هل يُصلح ألبرت شفيق… ما أفسده الاستبداد؟!

حجم الخط
2

تمخض الجبل فولد فأراً ميتاً. قد تمدد أهل الحكم في الجمهورية العربية المتحدة، وشكلوا مجلس إدارة الشركة المتحدة، التي تمارس الملكية على المؤسسات الإعلامية التابعة لهم، فإذا بها « يا إلهي» تبدو شركة سمسرة في الأوراق المالية، فليس فيها ملمح واحد يؤكد أنها تقوم بالإشراف على الصحف، أو جديرة بالإشراف على القنوات الفضائية، فالتشكيل برئاسة رئيس البنك العربي الإفريقي سابقاً، والأعضاء لم يسبق لأحدهم المرور على رصيف قناة تلفزيونية أو صحيفة، ولا بأس فالقوم ألغوا مهنة الصحافة، التي صارت تنتمي إلى مهن تاريخية انقرضت، كمهنة السقا مثلاً!
والحال كذلك، فقط انتفخ مجلس إدارة الشركة المتحدة، كالقط يحكي صولة الأسد، واختار عدداً من الأشخاص لرئاسة عدد من القنوات التلفزيونية، كان اللافت أنها سيراً على ذات قواعد أهل الحكم في الاختيار، وفي حدود «الدولة الكومبوند» عندما تضيق مساحة الاختيار، فيكون توزيع المناصب على طريقة توزيع المغانم، فأحد المختارين لرئاسة قناة تلفزيونية هو في الوقت ذاته رئيس مطبوعة حكومية، بل إن رئيس تحرير مطبوعة كانت الأولى في سالف العصر والزمان من حيث التوزيع، تم تعيينه رئيساً للقناة الفضائية الوحيدة, التي لم تستول عليها السلطة بوضع اليد، ليست قناة «تن» على أي حال، فتن مملوكة لدولة الإمارات العربية المتحدة!
واللافت هنا أن هذه المواقع الصحافية العليا كان شالوها يتفرغون لها تفرغاً كاملاً، لكن مع «الدولة الكومبوند» يتم اختيار عدد قليل لمثل هذه المناصب، وتوزع عليهم باعتبارها غنائم حرب، فيجمع الواحد منهم بين وظيفتين وأحياناً ثلاث وظائف، دون أن يكون قد حقق انجازاً في الوظيفة الأولى يؤهله للوظيفة التالية، لكنها القواعد المعمول بها في «الدولة الكومبوند» ففقدت المناصب قيمتها، وصار طلب إعادة توزيع الثروة بين الملتفين حول النظام العسكري دعوة مشروعة!
الوحيد الذي يبدو اختياره موضوعياً هو «ألبرت شفيق» الذي عينه القوم رئيساً لمجموعة قنوات «أون» وإن كان اختياره كاشفاً عن أزمة السلطة الحاكمة لـ «الكومبوند» لأنه جاء على قواعد «التدوير» فمجبر أخاك لا بطل، لأن الفشل يدفع أهل الحكم دائماً للتفتيش في الدفاتر القديمة، كما التاجر المفلس تماماً، حيث سبق لسلطة «الكومبوند» أن طلبت من مالك قناة «أون تي في» الإطاحة بألبرت من منصبه كمدير لهذه القناة، قبل اجباره للتنازل عنها لهم، ليتم تغيير اسمها بعد ذلك إلى «أون» وتتحول إلى شبكة!

