“هيكل” عبد الناصر… و”هيكل” السيسي!

حجم الخط
10

وعاد الحاكم العسكري في مصر إلى اختراع وزير الإعلام من جديد، ضمن سياسة التجريب التي يتبعها في هذا المجال!
فالحكم العسكري يعرف هدفه جيداً، وهو الهيمنة على الإعلام والسيطرة عليه تماماً، لكن المشكلة عنده في الإجراءات والوسائل التي تمكنه من هذه السيطرة، وهو هدف استولى على تفكيره إلى حد أنه لم يعمل على تطوير الإعلام وهو داخل دائرة سيطرته، لأن خياراته فاشلة، لا يمكنها أن تحدث التطوير، وعندما يختار جمال عبد الناصر “هيكل” لرئاسة “الأهرام” قبل تأميم الصحافة، ولوزارة الإرشاد القومي، ثم ترى الخيار البائس للسيسي ستعرف لماذا هو فاقد للأمل في فكرة تطوير الإعلام، وفي الخيارين كان الحاكم العسكري يستهدف السيطرة، لكنه اختلاف ثقافات بين عبد الناصر والسيسي، والأول عسكري كان يقرأ للعقاد وطه حسين واحسان عبد القدوس، والثاني لا يقرأ ولا يكتب!
عرفت مصر وزارة الإعلام مع حكم حركة الضباط الأحرار في سنة 1952، تحت مسمى وزارة الإرشاد القومي، وكانت تضم وزارتي الإعلام والثقافة، وقد حدث أن أطلق عليها وزارة الإعلام، لكن عاد المسمى من جديد عندما تولاها هيكل على غير رغبة منه، ثم حصل الانفصال من بعده، وكان صفوت الشريف يقول إنه آخر وزير اعلام في مصر، على نحو كاشف بأن هناك نية لإلغاء الوزارة، لكن جمال مبارك انتهز فرصة سفر والده للعلاج وأطاح بالشريف الذي تم اختياره رئيساً لمجلس الشورى لصالح حرسه الجديد؛ إذ تم تعيين ممدوح البلتاجي وزيرا للإعلام لفترة قصيرة قبل أن يستبدل أنس الفقي به وهو الاختيار الأفضل للمرحلة التي هيمن فيها نجل الرئيس ووالدته على دفة الحكم!
بعد ثورة يناير، ألغي المنصب فلا يمكن أن يستمر مع ثورة تدعو للحرية، لكنه عاد مرة أخرى وتم تعيين أسامة هيكل وزيراً للإعلام، وظلت دائرة الاختيار ضيقة حتى في عهد الدكتور محمد مرسي، الذي عرض المنصب على حمدي قنديل، ودرية شرف الدين، وقد أعتذر الأول، ورفضت الثانية أن تعمل مع الإخوان، ليكون المنصب من حظ صلاح عبد المقصود، وبعد الانقلاب تمت مكافأة درية شرف الدين بالمنصب وقد ثبت أنه اختيار يتم على انطباعات قديمة لا قيمة لها.
فمن الواضح أن آخر عهد السيسي بالميديا كان برنامج “نادي السينما” الذي كانت تقدمه درية شرف الدين في التلفزيون المصري، فقد رأى فيها الاختيار الأمثل، لا سيما وأنها رفضت المنصب في عهد الإخوان. وقد تغنى بفشلها الركبان، يكفي أنها تسببت في غرامة مالية كبيرة، عندما وافقت على خطة رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون بنقل مباريات خاصة بقناة “بي إن سبورت” وسط حالة من المد الوطني الصاخب، وكأنها مشاجرة في مولد، وليس عملاً منظماً تحكمه قوانين الفيفا، ويقولون إن الغرامة التي تم الحكم بها للقناة القطرية تبلغ (150) مليون دولار!

