تونس-“القدس العربي”: تتجه أنظار الطبقة السياسية في تونس نحو قصر قرطاج في انتظار الشخصية التي سيختارها رئيس الجمهورية قيس سعيد لتشكيل الحكومة الجديدة وذلك بعد أن فشل الحبيب الجملي، مرشح حركة النهضة، في نيل ثقة البرلمان التركيبة الحكومية التي اختارها بعد مفاوضات ماراثونية عسيرة. وفي هذا الإطار بعث ساكن قرطاج الجديد برسائل مكتوبة إلى الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية طالبا منها أن ترشح أسماء لتولي رئاسة الحكومة وأن توضح هذه الأحزاب سبب اختيارها لهذه الأسماء كتابة وفي أجل محدد.
ويبدو أن هناك تباينا في الآراء بشأن الأسماء المقترحة من قبل الأحزاب السياسية والتي لا يبدو أن أيا منها قادر على أن يحظى بإجماع الطيف السياسي التونسي بمختلف مكوناته ومشاربه وتوجهاته. فالتركيبة النيابية في مجلس نواب الشعب متناقضة إلى أبعد الحدود، والأحزاب داخل قبة البرلمان في باردو لا تختلف في الرؤى فحسب، بل أن بعضها يناصب العداء للبعض الآخر على غرار حزبي الدستوري الحر وائتلاف الكرامة اللذين يقفان على طرفي نقيض.
تذبذب في المواقف
ويبدو أن إصرار رئيس الجمهورية قيس سعيد على أن يكون كل شيء مكتوبا وموثقا في عملية التفاوض حول شخص رئيس الحكومة القادم حتى تكون له الحجة أمام الشعب التونسي على الأحزاب السياسية يؤكد على أن مناخ الثقة مفقود بين مكونات المشهد السياسي التونسي. فالأحزاب السياسية والكتل النيابية تميزت بالتذبذب في المواقف خلال عملية تشكيل حكومة الحبيب الجملي، حيث عانى الأخير الأمرين من عدم التزام الأحزاب السياسية بمواقفها خلال مفاوضات تشكيل الحكومة وكثيرا ما عاد إلى نقطة البداية بسبب عدم الثبات على المواقف هذا وإنكار الأحزاب لما تعهدت به شفاهيا.
يشار إلى أنه في ظل عدم التوافق بين الأحزاب حول شخصية رئيس الحكومة يبدو أن رئيس الجمهورية قيس سعيد سيعين شخصية لا علاقة لها بالفرضيات التي قدمتها الأحزاب السياسية وذلك باقتراح من مقربيه في رئاسة الجمهورية وخارجها، وستكون هذه الشخصية مستقلة في رأي أغلب الخبراء والمحللين تماما مثل رئيس الجمهورية الذي لا يبدو أنه يؤمن بالعمل الحزبي. ومن بين الشخصيات التي كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة على أنها قد تكون خيار الرئيس قيس سعيد، وزير المالية الأسبق والخبير الاقتصادي حكيم بن حمودة الذي شغل المنصب المذكور زمن حكومة التكنوقراط برئاسة مهدي جمعة التي تشكلت في فترة انتقالية بعد حكومة الترويكا وإثر انتشار الاغتيالات السياسية وسقوط حكومة علي العريض وقادت هذه الحكومة البلاد إلى انتخابات 2014.
مواقف عدائية
ويخشى كثير من التونسيين من فشل حكومة الرئيس في نيل تزكية البرلمان كما حكومة الحبيب الجملي خاصة وأن التناقضات التي أفرزها صندوق الاقتراع في الانتخابات التشريعية الأخيرة تجعل كل شيء ممكنا والبلد مفتوحا على جميع الاحتمالات ومنها عدم تزكية الحكومة الثانية. حيث أصبح من الصعب الحصول على النصاب القانوني وقدره 109 أصوات في ظل الخلافات القائمة اليوم بين الأحزاب السياسية وفي ظل الموقف العدائي من القوى التي تسمي نفسها ثورية لحزب قلب تونس الذي يترأسه نبيل القروي والذي احتل المركز الثاني في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
ولعل السر في نجاح الحكومات في السنوات الأخيرة في نيل التزكية البرلمانية، سواء من المجلس التأسيسي أو مجلس النواب وذلك خلافا لحكومة حبيب الجملي، هو في تحالف الحزبين الأول والثاني بعد الانتخابات وتشكيلهما لأغلبية مريحة بمعية حزب أو حزبين آخرين من البرلمان. لكن في هذه المرة تمت شيطنة الحزب الثاني، قلب تونس، ورئيسه نبيل القروي والتعامل معه بازدراء وعلى أنه وباء وجب التخلص منه، فحصل ما حصل من دون إدراك من بعض الأحزاب البرلمانية بأن الشيطنة في الحملات الانتخابية شيء وبراغماتية العمل السياسي اللاحق للاستحقاق الانتخابي شيء آخر.
سيناريوهات ممكنة
ولعل السؤال الذي يطرح هو ذلك المتعلق بالفرضيات الممكنة في حال لم تنجح حكومة الرئيس في نيل تزكية البرلمان أسوة بحكومة الحبيب الجملي التي فشلت منذ أيام قليلة في ظل واقع سياسي متأزم. هناك فرضيتان لا ثالث لهما، إما أن يحل رئيس الجمهورية البرلمان وله الإمكانية في أن يفعل ذلك بمقتضى الدستور الجديد الصادر في كانون الثاني/يناير 2014 أو أن لا يحل البرلمان باعتبار أن الحل لا يتم بصورة إجبارية بل للرئيس أن يحل أو لا يحل.
ففي حال لجأ ساكن قرطاج قيس سعيد إلى حقه الدستوري في حل البرلمان فإن البلاد ستذهب حتما إلى انتخابات تشريعية مبكرة سابقة لأوانها ستكلف خزينة الدولة الكثير ولا يتصور أن قانون المالية لسنة 2020 قد قرأ حسابا لهذا الأمر. وفي حال لم يحل ساكن قرطاج البرلمان يمكن لحكومة تصريف الأعمال الحالية برئاسة يوسف الشاهد أن تواصل تسيير شؤون البلاد حتى الانتخابات المقبلة وهي فرضية يخشاها طيف سياسي واسع باعتبار الأرقام الاقتصادية الكارثية المسجلة في عهد يوسف الشاهد.
وتبدو العلاقات جيدة جدا بين ساكن قرطاج قيس سعيد وصاحب القصبة يوسف الشاهد بعد أن تقرب الأخير في الأشهر الأخيرة وهو ما جعل سعيد يكلفه بمهام خارجية. كما أن الرئيس استجاب لرغبة الشاهد في مسألة إقالة وزير الخارجية خميس الجهيناوي ووزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي وهو ما تسبب في بقاء البلاد في فراغ دبلوماسي رهيب.