قضية ريم ماجد

وكان من الواضح أن النجاح الذي حققته «أون تي في» يرجع إلى «شفيق» ومن الواضح أن الخطة الأولية، لتحجيم نجيب ساويرس صاحب القناة، كانت تستدعي قصقصة ريشه، قبل ابعاده عن الإعلام والسياسة، وكانت البداية باستغلال مقابلة ليوسف الحسيني مع وزير التعليم الأسبق حسام عيسى، تحدث فيها عن قضية تيران وصنافير, بما لم يعجب القوم، الذين أنهوا خدمات «الحسيني» وكان المطلوب هو «ألبرت شفيق» حيث استغلوا الإعلان عن برنامج للمذيعة المتقاعدة «ريم ماجد» عندما قررت العودة للشاشة في برنامج نسائي باسم «جمع مؤنث سالم» لكنهم لم ينسوا لها مع أنها كريمة رئيس سابق للقضاء العسكري أنها توقفت من تلقاء نفسها، وبدا توقفها كما لو كانت ليست سعيدة بالانقلاب العسكري، مع أنها كانت من الذين قاموا بحملة الإبادة الإعلامية ضد الرئيس مرسي، وعندما يحكم العسكر، فإن الإرادة تكون منعقدة لهم، ليصبح الإنسان في حكمهم مسيرا لا مخير، وليس لريم في الأمر من شيء، لتقرر هكذا الاعتزال، ثم تقرر العودة، مع الابتعاد عن السياسة!
واستخدمت قضية عودة «ريم ماجد» مبرراً لطلب الإطاحة بألبرت شفيق، وكتبت في هذه الزاوية، إن ساويرس يعتبر «ألبرت شفيق» هو ذراعه الأيمن، ومن هنا فقد يكون أمره بإغلاق القناة أهون عليه من عزل مديرها. ومع هذا قرر التضحية بالجنين من أجل الأم، فأجبروه على وقف برنامج إبراهيم عيسى فرضخ، واختطفت أهم مذيعة في القناة؛ اللبنانية «ليليان داود» بملابس المنزل، وتم اصطحابها للمطار، إلى خارج البلاد، مع حملة تشهير لازمت ذلك، إلى درجة أن صحيفة حزبية نشرت أن السبب في هذا راجع إلى اصابتها بالإيدز قبل حذف الخبر بعد أن أدى المهمة! وإلى الآن لم يعلن أهل الحكم ملابسات هذا القرار، الذي ذكرني بما حدث ذات يوم في عهد مبارك، عندما حدث الأمر نفسه مع الشيخ اليمني علي الجفري، ولم يدافع عنه إلا العبد لله، في مقالين وربما ثلاثة مقالات نددت فيها بهذه الإجراءات البوليسية، وقد عاد الجفري الآن في عهد السيسي، الذي يتبنى التدين الصوفي، ولهذا عين الشيخ أسامة الأزهري مستشاراً دينياً له يدخره لمنصب شيخ الأزهر، وقد وجد السلفيون في شطحة له في الأسبوع الماضي مدخلاً للهجوم على التصوف، في قصة الاستغفار بإذن، ولم يجرؤ أحد منهم على القول إن صاحب هذه الشطحة هو المستشار الديني لعبد الفتاح السيسي، والمرء على دين خليله!
وربما انتظرت «ليليان» من ساويرس أن يدافع عنها ولو بتغريدة، وهو من النشطاء على تويتر، إلا أنه لم يفعل، فقد كان يضحي بالأجنة من أجل بقاء الأم على قيد الحياة، لكن الجناة استداروا وأخذوا الأم غصباً، ليجد القوم وقد أصبح الإعلام في قبضتهم إلا قناة «صدى البلد» أنهم لا يستطيعون إدارته، ولا تقل وماذا عن «تن»؟! لأنها ليست قناة مصرية، ولا يغرنك إعلان «نشأت الديهي» أنه يعمل في إعلام وطني، فهو ينظر إلى مصر والإمارات باعتبارهما دولة واحدة!

دريم ووائل الإبراشي

وما حدث مع أبناء قناة «أون تي في» حدث مثله مع الابن الوحيد لقناة «دريم» وائل الإبراشي، عندما استغل أولو الأمر منهم مداخلة للفريق أحمد شفيق حول موقفه من التفريط في قضية تيران وصنافير في الإطاحة بوائل، ولأن «دريم» هي قناة «البرنامج الواحد» ومعنى توقف برنامجه أن القناة فقدت أي معنى لاستمرارها، فقد تدخل صاحبها أحمد بهجت في مفاوضات مع السلطة الباطشة، وكان أكثر ثباتاً واحساسا بالمسؤولية تجاه من يعمل معه، من نجيب ساويرس، وتوصل لاتفاق مع القوم؛ فعودة المذيع مقرونة بتنازل بهجت عن نصف القناة لهم، فكان لهم ما أرادوا، وبعد أن أوفى بوعده غدروا به ولم يعد وائل، فقد ادخروه لأنفسهم؛ قرة عين لهم، ودخلت الشركة المتحدة به مبنى ماسبيرو وكأنها ستحرر عكا!
فالحاجة أم الاختراع، والقوم وقد غضبوا على «الحسيني» وأجلسوه في البيت سنين عددا، فقد أعدوه للشاشة من جديد، ونصبوه عضواً في مجلس النواب، تماماً كما أعادوا «ألبرت شفيق» ظناً منهم أنه يمكنه أن يحيي الموتى، واللافت أن عودته كانت وسط زفة من الذين رأوا أن هذا الاختيار إنما صادف أهله، في حين أنهم لم يدافعوا عنه عندما أطيح به، إنها فرقة عاشت الملك مات الملك!
إن عبد الفتاح السيسي يقلق من أصحاب الولاءات السابقة، ولو كانت لمبارك أو للأجهزة الأمنية التي كانت تحكم المشهد، ومع وجودهم كان يتكلم عن «صناعة الأذرع الإعلامية» ومنذ أن كان وزيراً للدفاع، وحاول وفشل، وفي محاولته أغدق على البعض بالمناصب والعطايا مع افتقادهم للمؤهلات اللازمة للنجاح، لدرجة أن مصر، لأول مرة في تاريخها، يكون فيها رؤساء تحرير للصحف لا يجيد أحدهم كتابة مقال يصلح للقراءة، ضعف الطالب والمطلوب!
لقد اضطر في الأخير أن يعيد كثيرين سبق له أن سرحهم، ومن إبراهيم عيسى، إلى لميس الحديدي، ومن خيري رمضان إلى توفيق عكاشة، لكنهم عادوا وقد افتقدوا الروح والحيوية. وستكون تجربة «ألبرت شفيق» كتجربة أسامة الشيخ، رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون في عهد مبارك، الذي عين رئيساً للشركة الأمنية المالكة لإعلام السلطة في عهد السيسي، فلم تظهر له كرامة!
فعندما تموت الحرية لن يحيا الإعلام!

صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية