المرأة جميلة، ومليحة، وفاتنة، وحسناء، وساحرة. ما هي السمات الأهمّ في الجمال لدى الجنس الرقيق؟ إنها الرشاقة في الهيئة وفي المشية، بالإضافة إلى حسن الصوت. أقرب مثال للإحساس بالوجود في بساطته الأولى هو تأمل الطلعة الصافية للمرأة، أي بدون رتوش، سواء كانت بيضاء أو سمراء أو شقراء أو صفراء أو حمراء أو زنجية. تغادر المرأة الساحرة القاعة، أو البيت، أو شارع السوق حيث التقيتها، وتترك من سحرها الخلّاب ما يظلّ يتلبّث في المكان، ولا يمّحي. تعامل تنظيم «داعش» مع المرأة على أنها سلعة تُباع، وتُشترى، وتوهب، وأدخل في عقلها أنها أقل منزلة من الرجل. حين ترتفع في النفس الظلمةُ الهامسة يخفق القلب من أجل لا شيء، وينبض خلسة. في المشهد الثاني من الفصل الأول من مسرحية «روميو وجولييت» يحاول بنفوليو تخفيف أحزان صديقه روميو المبتلى بنار الحبّ، فيوجّه له هذه النصيحة: ويحك يا رجل! لا يطفئ النار المتأججة إلا نار غيرها، ولا يخفّ الألم، إلا بألم مثله أو أشدّ إيلاماً… وقد يُعالج الحزن البالغ يوماً بحزن يشابهه. فخذ يا ابن عمي سماً جديداً لعينيك يتحرك السم القديم الراسب فيتلاشى ويموت. درس عباقرة تنظيم «داعش» خواص الجرثومة التي سببت الوباء الأخير، كوفيد 19، وتوصّلوا بعقولهم الجبارة إلى العلاج الناجع، وكانت هذه الفتوى: «السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو تنفيذ العمليات الإرهابية، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». التشابه بين ما كتبه شكسبير وما أفتى به «داعش» فظيع جداً، والاختلاف كذلك! الخلاص من الجوى بحّب أقوى لا يعرف الشفقة أو الرحمة. هذا ما قاله شكسبير. وما جاء به «داعش» اليوم هو أن القتل لا يشفى ولا يهدأ بغير المزيد منه. النار بالنار تُطفأ، والألم يسكن بالألم. إلى أين يصل جنون الإنسان؟ كلّ ما موجود في عبقرية شكسبير من خيرٍ ومن حبّ، ترجمه الإرهابيون إلى لغة الكره والوحشية. بنفوليو (مخاطباً روميو): ستذهب الحسناء روزالين التي شغفتَ بحبها إلى هذه المأدبة السنوية… فما عليك إلا أن تحضرها وتروح بعين منصفة تقارن بينها وبين اللاتي سأريكهن من الحسان والملاح الخُرْد العِين. (الخُرد جمع خريدة وهي اللؤلؤة غير المثقوبة، والعِين جمع عيناء وهي المرأة الواسعة العينين). هذا هو العلاج. فما هو طريق الخلاص من وباء كورونا في شريعة «داعش»؟ إنه قتل الأبرياء في السوق، وفي الشارع، وفي المطعم، حتى ولو بأبسط أداة متوفرة، سكين المطبخ مثلاً. هذا جزء من فتوى «داعش»، وعندك المسدس، والبندقية، وقنبلة الحذاء، والحزام الناسف، والسيارات المفخخة، والعبوات الناسفة، والقنابل الموقوتة في الطائرات، وأخيراً جاءنا الشاب التونسي سيف الله بقنبلة بايولوجية، صنعها من حبّات الخروع تقتل عشرين ألف شخص خلال دقائق من استنشاقها. أيّ جنون توصل إليه الإنسان المسكين بعقله الكبير، الصغير، العدم؟ الاثنان تعاونا علينا، الوباء و»داعش». الاثنان لازبان في الأرض، ويتمددان في أنحائها المعمورة. إنه شعارهما المشترك. المرأة الأم والأخت، والزوجة والبنت، يأمرنا «داعش» أن نراها بهيمة. ليس هناك قصة قصيرة حملت كاتبها إلى الشهرة مثل قصة «ليلة القبيحَين» لماريو بنيديتي. بنت لها وجنة غائرة تشبه البئر، ولها نصف أنف، وندبة مخيطة على طول جبهتها المبعثرة من أثر الجراح. ذات يوم تصادف في صالة السينما رجلاً بلا وجه تقريباً. عيناه وأنفه وفمه لا تستطيع تمييزها من أثر حرق قديم. لكن النظرة الحانية من بنت حواء تمنح الرجل البسالة. يتعارفان، وبعد انتهاء الفيلم يذهب بها إلى المقهى، ثم إلى الشقة. الأنوار مطفأة والستائر مسدلة. وهما في الفراش، يمرر الرجل يده على وجنتها، يمسح دموعها. وتتلمس هي آثار الحريق في عينيه وأنفه وبقايا فمه، وتبرئ جراحه كلها وتطيّب سقمه كله. القبيحان، وهما متعانقان، يقضيان ليلة حبّ فريدة، تعيسان سعيدان في الوقت نفسه. عند الفجر قام الرجل من الفراش، وأزاح الستائر المزدوجة كلها دفعةً واحدة.