هل يستحقون حرية الربيع العربي؟

حجم الخط
2

لئن كان شهداء ثورات الربيع العربي قد قدموا أنبل النماذج في التضحية والفداء، ودفعوا ثمن ذلك من دمائهم وأرواحهم راضين مرضيين، فإن ما نراه الآن من اقتتال رخيص، وصراع دنيء، ونسيان أو تناس لمبادئ ثورات الربيع، ما هو إلا خيانة ـ أي خيانة- لهؤلاء الشهداء.
إذ إنه بفضل هؤلاء الشهداء الشباب الذين سنبكيهم ما حيينا- أصبح للعرب ربما للمرة الأولى منذ أمد بعيد رمزية عالمية، وأصبحوا نموذجا يحتذى في التغيير، وإرادة الحياة الكريمة الأبية، حتى رأيناهم في( وول ستريت) يرددون بلغة الضاد ‘الشعب يريد إسقاط النظام’ وكان هذا أزكى تحية لأرواح الشهداء.
الآن حضرت المعاني الدنيئة، وغابت المعاني النبيلة، فأهينت الثورات، ونال منها المتربصون، وكهنة الأنظمة المستبدة الظالمة.
لا أحد الآن يتذكر شهداء الربيع العربي، سواء في الشارع العربي، أو في الإعلام المرئي والمقروء والمسموع إلا فيما ندر.
نفهم ألا يدرك الإعلام التعبوي المسيس كل القيم والمبادئ التي قدمها هؤلاء الشهداء، لأنها مبادئ وقيم لا قبل لهم بها، ولا غرو في ذلك فولاؤهم الأول لمن يدفع لهم، الآلاف المؤلفة من رجال الأعمال الذي لا تخفى على الناس من أين لهم كل هذه الثروات الطائلة التي جنوها بين عشية وضحاها.
وإن تعجب فاعجب من الشعوب العربية قبل حكامها، لأنه كان من المفترض أن يغير الربيع العربي- الذي أزاح الطغاة من على عروشهم الظالمة- منهم ومن سلوكهم ومنطلقاتهم في الحياة، ولكن الذي حدث أن السلبية واللامبالاة هي التي سادت، وأصبحت مبادئ الربيع العربي نسيا منسيا. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل نستحق- نحن العرب- أبواب الحرية التي ما كان لها أن تفتح لولا الدماء الزكية لهؤلاء الشباب؟ أم ترانا حقت علينا أغلال العبودية والديكتاتورية والأسر الذي عشنا فيه واستمرأناه سنين عددا؟
بلا شك نجح أعداء الربيع العربي ـ وهم كثر- في تشويهه، وحولوه من رمز للحرية والكرامة، إلى نموذج للفوضى والتخريب والدمار الذي نراه بأعيننا رأى العين صباح مساء.
على كل الشعوب التي شرفها الربيع العربي ديون مستحقة، وأثمان غالية لابد لها أن تدفع إن عاجلا أو آجلا، وهي الوفاء بقيم الحق والكرامة والعدالة والمساواة، وغرسها في العقول والأنفس، وتذكر تلك القيم التي حمل لواءها هؤلاء الشباب، بشجاعتهم وجسارتهم وبراءتهم، واستهانوا بكل أشكال القهر والطغيان والجبروت، حتى كان لهم ما أرادوا.
لا نستحق أبواب الحرية التي فتحت لنا ونحن على ما فيه من فرقة وتشرذم وخزي وتناحر وصراع دنيء على السلطة، وإنما سنستحقها يوم أن نريد وبحق الحياة الكريمة التي تليق بالأحرار، ويوم أن يشعر كل عربي بأنه مدين لآبائه العظام أن يقدم للعالم كله صورة العربي المتحضرالذي قدمت حضارته للإنسانية جمعاء فضلا ومعروفا، ونكص هو عن أداء هذا النموذج الأصيل.
سنستحق أبواب الحرية التي فتحها لنا شباب الربيع العربي، يوم أن نحيا بعد موات، ونستيقظ بعد سبات، وآن لنا أن نفعل.
نقولها وكلنا حسرة على واقع الأمة، وخوف على مستقبلها، نقولها وكلنا أمل مشرق لهذه الأمة.
نعلل النفس بالآمال نرقبها .. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

‘ كاتب وصحافي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية