لقد نشأ جيلي وحوله في طفولته في المدارس والإذاعة والصحف، ضجيج هائل عن ضرورة التحرر من الاستعمار، حتى الكتب المدرسية التي كنا نتسلمها من المدرسة في مواد مثل التاريخ أو اللغة العربية أو التربية الوطنية، كان موضوع جلاء المستعمر من أهم موضوعاتها. عرفنا أن الجلاء لم يكن مطلبا حديثا، لكنّ وراءه تاريخا من الانتفاضات والثورات. صار يوم الثامن عشر من يونيو/حزيران عيد الجلاء، الذي أخذ اسمه من جلاء آخر جندي بريطاني من مصر، بعد اتفاقية الجلاء بين إنكلترا ومصر عام 1956.
ثم عادوا إلينا بعد عدة أشهر بالعدوان الثلاثي الذي اشتركت فيه إنكلترا وفرنسا وإسرائيل عام 1956 وكان يوم انسحاب المعتدين هو عيد النصر في الثالث والعشرين من ديسمبر/كانون الأول. لقد خرجوا بفعل المقاومة من ناحية، والوضع العالمي من ناحية أخرى، والحديث في هذا الأمر يطول، لكن المهم أنه صار لدينا عيدان في العام، عيد الجلاء وعيد النصر. كل ذلك جميل محفور بالدم في تاريخنا وصار أيقونات من ذهب، وتشربنا ما قيل لنا وكان صحيحا، من أن الاستعمار كان ينهب ثرواتنا، وكان يجعلنا في موقف اقتصادي وعسكري ضعيف وغير ذلك، المهم أن كراهية الاستعمار تحققت بشكل عميق في نفوسنا. خرج الاستعمار وصارت البلاد لنا، واستمرت المعركة معه، فهو العدو الخفي لنا في كل شيء، لكن شيئا فشيئا انتبهنا إلى تغيرات متتالية في الحياة من حولنا.
سأختار هنا شكل العمارة على وجه التحديد، والطرق والحدائق، فهي الوجه المادي للثقافة في أي حضارة أو مجتمع. حين تنظر إلى أيّ دولة تجد ما بقي من تاريخها هو هذه الثقافة المادية، التي تتجلي في شكل المعابد والقصور والتماثيل القديمة. لا يحتاج البحث عنها إلى مشقة، كما تبحث عن كتب قديمة، فهي أمامك في الطرقات. لا تنفرد مصر عن غيرها في ذلك. ترك المصريون القدماء وكل من عبر بمصر واحتلها بعد ضعف الدولة المصرية القديمة آثارا صارت متاحف.
في العصر الحديث منذ القرن التاسع عشر بدأت نهضة معمارية في مصر من نوع جديد، نهضة متأثرة بأوروبا بعد سفر البعثات للتعليم في فرنسا.. عاد من سافروا بأشكال من العمارة هي بنت ثقافة البحر المتوسط، والبحر المتوسط هو أطول مسافة تطل عليها مصر، فليس غريبا أن تستقي منه مصر عماراتها أو شوارعها أو حدائقها. حين حدث الاحتلال البريطاني لم نقرأ في أي كتاب أن بريطانيا عارضت قيام الحدائق أو بناء العمارات على النظام الأوروبي المتوسطي، أو حتى التركي أو الإسلامي، بل تحت الاستعمار نشطت حركة العمارة وتنظيم الشوارع واحترام الحدائق الجديدة.
لم يكن يقوم بها المُحتل نفسه حقا، لكنه لم يمنعها، حين بدأت حركة العمارة الحديثة في القرن التاسع عشر كان هناك ما يسمى بلجنة الأورناتو التي بدأت عملها عام 1834 ومهمتها وضع شروط للبناء ومتابعته، ومعها البلديات التي نشأت عام 1890. كان المعماريون الطليان هم المشرفون الأكبر عليها، واستمر الأمر رغم الاحتلال البريطاني، وظهرت أهم العمارات والميادين. كان من أبسط قوانين البناء ألا يرتفع المبنى عن خمسة أو ستة طوابق، لتصل الشمس والهواء لساكنيها ومن خلفهم، فلم تظهر على كورنيش البحر في المدن الساحلية عمارة من عشرة أدوار مثلا. وبعيدا عن الكورنيش للبحر أو النيل أيضا، فليس مسموحا أن ترتفع العمارة عن مرة ونصف المرة من عرض الشارع. فإذا كان الشارع عشرة أمتار لا ترتفع العمارة عن خمسة عشر مترا، حتى لا تصبح الشوارع أوكارا للمجرمين، فضلا عن الشمس والهواء، شمل ذلك أماكن الأرستقراطية وأحياء الطبقة الوسطى والفقراء معا فالقانون على الجميع. استمرت مصر تقاوم الاستعمار من ناحية من أجل الاستقلال، ومن ناحية أخرى صارت مفتوحة لكل الأجناس من كل العالم، يأتون إليها للعمل في الصحافة، أو الصناعة أو الزراعة أو العمارة أو غيرها.
