هيومن رايتش ووتش: مصر تحرم معارضين في الخارج من الوثائق الثبوتية

تامر هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة- “القدس العربي”: ترفض السلطات المصرية في السنوات الأخيرة إصدار الوثائق الثبوتية أو تجديدها لعشرات المعارضين، والصحافيين، ونشطاء حقوق الإنسان المقيمين في الخارج، بهدف الضغط عليهم للعودة إلى مصر ليواجهوا الاضطهاد شبه المؤكد، بحسب تقرير لمنظمة هيومن رايتس واتش.

وقالت المنظمة في تقرير حمل عنوان “حرمان المعارضين في الخارج من الوثائق الثبوتية”، إن تعذر استصدار شهادات الميلاد أو تجديد الوثائق الأساسية كجوازات السفر والبطاقات الشخصية أدى إلى عرقلة الحقوق الأساسية للمعارضين في الخارج وأفراد أسرهم الذين يعولونهم، وقوّض قدرتهم على السفر والعيش والعمل بشكل قانوني، وهدد قدرتهم على الحصول على الرعاية الطبية الأساسية والخدمات التعليمية أو لمّ شملهم مع أفراد أسرهم.

عشرات الآلاف في المنفى

وبينت المنظمة، أن سياسة عدم التسامح مع أي شكل من المعارضة التي تنتهجها حكومة الرئيس المصري أدت إلى إحدى أكبر موجات الهجرة إلى الخارج المنبثقة عن دوافع سياسية في تاريخ مصر الحديث.

ولفت التقرير، إلى أنه وفق الأرقام والتقديرات الحكومية الرسمية المنشورة في السنوات الأخيرة، يعيش ما بين 9 و14 مليون مصري في الخارج، بينهم عشرات الآلاف في المنفى لتجنب القمع في الداخل.

آدم كوغل، نائب مديرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، قال: “تشدد حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي الخناق على المعارضين في الخارج بحرمانهم من الوثائق الثبوتية الأساسية. بعد إطلاق العنان لسحق المعارضة الداخلية والاعتراض العلني من خلال الاعتقالات الجماعية والمحاكمات الجائرة والتعذيب المتفشي أثناء الاحتجاز، تكثف الحكومة جهودها لمعاقبة الموجودين في الخارج وإسكاتهم”.

وتضمن تقرير هيومن رايتس ووتش، لقاءات مع 26 معارضا، وصحفيا، ومحاميا مصريا يعيشون في تركيا، وألمانيا، وماليزيا، ودولة أفريقية، وقطر، ودولة خليجية أخرى في الفترة من يونيو/حزيران إلى ديسمبر/كانون الأول 2022.

تحديات إضافية في تركيا

وواجه المعارضون المصريون في تركيا –بحسب التقرير- تحديات إضافية لأن القنصلية المصرية في إسطنبول أغلقت أبوابها فعليا أمام المصريين منذ العام 2018 تقريبا.

ونقلت  المنظمة عن معارضين مصريين في تركيا، أن القنصلية المصرية لا تقبل طلبات التوثيق الرسمي إلا من خلال صفحتها على الفيسبوك، وتلزم المتقدمين بجميع الطلبات تقريبا بملء نماذج غير رسمية خارج نطاق القانون، تتطلب تفاصيل خاصة مثل سبب مغادرتهم مصر وروابط حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وزادت: تُرسل النماذج المعبأة إلى الأجهزة الأمنية في مصر للحصول على موافقتها قبل العمل على أي طلبات.

ولفت التقرير، إلى أن هذه الممارسة، منعت آلاف المصريين في تركيا من تقديم طلبات روتينية للحصول على وثائق رسمية، بما فيها جوازات السفر والبطاقات الشخصية.

وقال المعارضون والنشطاء الذين التقتهم “هيومن رايتس ووتش”، إنه يكاد يستحيل الطعن قانونا في رفض السلطات المصرية منح الوثائق الرسمية، لا سيما عندما ترفض السفارات والقنصليات التعامل مع طلبات التوكيل لتفويض محامين في مصر نيابةً عن الموجودين في الخارج.

ونقلت المنظمة عن معارضين في الخارج قولهم، إن معظمهم لا يواجه قضايا جنائية معلقة في مصر، إلا أن بعضهم مصنف كـ “إرهابيين”.

قال مهندس مصري يعيش في ألمانيا مع زوجته وأطفاله لـ “هيومن رايتس ووتش”، إن إجراءات تجنيسه في ألمانيا توقفت بسبب انتهاء صلاحية جواز سفره، ما أدى أيضا إلى بطلان تصريح إقامته في ألمانيا.

وتابع:  السلطات المصرية رفضت إصدار جواز سفر جديد له لأنه موضوع تعسفا على قائمة “الإرهاب” المصرية منذ 2018 مع مئات آخرين، بناء على قرار قضائي صادر دون جلسات استماع ودون تمكينهم من الطعن في الادعاءات في إجراءات عادلة.

في مقابلة مع هيومن رايتس ووتش، قال ناشط مصري في إسطنبول يحمل تصريح إقامة لمدة عامين صادر لأسباب إنسانية إنه لا يمكنه الحصول على وثائق مصرية رسمية للمصادقة على زواجه من امرأة سودانية.

قال أشخاص عدة تمت مقابلتهم إن أفراد أسرهم المقيمين في مصر لم يتمكنوا من زيارتهم في الخارج بسبب مخاوف من المضايقات الأمنية أو منع السفر، ما أدى فعليا إلى انقطاعهم عن اللقاءات الشخصية لسنوات.

الخوف من الترحيل

وتناول التقرير، قول العديد من المعارضين في الخارج، إنهم يعيشون هم وأفراد أسرهم في خوف دائم من الترحيل إلى مصر، حيث يُرجح أن يُسجنوا بسبب معتقداتهم وأنشطتهم السياسية.

وفقا لصحافي ومحامٍ تمت مقابلتهما في اسطنبول يترأسان جمعيتين في تركيا تتوسطان لدى السلطات التركية بشأن مثل هذه الحالات، منحت السلطات التركية في السنوات الأخيرة مئات المصريين في تركيا تصاريح إقامة لأسباب إنسانية أو حتى الجنسية التركية، معترفة بذلك بظروفهم الخاصة حول الفرار من الاضطهاد في مصر. إلا أن تصاريح الإقامة هذه لا تشمل في كثير من الأحيان تصريح العمل.

ومع تقارب حكومتَي رجب طيب أردوغان والسيسي بعد سنوات من العداء السياسي، قال معارضون مصريون في تركيا إنه يتزايد شعورهم بانعدام الأمان.

ولفت التقرير إلى واقعة اعتقال الشرطة التركية الصحافي المصري حسام الغمري واحتجزته لبضعة أيام، في أكتوبر/تشرين الأول 2022، ثم أعادت اعتقاله في نوفمبر/تشرين الثاني لمدة شهر تقريبا، بسبب منشورات كتبها على مواقع التواصل الاجتماعي تدعم دعوات إلى الاحتجاجات المناهضة للحكومة في مصر.

وأضاف: وُضع الغمري في مركز ترحيل للأجانب ثم نُقل إلى منطقة حدودية، وأخبرته السلطات التركية أنه يتعين عليه مغادرة تركيا لأنه “لم يعد مرحّبا به”، ثم غادر تركيا في أوائل 2022.

دفع الرشاوى

المخاطرة باتباع حلول غير نظامية، كانت أحد الطرق التي سلكها بعض المعارضين في الخارج، حيث قال عدد منهم لـ”هيومن رايتس ووتش”، إنهم يفكرون في محاولة الهجرة بشكل غير نظامي من تركيا إلى أوروبا لطلب اللجوء، فيما اضطر العديد منهم لدفع رشاوى قيمتها مئات أو أحيانا آلاف الدولارات للحصول على جوازات سفر من خلال البعثات الدبلوماسية المصرية أو في القاهرة، وإن قيمة الرشاوي تتحدد حسب خطورة وضعهم القانوني في مصر.

ضحايا للاحتيال

دفع اليأس بعض الذين تمت مقابلتهم إلى الوقوع ضحية الاحتيال،  وقال صحافي مصري يقيم في تركيا لـ”هيومن رايتس ووتش”، إن وسطاء أقنعوه في العام 2020 بإمكانية “تمديد” جواز سفره منتهي الصلاحية في بعثة دبلوماسية في دولة أخرى مقابل مدفوعات، لكنه قال إنه عندما حاول السفر بجواز السفر “الممدد” هذا، استجوبه مسؤولو الأمن في بلد المقصد، ومنعوه من الدخول، ورحّلوه إلى تركيا في الرحلة التالية.

