هيرفيه دو شاريت في “عملية عناقيد الغضب”: التاريخ السري لنجاح دبلوماسي فرنسي

سمير ناصيف
حجم الخط
0

هل يجب على فرنسا ان تكون تابعة للولايات المتحدة الأمريكية في سياستها الخارجية عموماً وفي الشرق الأوسط خصوصاً؟

هذا سؤال هام طرحه وزير الخارجية الفرنسي السابق هيرفيه دو شاريت، في كتابه الصادر مؤخراً بالفرنسية بعنوان: “عملية عناقيد الغضب: التاريخ السري لنجاح دبلوماسي فرنسي” والذي تطرق فيه إلى دور فرنسا بقيادة الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك ودوره كوزير الخارجية الفرنسية آنذاك ما بين عامي 1995 و1997 وخصوصاً عام 1996 عندما شنّ الجيش الإسرائيلي هجوماً وحشياً على لبنان انتهى بمجزرة قانا في الجنوب في 18 نيسان (ابريل) من تلك السنة، حيث استشهد عشرات المدنيين اللبنانيين العُزل الذين لجأوا إلى مقر لقيادة الطوارئ الدولية “اليونيفيل” التابعة للأمم المتحدة في تلك البلدة الجنوبية.

أهم ما يستخلصه الكاتب، ان دروساً كبيرة ومهمة جداً بالإمكان تعلمها من نتائج عملية “عناقيد الغضب” والدور الفرنسي الفاعل في التصدي لها، على الرغم من انها جرت منذ حوالي عشرين عاماً، وبصرف النظر عن ان العالم تغير خلالها وان منطقة الشرق الأوسط تقبع حالياً في حالة فوضى سياسية وعسكرية ميدانية ويتزايد من خلالها الخطر الأمني على المنطقة والعالم.

يرى دو شاريت، ان صعوبة فرنسا في القيام بدور فاعل في إطفاء نيران عملية “عناقيد الغضب” كانت لأن قيادة الولايات المتحدة آنذاك تحت رئاسة بيل كلينتون ووزير خارجيته وارن كريستوفر، لم تكن ترحب بدور فرنسي يتجاوزها. وبما انها كانت، وربما ما زالت حتى الساعة، هي الدولة الأقوى عسكريا فأنها لا ترحب بدور فرنسي قيادي في حل أزمات المنطقة.

ويرفض الكاتب هذا الموقف الأمريكي وينتقده، مشيراً إلى ضرورة ان تقوم فرنسا بمبادرات دبلوماسية في الشرق الأوسط تحمي مصالحها وتساهم في نشر الأمن في العالم كما فعلت عام 1980 عندما أيد الرئيس الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في مؤتمر أوروبي انعقد في البندقية الإيطالية وكان يومها المسؤول المبادر في هذا الطرح، وأيضاً عندما قرر الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران استقبال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في باريس عام 1989 وعندما عارض الرئيس جاك شيراك التدخل العسكري الأمريكي في العراق عام 2003 بالإضافة إلى نجاحه في إطفاء فتيل أزمة “عناقيد الغضب” عام 1996 كما يرد في الكتاب.

ويدعو دو شاريت الدبلوماسية الفرنسية حاليا إلى عدم الخشية من اتخاذ مواقف مستقلة عن القيادات الأمريكية، ويعتبر ان الرئيس ايمانويل ماكرون والقادة الدبلوماسيين في فرنسا يحاولون اتخاذ مثل هذا الدور المستقل إلى حد ما.

والأمر الآخر الذي ينصح به هو إدراك أهمية أدوار اللاعبين الإقليميين في حل النزاعات الخطيرة في الشرق الأوسط، إذ ان انعكاسات عملية “عناقيد الغضب” السلبية واستمرار هذه الحرب في منتصف تسعينيات القرن الماضي ما كان في الإمكان ضبطها من دون الحوار مع اللاعبين الإقليميين آنذاك (سوريا وإيران وإسرائيل). وبالتالي ليس في الإمكان حل أي قضية أو أزمة في الشرق الأوسط عن طريق الحرب والهجمات العسكرية والاحتلالات وحدها، في رأي المؤلف.