تجارب فاشلة

وبعد فترة اكتشف عبد الفتاح السيسي أنه ليس كل ما يلمع ذهباً، وأن تقديم برنامج مثل “نادي السينما”، لا يعني بالضرورة أن من تقدمه ستنجح في منصب الوزير، لا سيما وأن “درية” لها تجربة في الإدارة أكدت فيها فشلها، عندما ترأست الفضائية المصرية، وثبت أنها متواضعة الإمكانيات، ثم إن لها تجربة سابقة في رئاسة الرقابة على المصنفات الفنية في الثمانينات، تصرفت فيها على أنها ضابط بوليس مع بعض المسرحيات، ولتثبت لأولي الأمر منها أنها جديرة بمنصب وزير الثقافة، لكنها تسببت لهم في مشكلات كبيرة مع المثقفين الذين كان يعمل الوزير فاروق حسني على إدخالهم حظيرة الوزارة، فتقرر الاستغناء على خدماتها!
لا أظن أن الذين كانوا حول الرئيس محمد مرسي كانوا ملمين بهذه السوابق وإلا ما كان قد عرضوا عليها أن تكون وزيرة للإعلام بعد الثورة، لكنه الانطباع القائم منذ مرحلة نادي السينما، فهي سيدة محتشمة، وتصلح للمرحلة، لكنها رفضت، لنكون في حكم من رضوا بالهم ولكن الهم لم يرض بهم!
ومهما يكن، فقد كان الاتجاه العام، سواء في عهد الرئيس محمد مرسي أو في عهد السيسي، أن منصب وزير الإعلام لن يستمر طويلاً، لا سيما وأن الدستور استحدث هيئات منحها صفة الاستقلال تكون قائمة على الإعلام، ولا يمكن استمرار هذا المنصب الذي ارتبط بالأنظمة الشمولية!
واستحداث الهيئات الإعلامية كان منذ دستور 2013، واستمر في دستور 2014، وإن كان في الأول نص على هيئتين، وفي الثاني تم النص على ثلاث هيئات: الهيئة الوطنية للصحافة وهي مسؤولة عن المؤسسات الصحافية القومية (اختصاص مجلس الشورى سابقاً)، والهيئة الوطنية للإعلام المسؤولة عن اتحاد الإذاعة والتلفزيون (اختصاص رئاسة الاتحاد سابقا)، ثم المجلس الأعلى للإعلام وقد آل اليه اختصاص وزير الإعلام، والمجلس الأعلى للصحافة، وهيئة الاستثمار (فيما يختص بالاختصاص المنوط بها في مجال القنوات التلفزيونية الخاصة).
ومن هنا فإذا كان الدستور لم ينص على إلغاء منصب وزير الإعلام، فانه لا يوجد له اختصاص، والوزارة عندما أنشئت كان هذا بمرسوم قانون حدد اختصاص الوزير على سبيل الحصر، وقد آل اختصاصه تماما إلى الهيئات الجديدة، والتي تم تغيير قانونها بعد وضعه في عدة شهور، بشكل يكشف الارتجال الذي يحكم المشهد، وبعد جلسات عدة لوضع قانون للإعلام الموحد جرى تجاهله في مشروع حكومي، تغير في مشروع آخر في العام نفسه، وها هو منصب وزير الإعلام يعود من جديد بدون اختصاص واضح، فإذا به وزير دولة، أي وزير بلا حقيبة، وإذا به ذاته أسامة هيكل!

