الصحف المصرية غداة محاولة الإنقلاب الفاشلة في تركيا
كان بيان النيابة العامة السعودية، في قضية مقتل “جمال خاشقجي”، على تفاهته، بمثابة جرعة تنشيطية للغدة الدرقية، للحزب السعودي العربي، فنفروا خفافاً، وانطلقوا خماصاً وبطاناً، لتبني هذه الرواية وسترها بطرف ثيابهم، ولأنهم خافوا من أن ينسفها الرد التركي، لذا فقد تنادوا مصبحين ليعلقوا التهمة في رقبة أردوغان وفي “نفس واحد”، على نحو ذكرنا بأداء القوم في ليلة محاولة الانقلاب في تركيا، إذ بدأت عناصر الحزب تكتب مبكراً على منصات التواصل الاجتماعي أن الانقلاب نجح وأن مصير أردوغان سيكون مثل مصير محمد مرسي، وبدوا في أدائهم استكمالاً لرسالة قناتي “العربية” و”سكاي نيوز عربية”، وهو أداء فضيحة بكل المقاييس!
عندما عادت الرواية السعودية، في آخر طبعة لها (إلى الآن)، إلى موشح “المتعهد المحلي”، الذي استلم “الجثة” من فرد واحد، وأنهم بصدد رسم ملامحه، قلت قد يعلنون أن الرسام ظل يرسم بناء على معلومات هذا الفرد الواحد، فإذا بالصورة تظهر في النهاية، لأردوغان، بعدها قام بالانتحار. وفي مثل هذه القضايا، لا بد من الإعلان عن انتحار بعض المتهمين، ربما لأنهم شعروا بوخز الضمير، ولن يعدم “أولو الأمر” في المملكة العربية السعودية، من وجود من يتبنى ما يقولون، وما يفعله المدافعون عن كل الروايات السعودية، ما ظهر منها وما بطن، يؤكد أن لديهم الاستعداد الكامل لأن يتبنوا هذه الروايات لآخر نفس، وباعتبارهم يؤدون عملاً وطنياً وقومياً، فيدافع ترامب ونتنياهو عن “محمد بن سلمان”، ويعلن الأول بأنه لولا السعودية لكانت اسرائيل في ورطة كبيرة، بينما الحزب السعودي العربي، المنتشر في الاصقاع، يقول إن اسرائيل وواشنطن تخططان بقضية “خاشقجي” لضرب السعودية، كما لو كانت المملكة تقف على خط النار في مواجهة تل أبيب، وكما لو كانت من دول الصمود والتصدي زمان، ومن بين من كانوا ضمن حسابات هذه الدول، هم من يدافعون عن السعودية الآن وكأنها لم تكن في أدبياتهم رمز “الرجعية العربية”!
وكما عادت الراوية السعودية، إلى موشح “المتعهد المحلي”، فقد عادت كذلك إلى حديث المشاجرة، وبعد اعترافها في رواية سابقة بأن قتل “خاشقجي” تم مع سبق الإصرار والترصد، عادت لتنفي، وتعود للرواية الأقدم، بأن القتل تم مصادفة، ولم يتم بنية مسبقة، فاعتمد بيان النيابة العامة هذا الكلام، وكان لا بد أن يتدخل الفيلق الاعلامي السعودي لحماية هذه الرواية، ولأن تركيا هدمتها من خلال ما نشرت في صحفها، فقد كان لابد من أن يتحرك الأسطول السادس الاعلامي ليدفع بالقضية بعيداً، للتغطية على تهافت رواية النيابة العامة.
قالت تركيا إن التسجيلات التي في حوزتها أثبتت أن الاتفاق على القتل كان قبل وصول “جمال خاشقجي” لمقر القنصلية، فعطس “رامي خليفة” من باريس عبر أثير قناة “الجزيرة”، ليجد “العاطس” من يشتمه من القاهرة.
