًا، وبنفس السرعة المعتادة، لكن هذه المرة، ليس باتجاه موانئ الحديدة أو غيرها من المدن اليمنية، بل من خلال ما يمكن أن أسميه غزوة أجهزة اتصالات حزب الله، وما مثلته من عملية نوعية شكلت ضربة قاسية لحزب الله، وكانت بمثابة إعلان حرب نوعية مفتوحة، صرفت اهتمام وسائل الإعلام عن الانشغال بالاختراق النوعي الذي أحدثه صاروخ فلسطين 2 وهو ما يفسر توقيت عملية تفجير أجهزة اتصالات حزب الله، التي مر على استيرادها نحو عامين».
ويرى «أن الحوثيين سيواصلون تطوير قدراتهم الجوية، وهجماتهم على المدن الإسرائيلية، وعملياتهم ضد السفن في البحر الأحمر، وقد لا يدفعون الكثير من التكلفة، في مقابل ذلك، فقد تحذو إسرائيل حذو الولايات المتحدة الأمريكية في الحد من التصعيد العسكري مع الحوثيين، ليس فقط لأن الإدارة الأمريكية طلبت منها ذلك، بل لأن المعركة القادمة لإسرائيل في الشمال، ضد حزب الله بدرجة أساسية».