وزير بلا كرامات

المذكور صاحب تجربة سابقة في تولي المنصب في فترة حكم المجلس العسكري لم يثبت فيها كرامات، واختياره من جديد للمنصب وبصلاحيات أقل ومن وزير لوزير دولة، يكشف أن دائرة الاختيار لدى السيسي ضيقة ومحدودة، وأن دولته في حدود واحد من قصوره، ولم يكن أسامة هيكل عاطلاً، وقد رأى السيسي أن يمنحه مكافأة نهاية الخدمة بهذا الاختيار، فهو يعمل في عدة مناصب، تجمعه فيه تؤكد على أن دائرة الاختيار ضيقة للغاية!
فهو عضو في مجلس النواب ورئيس لجنة الإعلام، وهو يتولى رئاسة مدينة الإنتاج الاعلام، فضلاً عن أنه عضو في مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات، والجهاز القومي للاتصالات، والشركة المصرية للأقمار الصناعية “نايل سات”، وقد كتب أحد الصحافيين أن إجمالي مكافآته من هذه المناصب شهريا مليون جنيه عداً ونقداً.
وبعض هذه المناصب تولاها ممثلا لاتحاد الإذاعة والتلفزيون، واستمرت معه في عهد وزير الإعلام في عهد الرئيس محمد مرسي “صلاح عبد المقصود”، ولا نعرف إن كان قد أبقى عليه في هذه المواقع، لعدم درايته بها، أو أنها رغبة من المجلس العسكري، أو من باب دعه يمر، فهذه الفترة لم تشهد حتى عزل رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون محمد الغيطي، وهو من قدم برنامجا تلفزيونيا قال فيه إن الإخوان مسؤولون عن هزيمة المسلمين في الأندلس، وإن الأسطول الخامس الأمريكي رسى في الشاطئ المصري ليلة الانقلاب للدفاع عن الحكم الإخواني، لكن الجنرال مهاب مميش وجه انذار له بمغادرة المياه المصرية، فلما لم يستجب قامت الضفادع البشرية المصرية باعتقاله. وهي الرواية التي أكد عليها اللواء مهاب مميش بعد ذلك، ولا توجد إلى الآن أي أنباء رشحت بإخلاء سبيل قائد الأسطول الأمريكي ولو في اتفاقية لتبادل الأسرى بين الجانبين!
ما علينا، فعودة منصب وزير الإعلام تؤكد حالة التخبط، لا سيما وأن الهيئات الموجودة ومن أمامها الأجهزة الأمنية تقوم بالواجب في إطار الهيمنة والسيطرة والاستحواذ، فما هي الحاجة لعودة وزير الإعلام، بدون حقيبة وبدون صلاحيات؟
فهل هي مقدمة لدعوة جديدة بتعديل الدستور، لإلغاء فكرة الهيئات الإعلامية والعودة إلى ما قبل ثورة يناير، لا سيما وأن مجلس الشيوخ عائد ليقوم بدور مجلس الشورى والذي كان من بين أسباب انشائه في عهد السادات هو البحث عن صيغة تتماشى مع روح المرحلة بالمسؤولية عن المؤسسات الصحافية القومية، وقد أخذ السادات بنظام التعددية الحزبية، وكان يقوم بدور المالك الصوري لهذه المؤسسات قبل ذلك، الحزب الواحد “الاتحاد القومي” ومن بعده “الاتحاد الاشتراكي”!
وعندما يفكر السيسي ويتأمل، ثم يتأمل ويفكر، فلا يجد أحدا يصلح للمنصب سوى أسامة هيكل، مع أنه لم يكن صاحب تجربة مبدعة في المنصب من قبل، فهو أمر كاشف عن ضيق دائرة الاختيار، وأعتقد أن الأمر نفسه هو السبب في عودة قيادات الجيش التي أعادها، فهذه هي دائرته التي يتحرك فيها، والتي لا يعرف بعيدا عنها، ثم أنه بالاستغناء والعزل أنهى فكرة الشراكة في الحكم، وبالعودة أكد أنه صاحب الأمر والنهي، وقد انتهى المطاف بشريكه في الانقلاب “كتفا بكتف” الفريق صدقي صبحي وزير الدفاع أن يعود من باب الجنائز، فقد استدعاه بعد غياب لتشييع جنازة، بعد 20 سبتمبر/أيلول وبعد التساؤل عن سر غيابه منذ أن عزله، ثم أرسله موفدا له ليشارك في جنازة رئيس أركان الجيش الجزائري!
تفكير بائس كان سببه عودة وزارة الإعلام، ودائرة ضيقة للاختيار كانت سبباً في إعادة تعيين أسامة هيكل وزيراً للإعلام!
ربما يعتقد السيسي أن الزعامة لا تتحقق إلا بوجود “هيكل” بجانب الزعيم!

صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية