مؤخراً ازدادت الدعوات الموجهة للجمهور العربي، وضمن ذلك مقال جدعون ليفي، الذي تمت ترجمته للغة العربية وحصل على انتشار واسع في الوسط العربي (“هآرتس”، 13/2)، من أجل الخروج بجموعهم. وقد تم الادعاء بأن هذا هو الرد الأفضل على جميع من يبصقون في وجوه العرب.
جدعون ليفي وأتباع زيادة التمثيل هم على حق. في صندوق الأدوات الذي بقي للوسط العربي في دولة إسرائيل لم يبق فيه الكثير. التصويت للكنيست بهدف التأثير في الساحة الداخلية الإسرائيلية هو تكتيك سليم. حتى الآن لم يكن هناك استغلال بالحد الأقصى للقوة الانتخابية للوسط العربي، وطالما لم يحدث ذلك فإن نطاق التأثير سيكون قابلاً للنقاش.
مع ذلك، القائمة المشتركة والـ 13 مقعداً التي حصلت عليها، لم تمنع إجازة قانون القومية ولم توقف قانون كامنتس (الذي يتشدد في إنفاذ القانون على مخالفات بناء، وموجه بالأساس ضد العرب). هذه الـ 13 مقعداً كانت موجودة عند طرح صفقة القرن، بما في ذلك تبادل الأراضي والسكان، حوالي 300 ألف مواطن عربي. ولمن يؤيدون مقاطعة الانتخابات وغير المبالين الذين لا يرون وجود سبب لتصويتهم، هناك أساس للادعاء بأنه مجال تأثير أعضاء الكنيست العرب في جميع الأحوال هو محدود جداً، وسيواصل كونه هكذا حتى لو ازداد التمثيل.
ولكن، ازدياد التمثيل إلى 15 مقعداً وأكثر، يمكنه بالتأكيد أن يؤدي إلى تغيير ويملي واقعاً جديداً، لا يستطيع بني غانتس أو بنيامين نتنياهو تجاهله. عملياً، لقد تم البدء بهذا التغيير، على الأقل في الخطاب الإعلامي. متى حصل أعضاء الكنيست العرب على هذا القدر من الاهتمام في وسائل الإعلام الرسمية في إسرائيل؟ أيمن عودة وأحمد الطيبي يقفزان من استوديو إلى آخر وينقلان الرسائل. لا يمر يوم دون أن نسمع أو نشاهد عضو كنيست يتم إجراء مقابلة معه. صحيح أنه ليس دائماً ما يجري ذاك النقل الصحيح للرسائل، ولا بنجاح أيضاً، لكن يوجد انكشاف على الأقل، وهذا كثير في إسرائيل 2020.
هل تكفي زيادة التمثيل من أجل تحقيق الخلاص للمواطنين العرب؟ الجواب لا. فالوسط العربي ليس مجتمعاً محصناً بشكل خاص، وإذا غصنا في أعماقه فسندرك أنه في أزمة عميقة. التغيير الحقيقي في الوسط العربي لا يقر بالتمثيل في الكنيست. هذا مستوى مهم، لكنه وحده لن يؤدي إلى أي تحسين.
من يعرف المجتمع العربي سيعرف أن أحد أسباب التأثير القوية هو الحكم المحلي. رئيس المجلس المحلي في كل بلدة هو المرآة لما يحدث تحته، ومن هذه الزاوية الصورة قاتمة. طالما أن القبلية والعائلية والطائفية لها دور في تقرير جدول الأعمال السياسي لمعظم البلدات العربية، يصعب الحديث عن تغيير جوهري.
هذا التغيير لن يأتي من الكنيست أو الحكومة، بالعكس، هناك من سيغذون الضائقة ويحاولون تحطيم أي نموذج إيجابي. لا يجب أن نكون حكماء لنفهم كيف عمل هذا النظام خلال عشرات السنين: الدولة سيطرت على المجتمع العربي من خلال سياسة “فرق تسد” أو “العصا والجزرة”، وهكذا أثرت في هوية القيادة المحلية.
يجب الاعتراف بأنه هناك براعم تغيير كانت في العقد الأخير في عدد من البلدات العربية. رؤساء سلطات جدد، وشباب متحمسون لا يرتبطون فقط بالحبل السري العائلي والطائفي، نجحوا في بث روح جديدة وخلق خطاب مختلف أمام مكاتب الحكومة. وبمساعدة القائمة المشتركة، ظهرت الأمور مختلفة قليلاً. ودخلت إلى الصورة أيضاً منظمات المجتمع المدني التي أيدت وساعدت. هذا المثلث – رؤساء سلطات محلية وسياسيون وجمعيات اجتماعية – قام بتطوير نماذج جيدة من أجل التغيير، لكن جميع أضلاعه، لا سيما الجمعيات، هي تحت رحمة آخرين. لا توجد اليوم أي جمعية في الوسط العربي يمكنها العيش وحدها. مساعدة خارجية، لا سيما أموال أوروبية وأمريكية (بما في ذلك يهودية) مهمة لها مثل الهواء للتنفس. ولجنة المتابعة التي تعمل كمظلة لجميع هذه الأجسام تدار بميزانية صفرية. منذ سنوات وهم يتحدثون عن إنشاء صندوق للمجتمع العربي، لكن ذلك بقي تصريحات فقط. لا توجد اليوم للمجتمع العربي رافعة ضغط حقيقية على الدولة.
وهناك مستوى آخر: الجامعات والكليات التي يتعلم فيها عشرات آلاف الطلاب والطالبات من الوسط العربي، كانت هي المكان المناسب لتشكيل الهوية السياسية للشباب العرب، وإن معظم أعضاء الكنيست العرب اليوم وأيضاً في العقد السابق، نموا هناك، لقد تبخر اليوم ذلك المناخ الذي كان موجوداً في الجامعات، فخريجو وخريجات المهن التعليمية الباهظة يعودون إلى بلداتهم يحملون ألقاباً جامعية وجهلاً سياسياً: دكتور في الطب أو في القانون يتصرف كآخر المخاتير من عهد الحكم العسكري، وعدد منهم يتم انتخابهم رؤساء للمجالس.
لذلك، يجب ألا نعيش في وهم مجيء الخلاص من القائمة المشتركة وزيادة التمثيل. في المدى القصير هذا ربما يكون صحيحاً على مستوى التكتيك، ولكن في المدى البعيد الأمر يحتاج إلى تفكير عميق حول كيفية تحقيق التغيير الحقيقي. هناك إمكانية كامنة، ولكن في ظل غياب خطة استراتيجية فإن التغيير سيبقى في نطاق الأمنية والحلم البعيد. مع ذلك، لم نفقد الأمل.
بقلم: جاكي خوري
هآرتس 18/2/2020