ويستشهد في الصفحة (160) بقول للرئيس جاك شيراك مستوحى من نتائج عملية “عناقيد الغضب” وهو: “الحروب تشكل دائما أسوأ الحلول للمشاكل المستعصية”. أي ان شيراك ودو شاريت اعتبرا، الدبلوماسية والمبادرات الأكثر فعالية وليست هناك خسارة كبيرة في اعتمادهما.

وقد نجحت فرنسا في التوصل إلى حل في عملية “عناقيد الغضب” لأنها أصابت في تحليل الوضع وكانت تعتمد وضوحا في أهدافها المنشودة وقام بالأدوار الرئيسية في مبادراتها كبار قادة فرنسا بمساعدة مجموعة محترفة متخصصة من الدبلوماسيين وهؤلاء لم يخشوا أو يخضعوا للضغوط حسب قول هذا الدبلوماسي المخضرم.

ويعتبر دو شاريت، ان إسرائيل تفشل في معظم الأحيان في عملياتها ضد حزب الله والمقاومة الفلسطينية لأنها تعتقد انها ستحقق ما تريده عن طريق العمليات العسكرية القمعية كما حاولت ان تفعل في عملية “عناقيد الغضب”.

ولا تؤدي هذه العمليات الفاشلة إلى الانقسام بين الشعوب التي تتعرض لها وللمآسي الإنسانية الناتجة عنها بل يتحقق بنتيجتها في معظم الأحيان المزيد من الوحدة الوطنية (ص 159).

ويوضح في الفصل العاشر، دور وزير الخارجية الإيراني السابق علي أكبر ولايتي (المستشار الحالي لمرشد الثورة علي خامنئي) في المساهمة في حل أزمة “عناقيد الغضب” عام 1996.

يقول الكاتب في الصفحة (89): “بالنسبة لنا (أي فرنسا) كان من المهم معرفة إذا كانت إيران ترغب في لعب دور في إطفاء نار أزمة عناقيد الغضب. وقد طلب الرئيس شيراك موقفاً واضحاً منها حول قدرتها على دفع حزب الله اللبناني إلى وقف إطلاق قذائف الكاتيوشا على المراكز المدنية في إسرائيل. وكان يطرح ربط هذا التعهد من إيران بإقامة حوار بين المفوضية الأوروبية مع طهران لإقامة علاقات أفضل بين الجهتين. وجاء رد غير مباشر من الوزير الإيراني ولايتي، امتدح فيه زيارة شيراك إلى المنطقة (مصر ولبنان) للمساهمة في حل الأزمة”. ولعله عبر طرح هذه الوقائع في الكتاب ربما يسعى للإشارة إلى أن مبادرات الحوار يجب الا تُواجَهُ بسلبية كما يحدث حاليا في المنطقة. وبالتالي يقول وزير الخارجية الفرنسي السابق انه ونتيجة لموقف ولايتي دعاه هو شخصيا إلى لقاء في السفارة الفرنسية في دمشق في 20 نيسان (ابريل) 1996 وأوضح له الموقف الفرنسي. ثم عاد والتقاه ثانية بعد أيام حيث أبلغه ولايتي، ان لإيران وسوريا الثقل المطلوب في مجال التأثير على حزب الله، ولكن إيران تفضل ان يبقى دورها وراء الكواليس وليس علنياً، وأن يظهر حزب الله بمظهر المنتصر مهما كانت نتيجة عملية “عناقيد الغضب” وخصوصا لدى إعلان وقف إطلاق النار فيها (ص 90 ـ 91).

ويؤكد الكاتب انه بدون الدور الإيراني ما كانت فرنسا استطاعت تحقيق النتائج الإيجابية في “عناقيد الغضب” كما ان هذا النجاح الدبلوماسي ساهم في رفع أهمية دور فرنسا في حل النزاعات الخطيرة في الشرق الأوسط وعدم اضطرارها للخضوع لأخطاء إسرائيل وداعميها في أمريكا.