تناول التقرير حالة عمرو حشاد (29 عاما) وهو ناشط مصري في تركيا عمل مع عدة منظمات حقوقية.

وقال حشاد إن السلطات في مصر ساءلته كمتهم وسجنته مرات عدة بين 2014 و2019 على خلفية تهم عدة منها التورط المزعوم مع جماعة غير مشروعة ومحاولة الإطاحة بالنظام.

محاولة للاستجواب

وصف حشاد ما اعتبره محاولة محتملة لاستجوابه أو اختطافه خلال زيارة للقنصلية المصرية في إسطنبول في سبتمبر/أيلول 2020 لطلب وثيقة.

قال حشاد إنه عندما ذهب لتقديم النماذج اللازمة لإصدار توكيل لمحاميه، صوّر أحد حراس القنصلية جواز سفره وأرسل معلومات عبر الهاتف إلى مسؤولين آخرين داخل القنصلية، وقال لحشاد إنها ضرورية للحصول على تصريح أمني.

قال إن الحارس أخبره في اليوم التالي أن القنصل يريد مقابلته شخصيا بعد مغادرة زوار آخرين، ورأى ثلاثة رجال بدا أنهم حراس في انتظاره. قال حشاد إنه بدأ يشعر بعدم الأمان وقرر استعادة جواز سفره والمغادرة. عندما رفض حشاد مقابلة القنصل، أجبره الرجال على التحدث مع القنصل عبر هاتف داخلي. قال إن القنصل أخبره أنه ليس لديه حقوق ولن يُسمح له بالحصول على أي وثائق.

مصادرة جواز السفر، كانت إحدى الحيل التي مارستها القنصليات المصرية في الخارج، ولفت التقرير، إلى أنه في سبتمبر/أيلول 2021، بث أحمد طه، وهو مذيع تلفزيوني مصري في قناة “الجزيرة” يعيش في قطر بتصريح عمل، فيديو على فيسبوك يظهر مسؤولي السفارة المصرية في الدوحة بينما يتحدث طه إلى الكاميرا، قائلا إن المسؤولين صادروا جواز سفره عندما طلب خدمة في السفارة، وقال إنه تمكن من الحصول على جواز سفر جديد في ديسمبر/كانون الأول 2021، وفي مايو/أيار 2022، حكمت محكمة عسكرية على طه بالسجن 15 عاما غيابيا في قضية مسيّسة تشمل 25 شخصا بينهم المرشح الرئاسي السابق عبد المنعم أبو الفتوح.

تناول التقرير حالة أحمد (اسم مستعار)، مهندس عمره 38 عاما، قال  إنّه غادر مصر في 2015 نحو ألمانيا بتأشيرة دراسة لأنّ الوضع السياسي أثار سخطه.

أكمل دراسة الماجستير في ألمانيا وحصل على “البطاقة الزرقاء”، وهي تصريح للعمل والإقامة، تمكّن من زيارة مصر بشكل عادي في 2017، فعلم بشكل غير رسمي أنّه قد يواجه مشكلة أمنية.

قال أحمد إنه كان عضوا في “حزب الحرية والعدالة”، الذراع السياسي “للإخوان المسلمين”، ومن بين أقاربه العديد من الأعضاء الكبار في الإخوان.

في 2018، أدرجت محكمة مصريّة اسم أحمد مع حوالي 1550 شخصا آخر كإرهابيين دون احترام للإجراءات أو جلسات استماع.

انتهت صلاحيّة جواز أحمد في أكتوبر/تشرين الأول 2021، قال إنّه فقد بالفعل وضعه القانوني في ألمانيا لأنه لم يتمكّن من حلّ مشكلة جواز السفر. قال إنّ مكتب الأجانب في المدينة الألمانية حيث كان يعيش رفض تجديد تصريح إقامته وأعلمه أنّ السلطات ستتخذ إجراءات قانونية ضدّه، بما في ذلك دفع غرامة والترحيل.

وختمت المنظمة تقريرها: منذ أن أطاح الجيش بحكومة محمد مرسي المنتخبة ديمقراطيا في يوليو/تموز 2013، أشرفت حكومة الرئيس السيسي على حملة قمع واسعة ضد المنتقدين استهدفت في البداية أعضاء فعليين أو متصوَّرين في جماعة “الإخوان المسلمين”، التي حظرتها الحكومة آنذاك، قبل أن تتوسع بسرعة إلى خنق جميع أشكال المعارضة بوحشية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية