قوّة القانون أم قانون القوّة؟ ماذا بعد اقتحام الفصائل للمنطقة الخضراء؟
بغداد-»القدس العربي»: عمّقت حادثة اعتقال قائد عمليات الأنبار في «الحشد الشعبي» قاسم مصلح، أواخر الشهر الماضي، من توتر العلاقة بين القائد العام للقوات المسلحة، مصطفى الكاظمي، من جهة؛ وبين قادة الفصائل المسلحة المنضوية في «الحشد» والجهات الداعمة لهم، الأمر الذي يعكس مجدداً «ضعف» موقف الحكومة العراقية، برئاسة مصطفى الكاظمي، في كبّح جماح الفصائل الشيعية المسلحة، والجهات الداعمة لها.
القصة بدأت في 26 أيار/مايو الماضي، عندما أقدمت قوات أمنية عراقية- يُقال بأنها مسنودة من قوات أمريكية- باعتقال قائد عمليات «الحشد الشعبي» في محافظة الأنبار (غرباً) قاسم مصلح، أثناء توجهه من العاصمة العراقية بغداد نحو مدينة كربلاء، المقدّسة لدى الشيعة.
في حينها أفادت مواقع إخبارية محلّية وغربية، بأن مصلح متهم بالضلوع في عمليات اغتيال ناشطين في كربلاء- على رأسهم قاد الحراك الاحتجاجي في المدينة الراحل إيهاب الوزني، فضلاً عن أنباء تورطه باستهداف أرتال الدعم اللوجستي التابعة للتحالف الدولي، والهجمات الصاروخية على قاعدة عين الأسد- تستضيف قوات أمريكية- في الأنبار.
وحتى الآن، لم تُفصح الجهات الحكومية عن السبب الرئيسي في اعتقال مصلح، الذي خلّفت عملية اعتقاله تداعيات أمنية خطرة، كادت أن تؤدي إلى «إسقاط الحكومة» بعد أن أقدمت قوات من «الحشد» على اقتحام المنطقة الخضراء الدولية- شديدة التحصين- ومحاصرة مقار حكومية، ومنزل رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، ورئيس لجنة مكافحة الفساد الفريق أحمد أبو رغيف، حسب مصادر.
وفي إجراء حكومي لامتصاص الأزمة التي كادت أن تتفاقم حينها، قالت الحكومة إنها أوكلت مهمة التحقيق مع مصلح إلى لجنة مكونة من العمليات المشتركة، والاستخبارات، وقيادة العمليات، ومديرية أمن الحشد الشعبي.
والثلاثاء الماضي، قال المتحدث باسم الحكومة العراقية، وزير الثقافة، حسن ناظم، في مؤتمر صحافي، تعليقاً على أحداث 26 ايار/مايو، إن «الأسبوع الماضي كان صعباً والقضية الآن قيد التحقيق في العمليات المشتركة» موضحاً ان «أي قضية تذهب للتحقيق ننتظر نتائجها والسلطة القضائية هي التي تقرر ما سيحدث».
ناظم أضاف: «الحكومة تحيل كل الانتهاكات والتجاوزات بعد التحقيق فيها إلى السلطة القضائية» مؤكداً ان «الحكومة لا تسمح بمثل هذه الانتهاكات ولا يجوز لأي جهة أن تتحداها بقدراتها».
وبين ان «الحكومة تتخذ الصبر والحكمة والاستناد إلى السلطة القضائية في معالجة الانتهاكات».
وأبرز ما يؤرق المشهد العراقي، هو إمكانية ضلوع «الحشد» بعملية انقلابية تُطيح بحكومة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الذي يعدّه قادة وداعمو «الحشد» بأنه «متناغم» مع سياسة واشنطن في إنهاء هذا التشكيل المسلّح.
