بغداد ـ «القدس العربي»: بدأت آثار الحرب الدائرة في غزّة بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين، تلقي بظلالها على العراق الذي يشهد وضعاً أمنياً مرتبكاً عقب تصعيد الفصائل المسلحة من عملياتها في استهدافها المصالح الأمريكية، كردّة فعل على الدعم الذي تقدمه واشنطن للإسرائيليين، ففيما تحاول الحكومة تطمين الأمريكان بقدرتها على ملاحقة المتورطين باستهداف سفارة الولايات المتحدة في بغداد الأسبوع الماضي، يحاول السوداني الجمّع بين ثنائية “السلاح والسلطة” في التعاطي مع الفصائل التي تمثّل أجنحة عسكرية لأحزاب سياسية شيعية أسهمت في إيصاله إلى دفّة الحكم.
وفي الأسبوع الماضي، أعلنت السلطات العراقية القبض على “بعض” من منفذي الهجوم على السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء وسط بغداد، في 8 كانون الأول/ديسمبر الجاري ومواصلة بحثها عن المهاجمين الآخرين، في خطوة لاقت ترحيباً أمريكياً.
وتعهد السوداني بالكشف عن الجهات المتورطة بالهجوم ومنفذيه حال انتهاء التحقيقات في هذا الملف، غير أن هذه التعهدات تصطدم بمواصلة “الفصائل” عملياتها في العراق وسوريا، كان آخرها ليلة الخميس/ الجمعة الماضية، بإعلانها استهداف قاعدة “عين الأسد” التي تستضيف جنوداً أمريكان، بمحافظة الأنبار الغربية، بطائرة مسيّرة.
الحديث الحكومي عن التوصل إلى مستهدفي السفارة الأمريكية- بينهم من ينتمي لأجهزة أمنية عراقية لم يسمها، يأتي لـ”امتصاص” الغضب الأمريكي، الذي طالما عبّر عنه المسؤولون الأمريكان في مناسبات عدّة، وتلويحهم بـ”الرد المباشر” حال عجز المسؤولون العراقيون عن كبح جماح الفصائل.
رئيس مركز التفكير السياسي، الدكتور احسان الشمري، يقول لـ”القدس العربي” إن “الموقف الحكومي أظهر خطاباً متقدماً، خصوصاً بعدما وصف الهجوم على السفارة الأمريكية بالأعمال الإرهابية، وهو ما يمثل انتقالة في طبيعة الخطاب الحكومي، سيما أن الحكومة محسوبة على الفصائل المسلحة والتي تمثّل ركيزتها الأساسية” غير أنه أشار في الوقت عينه إلى أن هذا الخطاب “لا يمثل موقفاً متقدماً. الاندفاع بهذا التوصيف (الإرهاب) هو محاولة لامتصاص الغضب الأمريكي وتفادي أي ردّ فعل من قبل الولايات المتحدة”.ووفقاً للشمري فإن “الحكومة مستمرة في اللا موقف، مع استمرار عمليات الاستهداف للوجود الأمريكي كقواعد وبعثة دبلوماسية. حتى الآن لم نشهد موقفاً على الأرض في قضية كبح هذه الهجمات” مرجّحاً “وقوع الحكومة في حرج كبير إزاء عدم اتخاذ موقف”.
ورأى أن “موقف الولايات المتحدة واضح، خصوصا بعد إعلانها الذهاب نحو الردّ العنيف” لافتاً إلى “الزيارة السرية التي أجراها رئيس وكالة المخابرات الأمريكية المركزية (CIA) إلى بغداد، والتي حذّر فيها السوداني، فضلاً عن الاتصال الذي أجراه وزير الدفاع الأمريكي بالأخير على خلفية استهداف سفارة واشنطن في بغداد، وأيضاً وزير الخارجية. كل هذا يؤشر إلى إن الولايات المتحدة تدرس عدّة خيارات في الرد، ما لم يكن هناك إجراء حكومي”.
تحذير من عواقب وخيمة
ونقلت وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية عن مسؤول عراقي، الأسبوع الماضي، أن “مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وليام بيرنز حذر السوداني خلال زيارته الأخيرة إلى المنطقة من (عواقب وخيمة) في حال لم يتحرك العراق لوقف الهجمات”.
ووفقا لمسؤولين عراقيين اثنين رفضا الكشف عن هويتهما، قالت الوكالة الأمريكية إن “بلينكن خلال اتصال هاتفي مع السوداني في وقت سابق من هذا الشهر، قال إن الأمريكيين سيتولون الأمور بأيديهم، بحجة أن بغداد لم تفعل ما يكفي لملاحقة الجناة”.
الشمري يضيف: “قد تتفهم واشنطن في بداية الهجمات بأنها تمثل ردّ فعل، خصوصاً وأنها لم تسفر عن ضحايا، لكن تسبب هذه الهجمات بسقوط جرحى سيحتم على الولايات المتحدة أن تقوم بإجراء” مبيناً أنه “كلما كان هناك تواصل بين واشنطن وبغداد يكون هناك استهداف مثلما شهدنا جرف الصخر وكركوك والشريط الحدودي بين العراق وسوريا”.
وأشارت “أسوشيتد برس” في تقريرها إلى ان “تفاقم الحرب بين إسرائيل وحركة حماس أجبرت بغداد على التحرك بشكل متوازن، وهو وضع يزداد صعوبة مع الوقت” لافتة إلى سقوط “صاروخ على مبنى السفارة الأمريكية، ما يشكل تصعيدا إضافيا يحاول المسؤولون العراقية احتواءه لمنع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط”. وأفادت أيضاً بأن “السوداني ندد بالهجمات التي تستهدف القوات الأمريكية وأمر بملاحقة الميليشيات المسؤولة عنها” موضحة أن “واشنطن أرسلت رسائل بأن صبرها ينفد”.