خرجت الجاليات الأجنبية منذ منتصف الخمسينيات بشكل رسمي، ولذلك حديث طويل، لكن حتى الستينيات كان التراث المعماري قائما على حاله. كانت هناك طبعا حداثة جديدة في البناء، فلم تعد العمارات فيها ما كان في العمارات القديمة من زخارف مكلفة مثلا، لكن ظل الاحتفاظ بالقوانين في البناء قائما، وشيئا فشيئا خرجت مصر كلها على القوانين في البناء فامتلأت بالعشوائيات. لا أقصد بذلك الأماكن الفقيرة فقط، التي قامت على أطراف المدن وسرعان ما التصقت بها، لكن حدث أكبر هجوم لم يفعله الاستعمار قط على البحيرات العظمى في مصر، فامتلأت بالمصانع أو المباني التي تتجاوز كل القوانين. وحتى داخل المدن بدأت المباني تفقد شكلها، فظهرت عمارات خالية من البلكونات، باعتبار أن جلوس النساء فيها أمر مكروه. ثقافة أخرى لا تمت للاستعمار بصلة، أقصد لم يستخدمها الاستعمار، ولا تمت لثقافة المباني التي كانت بنت البيئة المصرية، وبنت المعنى الحقيقي للبناء، وبنت الإطلالة على البحر المتوسط. حدث الهجوم على الأراضي الزراعية فتقلصت وصارت مباني عالية في شوارع ضيقة، وكل ذلك تم في رعاية المسؤولين عن الأحياء من محافظين إلى مديري مكاتب الأحياء.
شوارع قديمة زاخرة بالعمارات القديمة يتم إهمال عماراتها استعدادا ليوم يتم هدمها فيه، من أجل بناء عمارات ترتفع إلى السماء. يوما بعد يوم يصبح الإنسان محاصرا في الأحياء الراقية، فما بالك بالأحياء المتوسطة والفقيرة، التي جرى عليها هذا التغير الساحق في شكل العمارة.
الآن نشهد شيئا لا يمكن لعقل أن يجد له سببا مقنعا وهو مذابح الأشجار في كل مكان. حدائق كبرى مثل حدائق قصر المنتزه في الإسكندرية تعرضت لخلع الكثير جدا من أشجارها، من أجل بناء محلات للطعام من الفول والفلافل حتى البيتزا وغيرها. حديقة صغيرة ليس هناك غيرها على طول كورنيش الإسكندرية هي حديقة الخالدين، التي أخذت اسمها من تماثيل لسيد درويش وبيرم التونسي وعبد الله النديم ومحمد كريم، صارت مكانا لساندوتشات الكبدة والفول، بل في الشوارع الكبرى في القاهرة وغيرها، يتعرض كثير من الأشجار للإزالة بلا أي منطق. من أين جاءت هذه الثقافة؟ لقد سافرت إلى بلاد أجنبية وعربية كثيرة، وزرت حدائقها وتكررت الزيارات، ولم أر الحدائق تتعرض للمذابح. في المغرب كنت أمشي في شوارع مراكش، أو غيرها أرى الأشجار حولي، ولم يحدث مع تكرر الزيارة أن وجدت الأشجار تمت إزالتها. لقد كانت المغرب محتلة من الفرنسيين، وبعد خروجهم لم يقطع حكام المغرب الأشجار. أصبحت كلمة تطوير الآن في مصر كلمة مرعبة لا يتوقع منها أحد خيرا، مباني قديمة لحي كامل مثل حي بولاق وسط القاهرة أزيلت من أجل عمارات متلاصقة ترتفع إلى السماء، ولم يفكر أحد كيف سيخرج سكانها في سياراتهم، وأي الطرق ستستوعبهم وسط المدينة.
شوارع قديمة زاخرة بالعمارات القديمة يتم إهمال عماراتها استعدادا ليوم يتم هدمها فيه، من أجل بناء عمارات ترتفع إلى السماء. يوما بعد يوم يصبح الإنسان محاصرا في الأحياء الراقية، فما بالك بالأحياء المتوسطة والفقيرة، التي جرى عليها هذا التغير الساحق في شكل العمارة. أصبحت هناك مدن تبنى في الصحراء تصل ارتفاعات عماراتها إلى مسافات عالية جدا، بينما الصحراء واسعة تصرخ لمن يفعل ذلك، أن يتوسع في المكان وليس إلى السماء. المدهش أن هذه المدن لن يسكنها أحد إلا شهرين في السنة أو ثلاثة أشهر، هي أشهر الصيف، وسيتركها تبكي بقية العام من الوحدة في الفضاء الذي ترتفع فيه. تغيرت ثقافة البناء فصارت العشوائية وعدم التكيف مع المكان أمرا رسميا. لم يعد البناء ثقافة، بل صار مطمعا في المكسب على حساب الجمال والمكان. وهكذا تتعرض الثقافة بشكلها المادي إلى عشوائية لم تحدث تحت حكم الاستعمار الذي تخلصنا منه. نسمع كل يوم عن المؤامرة التي تحيط بمصر، باعتبار أن الحديث عن الاستعمار قديم لا معنى له، لكن لا أحد يملي على السلطة ما تفعله في العمارة والخضرة.
روائي مصري