في هذا الشأن يقول مستشار اتحاد الخبراء (مؤسسة غير حكومية) المستشار القانوني، علي فضل الله لـ»القدس العربي» إن تنصيب الكاظمي وتشكيل حكومته جاء «من أجل تفكيك أو تحجيم أو أضعاف هيئة الحشد الشعبي».
ومضى يقول: «حكومة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بدأت تستخدم فريقاً من أجل تزييف الحقائق وتظليل الرأي العام في موضوع الولاء للقائد العام للقوات المسلحة» متسائلاً: «هل الحكومة العراقية- ممثلة بالقائد العام للقوات المسلحة مصطفى الكاظمي- اتبعت الطرق القانونية والدستورية في طريقة اعتقال قائد عمليات الحشد الشعبي في الأنبار، قاسم مصلح، أم إن الأمر تضمن مخالفات قانونية ودستورية؟».
وأضاف: «قانون المحاكمات العسكرية رقم (22) يحضر الأجهزة القضائية بالتعامل مع الضباط أو القادة العسكريين، إلا بموافقة القائد العام للقوات المسلحة، فيما يخصّ ملف الاعتقالات، وفقاً لجناية مشهودة» موضحاً إن «اعتقال (مصلح) لم يتضمن جناية مشهودة».
مخالفات قانونية
وفي سياقٍ ذي صلة، أفاد فضل الله إن «إعمام مجلس القضاء الأعلى- السلطة القضائية العليا في العراق- الذي يحمل الرقم (1999) الصادر في 23/ 5 / 2019 أكد عدم جواز أية محكمة النظر في قضية تخصّ ضباط ومنتسبي الحشد الشعبي، إلا بموافقة الممثل القانوني للحشد، الذي يمتلك الحق بنقل القضية للقضاء الخاص بهيئة الحشد الشعبي».
ومن وجهة نظر فضل الله فإن حادثة اعتقال مصلح تتضمن «مخالفات قانونية».
وأشار إلى إن «اعتقال مصلح جاء بالاستعانة بقوات أجنبية. قوات المارينز الأمريكية التي شاركت في عملية الاعتقال».
واعتبر أيضاً إن عملية اعتقال قائد عمليات «حشد الأنبار» قاسم مصلح، «جاءت وفق أسلوب قانون القوة، حيث أعطت انطباعاً خطيراً جدا. الخطورة تكمن في انتهاك سلطة القوانين العراقية، حيث خالف ما نص عليه القانون بأن أوامر الاعتقال لأي منتسب في الحشد عبر قاضي الحشد (وهذا لم يحصل) وقوة الاعتقال تكون عبر أمن الحشد نفسه (وهذا لم يحصل أيضا)».
وربط فضل الله توقيت اعتقال مصلح بتجدد التظاهرات في بغداد في 25 أيار/ مايو للمطالبة بكشف قتلة المتظاهرين والناشطين، ووضع حدٍّ للإفلات من العقاب، والتي خلّفت مقتل شخصين وإصابة أكثر من 20 آخرين- بينهم قوات أمن- حسب مفوضية حقوق الإنسان.
وأضاف: «توقيت الاعتقال جاء لتحقيق أكثر من غرض. طمس ملامح القمع التظاهرات يوم 25 أيار/مايو الماضي الذي مارسه الكاظمي. وإيهام الشارع بأن عمليات الاغتيال التي حصلت باتجاه النشطاء كان وراءها الحشد».
ولفت إلى إن اعتقال مصلح «يقف عائقا أمام انتقال القوات الأمريكية وعصابات داعش من سوريا إلى العراق وبالعكس» في إشارة إلى إن المعتقل يشغل منصباً أمنياً في المنطقة الغربية، موضّحاً إن ذلك «أزعج الأمريكان وكذلك الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة التي استهدفت قاعدة عين الأسد في الأنبار. كلها كانت تشكل قلقاً للأمريكان الذين يعتقدون أن قاسم مصلح يقف وراءها» عاداً ذلك «السبب الحقيقي لاعتقاله».
وزاد: «ما حصل هو إجراء ينتهك السيادة العراقية وبموافقة القائد العام للقوات المسلحة الكاظمي، وهنا للخطأ والجريمة مركبتان حيث تدخلت قوات المارينز الأمريكية وهذا ما أكدته سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية في الكويت ووكالة رويترز وBBC».
وتابع قائلاً: «هناك صراع بين قوّة القانون، وقانون القوّة» موضحاً إن الكاظمي «تعامل بمنطق قانون القوّة وليس العكس» منوهاً بأن «الحكومة العراقية تنازلت عن مسألة السيادة عند اعتقالها مصلح».
وبشأن ردّة فعل فصائل «الحشد الشعبي» على خلفية اعتقال مصلح، أشار إلى إن «الرسالة كانت واضحة من قبل الحشد. إذا كان التعامل بمنطق القوة فلدينا قوّة على ابتلاع الدولة العراقية، لكننا نحترم القوانين، كما إن على القائد العام للقوات المسلحة التعامل مع الحشد الشعبي كمؤسسة كانت سبباً في تحويل انكسار المؤسسة الأمنية عام 2014 إلى انتصار (في إشارة لمشاركة الحشد الشعبي في عمليات تحرير الأراضي العراقية التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية) وأعادت الهيبة للدولة العراقية».
ورأى إن «الحشد الشعبي» أُجبر على ما فعل، ردّاً على الطريقة غير القانونية والدستورية للقائد العام للقوات المسلحة، و»الاستفزاز الكبير للقوات الأمريكية».
وطمأن فضل الله بأن «الحشد» لن يقدم على تكرار ما فعله ليلة 25 أيار/مايو في المنطقة الخضراء، في حال «احترمت الحكومة العراقية القوانين والدستور».
وزاد: «هذا الحادث تكرر قبل نحو عام، عندما اعتقلت قوات أمريكية عناصر تابعة للواء (45) في الحشد الشعبي، بعلم ودراية القائد العام للقوات المسلحة» منوهاً بأن «تكرار الحادث يوصل رسالة بأن الحكومة العراقية يبدو إنها متناغمة مع استراتيجية الجانب الأمريكي بالعمل على إنهاء الحشد الشعبي أو تحجيم وجوده داخل المنظومة الأمنية العراقية».
وأشار فضل الله إلى إن «الحشد» أيقن إن بعض قيادات جهاز مكافحة الإرهاب تربطهم علاقات بالأمريكان، منوهاً بأن ذلك يتمثل بـ»إصرار تلك القيادات حين تقتحم نفسها باعتقال منتسبين أو قيادات في الحشد الشعبي، وهم تشكيل مستقل دستورياً ومالياً وفق قانون مشروع له».
لكنه نوّه في الوقت عيّنه إلى إن ذلك «لا يعني أن نتوقع وجود احتكاك أو صدام من قبل قيادة الحشد مع جهاز مكافحة الإرهاب لذلك السبب» مبيناً إن «قيادة الحشد تتعامل مع الأخطاء مع من يرتكبها كأشخاص ولا تعمم على تشكيل الجهاز. ذلك مراد الأمريكان في جر العراق لفوضى عارمة، حتى يكون سببا لبقاء أبناءها أطول فترة في العراق وكذلك تأجيل الانتخابات التشريعية، لأنها أدركت لن تستطيع إزاحة الأحزاب الشيعية في الانتخابات القادمة التي تعارض الوجود الأمريكي».
وعن تبعات «استفزاز الحشد» في مرّة أخرى، لم يستبعد الباحث العراقي قيام الحشد بـ»عملية انقلاب عسكري والسيطرة على الحكم، وهذا لوحظ باقتحام الخضراء الأخير» لكنه عاد ليقول: «الحشد وقياداته يؤمن بالنظام السياسي الديمقراطي وتبادل وانتقال السلطة سلمياً. لكن يبقى لكل حدث تقديراته».