يوم بطوله، و”رامي” يعلن أن وجود هذه التسجيلات يؤكد أن تركيا كانت على علم مسبق بمخطط الشروع في اغتيال “جمال خاشقجي”، وعدم تدخلها لوقفه يؤكد أنها شريك في الجريمة، ربما لإحراج آل سعود. ولم يمل من تكرار هذا الدفع، الذي كرره مصطفى بكري في برنامجه في قناة “صدى البلد”، ودخل “الباحث المهول” عمار علي حسن على الخط في تغريدة على “تويتر”، فعمار ممنوع من الظهور التلفزيوني، مع أنه كان من الفصيل الذي مثل غطاء مدنيا للانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013، لكنها الانقلابات على مدى التاريخ الانساني، التي تأكل نفسها، كما تأكل النار الحطب، وكم من “باحث” رُفعت له علامات فلما علا مات!
ومهما يكن، فالآن فقد علمت أن أحمد موسى عندما اتهم أردوغان بأنه متورط في جريمة مقتل “خاشقجي” أنه لم يكن يتحدث من فراغ، فهناك رواية كانت معدة، لوقت الحاجة، لكن مشكلتها أن من تبناها في البداية كان “موسى”، وظهوره مع أي فريق يكفي لخسارته المباراة قبل أن تبدأ.
في المرات التي استمعت فيها إلى “رامي”، لم أجد من يفند ما يقول، وقد ظهر كثيراً في هذا اليوم، تماشياً مع شعار “الجزيرة”، “الرأي والرأي الآخر”، حتى وإن كان “الرأي الآخر” لا يخرج عن مقولة “ريان يا فجل”، وقد شاهدنا تنظيم “ريان يا فجل” في الحالة المصرية، وتمثلها “الخبرة المتراكمة” عبر التاريخ خالد الذكر “محمود إبراهيم”!
وإذا كان حادث مقتل “خاشقجي”، أصاب تجارتهم بالبوار، فقد ثبت أن المذكور عابر للحدود، عبوره للقضايا، وقد شاهدته أيضاً ضيفاً لأكثر من مرة، يتحدث بصفته “محاميا ومحللا سياسيا”، ليدلي بدلوه القانوني في القضية، ولأننا لم نسمع عن صولاته وجولاته في المحاكم، ولم نشاهده يقوم بأي دور قانوني في قضية من قضايا الرأي العام، فقد أدهشنا هذا التقديم، لكن إذا لم تسنده المهنة “محام”، ففي التعريف “محلل سياسي” متسعاً لـ”الهاجع” و”الناجع” و”النائم على صرصور أذنه”!
الإضافة المهمة في هذه المداخلة كانت في أنه كان يسبق إسم ولي العهد السعودي باللقب “سمو”، ولا أظن أن أحداً فعلها من أعضاء الحزب السعودي العربي، يبدو أن هذا للفت الانتباه، ومن ثم تمكينه من العضوية العاملة بالحزب!
في مداخلة سابقة، أبدى دفاعه فأضحك الثكالى، عندما قال إنه لو كان محاميا عن المتهمين فسوف يطلب منهم عدم الاعتراف، ليحصل لهم على البراءة، وكأنه يتحدث عن قضية “نفقة عدة” مرفوعة أمام “محكمة الزنانيري للأحوال الشخصية”، إذ يصلح لهذا النوع من القضايا ما يعرف في مصر بمحامي “السلم”، الذين يمارسون عملهم أمام المحاكم في انتظار أي متهم حديث عهد بالمحاكم والنيابات، فيتسابقون أيهما يفوز بالغنيمة!
فهل يمارس صاحبنا مهنة المحاماة فعلاً، أم أنه دفع أبداه، لتأكيد صلته بالقضية محامياً، ومحللاً؟ مع أن قضية كهذه، لا يناقش بعدها القانوني بعيداً عن القانون السعودي، والتركي، أو القانون الدولي، لأنه ليس مطروحاً أن يحاكم قتلة “خاشقجي” أمام محكمة جنوب القاهرة بباب الخلق!
ما علينا، فالفيلق الاعلامي السعودي، تحرك ليدين تركيا وأرودغان باعتبارهم كانوا على علم مسبق، وهو ما أثبتته التسجيلات، التي قالت تركيا إنها في حوزتها. وتفيد علمها بما يخطط له في القنصلية قبل وصول الضحية، وهو الدفع الذي ذهب بالموضوع بعيداً عن مناقشة التهافت في الرواية السعودية، وأهمية هذا الدفع يستمدها من تبني المذكور “خليفة” له، بحكم التوصيف الذي يتم تقديمه به “أستاذ الفلسفة بجامعة باريس”، ولا أعرف حقيقة ماذا هناك؟ فهل العرب لهم حصة في الجامعات الغربية، لا يتم التدقيق في من يفوز بها؟ راقب الأداء التلفزيوني لـ “نبيل ميخائيل” أستاذ العلوم السياسية بجامعة “جورج تاون” الأمريكية، وسوف يرتد البصر إليك خاسئاً وهو حسير!
في محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، وقد كانت تغطية قناة “العربية” صورة طبق الأصل من تغطية قناة “سكاي نيوز عربي”، بدا واضحاً أنها تغطية متفق عليها مسبقاً، كما بدا واضحاً أن الخطة شملت آخرين على صفحات التواصل الاجتماعي، كانوا يروجون نفس الكلام تقريباً، فأردوغان انتهى، والانقلاب نجح، وقد راعني أن من ضمن الجوقة أستاذاً عربياً آخر بجامعة “جورج تاون”، يعزف النغمة نفسها، ولم يشغلني كيف أن من يقدم نفسه على أنه ليبرالي، يؤيد انقلاباً عسكرياً واضحاً، فالعرق دساس، فقد شغلني أنه يروج لأكاذيب، ولأني كنت متابعاً للأمر منذ بدايته من خلال من هم على الأرض، فقد علقت عنده بأن الأمر لم ينته، وأن الانقلاب سيسقط، وأن أردوغان ليس محمد مرسي، وأن حزب العدالة والتنمية ليس جماعة الاخوان المسلمين!
كنت قد علمت بنزول الشعب التركي للمواجهة مبكراً، ولن يحد من تصرفه حزب محافظ مشغول بفروعه في العالم أكثر من انشغاله بأي شيء آخر، لك أن تعلم أن كثيرين من اخواننا رافضي الانقلاب في مصر، كانوا يطلبون مني عدم ترويج الوهم حتى لا أخدع “الجماهير العريضة”!
وعقب رسالة أردوغان المتلفزة، ونزول “الجزيرة” للشارع لأول مرة في هذه الليلة، تأكد فعلاً أن القضية لم تنته وأن الشعب عازم على دحر الانقلاب!
وقد ران صمت عميق على القوم، ومنهم صاحبنا، والذي توقف عن التغريد، وكتبت أسأله لماذا يشعرني بعض الأساتذة المصريين في الجامعات الغربية، أنهم يدرسون في “معهد عبده باشا”، وهو معهد تعليمي متواضع في مصر، فلم يتحمل أكثر من هذا وقام بحظري!
هل يعقل فعلاً أن يتم التعامل مع وجود التسجيلات على أنه قرينة بأن تركيا كانت تعلم ولم تتدخل لانقاذ جمال خاشقجي، لتوريط السعودية، أو بالتواطؤ مع السعودية، كما قال “الباحث المهول” عمار علي حسن! والذي قد لا ينطلق من حسابات سعودية، وإنما هو يستهدف تركيا لحسابات أخرى.
وددت لو اهتمت التغطية بتقرير عن عملية عمل الكاميرات في اسطنبول، والتي تغطي كاميرات المراقبة جميع شوارعها، لكن التغطية الخبرية تستنفذ الجهود وتحرق الأعصاب، وليس كل ما يتمناه المرء يدركه!
فهل وجود التسجيلات يعني دليلاً على علم تركيا بالجريمة قبل ارتكابها؟ والجواب: وهل كل كاميرا يجلس عليها موظف مقيم على مدار الساعة؟
لقد قتلت “سوزان تميم” في دبي، كما قتل “محمود المبحوح”، وهي المدينة المراقبة بدرجة أكثر دقة من اسطنبول، ولم تعرف السلطات هناك من الجاني إلا بعد تفريغ الكاميرات. وهذه بديهية، لقد سقطت البديهيات بالإلحاح على إبداء دفع لا قيمة قانونية أو فنية له، فهل كانت السلطات في دبي تعلم بمخطط قتل “المبحوح” و”سوزان” لاكتشاف أن التسجيلات الكاشفة للجريمة بحوزتها!
لا يريد القوم أن يعترفوا أن موكلهم قاتل!
أرض – جو
قرأت تقارير صحافية تفيد أن أبو ظبي اشترت قناة “الحرة” فقلت: “يا ما جاب الغراب لأمه”.
صحافي من مصر