وذكّر تقرير الوكالة أنه بعد الهجوم على السفارة الأمريكية، قال “البنتاغون” إن وزير الدفاع لويد اوستن “أوضح (للسوداني) بأن الهجمات ضد القوات الأمريكية يجب ان تتوقف”.
ونقل التقرير عن مسؤول أمريكي قوله إن “وزير الخارجية الأمريكي انتوني بلينكن قال للسوداني إن واشنطن تتوقع من المسؤولين العراقيين اتخاذ إجراءات إضافية لمنع مثل هذه الهجمات، وهي تعتقد أن بإمكانهم القيام بذلك”.
كشف الجهات المتورطة
ويرى مراقبون للشأن العراقي، أن الحكومة بحاجة إلى مزيد من الوقت لكشف الجهات المتورطة باستهداف السفارة الأمريكية، مؤكدين أن تصاعد الهجمات المتبادلة بين الفصائل والأمريكان مرتبط بشكل مباشر بالأحداث الدائرة في غزّة.
الكاتب والمحلل السياسي العراقي، علي البيدر، يقول لـ”القدس العربي” إن التصعيد في العمليات بين الفصائل والأمريكان، “مرهون بالتغيرات في التحركات الأمنية الإقليمية. العراق شهد استقراراً أمنياً طوال العام الماضي، غير أن هذا الاستقرار تزعزع بعد التحركات الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية” مؤكداً أن “تنفيذ الهجمات داخل العراق مرتبط بمزاج خارجي وليس نابعا من إرادة محلية”. وأشار إلى أن كشف الجهات المتورطة في الهجمات على الأمريكان “يحتاج إلى وقت وإعادة صناعة الخطط الأمنية بما ينسجم مع التطورات الأخيرة التي تشهدها البلاد والمنطقة” مبيناً أن الجماعات المسلحة “تستخدم أسماء افتراضية وهمية، الأمر الذي يصعّب مهمة الكشف عنها في وقت مبكّر”.
وأكد أن “هناك تحركات (حكومية) وتحريات في الكشف عن الجهات المسؤولة عن الهجمات المسلحة” مرجّحاً بأن نتائجها “ستكشف تفاصيل المنفذين وليس عناوين تلك الجماعات وتوجهاتها فقط”.
وعدّ البيدر التعهدات الحكومية للمسؤولين الأمريكان بمحاسبة المنفذين للهجمات التي تطال السفارة والقوات الأمريكية، بأنها “غير كافية ما لم تكن مقرونة ببراهين وأدلة وخطة أمنية جديدة تضمن حماية تلك البعثات” منوهاً بأن “أطرافاً داخلية تستثمر الخروقات سياسياً، كما أن بعض الدول التي تقف بالضد من الحكومة أو الولايات المتحدة تدفع باتجاه عدم الاستقرار في العراق، بهدف تحقيق مكاسب ونفوذ”.
وحسب البيدر فإن هذه الدول- لم يسمّها- تريد “إرسال رسائل تفيد بأن الاستقرار في البيئة العراقية مشروط بصفقات ورغبات دولية”.
وعلى الرغم من إعلان “الإطار التنسيقي” رسمياً رفضه عمليات استهداف البعثات الدبلوماسية، غير أن أقطابه تمتلك تمثيلاً في ما يسمى “فصائل المقاومة الإسلامية في العراق” التي تضمّ أغلب الأجنحة العسكرية لتلك الأحزاب.
وبشأن التناقض بين موقف “الإطار التنسيقي” الرافض لاستهداف البعثات الدبلوماسية، ومواقف الفصائل الشيعية التي تتبنى عمليات استهداف المصالح الأمريكية، يرى الدكتور الشمري أن “هناك أطرافا داخل الإطار التنسيقي لا يمضون مع تصاعد هجمات الفصائل. بعض الأجنحة السياسية (الشيعية) لا ترى بأن ما تقوم به الفصائل استراتيجية ناجحة” منوهاً في الوقت عينه بأنه “في داخل الفصائل المسلحة شهدنا انقساماً حاداً وصل إلى إعلان الفصائل التي تقوم بعمليات الاستهداف عن نفسها (كتائب حزب الله، حركة النجباء، كتائب سيد الشهداء، أنصار الله الأوفياء) وهذا يؤشر الانقسام والخلاف داخل الفصائل المسلحة، ما يولد حالة التناقض التي نلاحظها”.
وأكد قائلاً: “استمرار ثنائية السلاح والسلطة التي لا تزال حاضرة، الأمر الذي يعد أحد أسباب التناقض في المواقف”.
في حين، يعتبر البيدر أن “موقف رئيس الوزراء يمثل موقف رجل الدولة الذي رفض القيام بمثل هكذا عمليات تخرق السيادة وتزعزع حالة الاستقرار، كما أنه يرفض في الوقت ذاته الرد الأمريكي” معتبراً أن السوداني “يحاول تعزيز خطط الاستقرار وتنفيذ البرنامج الحكومي المتعلق بالمشهد الأمني وفق استراتيجية جديدة بعيدة عن سياسة المحاور والأقطاب التي كانت تُنتهج”.
وأضاف: “في السابق كانت الأطراف تستعين بالجماعات المسلحة أو الأمريكان، غير أن السوداني يريد أن يثبت دعائم الأمن ويبعث رسالة مباشرة للداخل العراقي والدول الإقليمية والولايات المتحدة الأمريكية مفادها بأن السيادة العراقية خطّ أحمر، وأن العراق قادر على حفظ أمنه، الأمر الذي يتطلب دعماً شعبياً وسياسياً ونيابياً”.