ويشير إلى انه بعد 18 عاما على لقائه ولايتي دعاه هذا الأخير (عام 2014) للمشورة والمساهمة في التوصل إلى حلول للأزمة السورية المتفاقمة، علماً ان دو شاريت، كان قد طرح على وزير الخارجية الفرنسي السابق لوران فابيوس، تقديم المشورة في حل الأزمة السورية ولكن فابيوس، رفض ذلك (ص 93).

وفي مقدمة الكتاب والفصل الثالث، يوضح ان اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحق رابين ساهم في انطلاق عملية “عناقيد الغضب” إذ كان شمعون بيريز الذي تسلم المنصب بعد رابين يحاول إثبات قدرته على الإمساك بزمام الأمن الخارجي من أجل الفوز في انتخابات عام 1996 والتي خسرها أمام حزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو.

أما جاك شيراك الذي انتمى خصوصاً في بداية عهده إلى مدرسة الرئيس الجنرال شارل ديغول، فكان يشعر ان كل ما يحدث في الشرق الأوسط، وفي لبنان خصوصا، يجب ان تساهم فرنسا في عدم تفاقمه. وبالتالي، كان شيراك مقرباً من لبنان منذ تسلمه منصبه الرئاسي في أيار (مايو) 1995 ومن رئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري. وعندما كانت علاقة الرئيس رفيق الحريري جيدة مع سوريا، كان الأمر كذلك بالنسبة لشيراك مع الرئيس حافظ الأسد، وهذا ساهم عبر التنسيق بين لبنان وسوريا وفرنسا في نجاح حل أزمة عملية “عناقيد الغضب” (ص 22).

ويذكر المؤلف في الفصل الرابع أنه بعد زيارة شيراك الرسمية إلى بيروت في 4 نيسان (ابريل) 1996 بأيام قليلة، قامت إسرائيل بشن هجوم بالطيران الحربي على أبنية وتجهيزات للبنية التحتية اللبنانية كان قد جرى تشييدها في عهد الرئيس رفيق الحريري، بالتعاون مع فرنسا (ص 39). وقد اتصل شيراك بالرئيس الأمريكي كلينتون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بيريز، وعبّر عن غضبه وأوعز إلى دو شاريت الاتصال بنظرائه الإقليميين وبينهم علي أكبر ولايتي. كما قرر شيراك آنذاك ان تتدخل فرنسا بشكل مباشر دبلوماسيا لضبط عملية المواجهة العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان واعتداءاتها على شعبه وبنيته التحتية، وآنذاك تبين ان وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر، لم يرحب بالدور الفرنسي الفاعل والمتقدم. ويعتقد دو شاريت، ان إسرائيل وأمريكا وقادة الدبلوماسية فيهما لم يفهما، وما زالا لا يفهمان كلياً الوضع الداخلي في لبنان. وكانا وما زالا يأملان ان ينقسم الجيش والحكومة اللبنانية، من جهة، ضد المقاومة اللبنانية ومؤيديها من جهة أخرى على إثر شن الهجمات العسكرية الإسرائيلية على لبنان. وهذا لم يحدث خلال قيادة رفيق الحريري للحكومة اللبنانية ولا بعد ذلك عام 2006 (ص 50) ومن غير المنتظر نجاحه إذا حدث في المستقبل. وقد شعر دو شاريت في مقابلاته مع الرئيس السوري حافظ الأسد، حسب قوله، ان الأسد أعطى فرصة للدور الفرنسي في حل أزمة “عناقيد الغضب” لأنه كان يفضل ألا تكون جميع القرارات في المنطقة محصورة في يد القيادة الأمريكية (ص 58 ـ 59).

أما أمريكا فمع قبولها المشورة من فرنسا في بعض الأمور، فإنها كانت تفضل ان تأتي المشورة عبر موقف أوروبي مشترك وليس بشكل يجعل الدور الفرنسي موازياً لدورها القيادي أو يتجاوزه، وبالتالي أرادت ان تتيح لإسرائيل “إنهاء مهمتها” في عملية “عناقيد الغضب” وأفسحت لها الوقت، ولكن دبلوماسية فرنسا وتنسيقها مع القيادات الإقليمية أفشلت ذلك (ص 65).

Herve De Chartte: Operation Raisins De La Colere

CNRS Editions Paris, 2018       

204 Pages.                                        

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية