لا يحضر صوت فوزي بشرى إلا في الشديد القوي، فمجرد أن تسمع عزفه الموسيقي، المسكون بالشجن، تدرك أن أمراً جللاً قد وقع، ولو لم تكن منتبهاً لذلك، فماذا لو كان الحدث في السودان، وصاحبنا سوداني أصيل؟ إن حضوره – إذن – هو فرض عين لا فرض كفاية؟!
بالقواعد المتعارف عليها، لا بد أن يكون التقرير التلفزيوني مركزاً، ومكثفاً، ليكون – بالتالي – مختصراً، لكن تقارير فوزي بشرى، تخرج على المتعارف عليه، لتؤسس لنفسها مدرسة مختلفة هي سيدة قواعدها، وفي ظني أن المدربين في برامج كتابة التقارير، سيجدون أنفسهم في أزمة، إن ذكروا القواعد التقليدية لكتابتها، ثم تم استدعاء تقارير فوزي بشرى، مثالاً، إنها تثبت أن القواعد ليست بالضرورة صحيحة في كل الحالات، تماماً إذا حدث وقال مدرب إن الجملة القصيرة في كتابة المقال الصحافي، هي الأفضل، فماذا عن جملة هيكل الطويلة، التي مع طولها لا تفقد موسيقاها، أو سحر بيانها.
الأمر الذي لا يفقد القواعد أهميتها، لكن يثبت أن هناك استثناءات في كل مجال، هي فوق القواعد، وخارج الحدود، ولا يجوز قياسها وفق محددتها، وإلا فقدت القواعد والمحددات هيبتها، باستدعاء مثل هذه النماذج! ذلك بأن فوزي بشرى لا يعلق على الأحداث، بقدر ما يسبر أغوارها ويفسرها، فاذا بنا أمام مشرط جراح، مارس عمله، في أجواء موسيقية، تمثل في هذا الصوت الفخم، وهذه الكلمات اللحن.
في مرحلة الحب العذري
يقول: “إنها المواجهة التي كانت نذرها تملأ الأفاق”، وكيف أنها حرب تبدو في التفسير البسيط إنها بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقيادة الدعم السريع برئاسة حميدتي، لكنها في التعريف الأكثر دقة هي حرب الجميع ضد الجميع!
ويرجعها فوزي بشرى لأسباب عده لدى كل فريق، ما يجمع بينها هو الصراع على السلطة بين الجنرالين. لا يميز بشرى بينهما وبأن أحدهما جنرال محترف، وأن الثاني أقرب إلى منتحل الصفة، لولا الاعتراف القانوني برتبته. وبجانب هذا فإن حميدتي يحارب من أجل البقاء، في حين أن البرهان يعيش في ضغوط من المكون العسكري الإسلامي، وغيره من الذين لا يستسيغون وجود قوات الدعم السريع بكل هذا النفوذ!
فضلا عن أن عبد الفتاح البرهان، يعيش في أجواء رؤيا والده له بأنه سيكون له “شأن عظيم”، وهنا يُذكر فوزي بشرى بزيارة البرهان للقاء رئيس وزراء إسرائيل في أوغندا. فلدى من يحلمون بالسلطة في العالم العربي يقين أن طريقهم اليها يمر عبر إسرائيل، وكذلك فعل البرهان، لكي تتحقق رؤيا والده، لا سيما وأن زميله المصري، حلم ونال، وإن ذكر أحلامه بنهاياتها المفزعة، فإننا لا نعرف ماذا رأى والد البرهان، ففسره على أنه سيكون له هذا الشأن الكبير، ولماذا لم يفسر هذا الشأن إلا بكرسي الرئاسة؟!
يذكر فوزي بشرى من خلال لقطات تلفزيونية بخطاب سابق لكل من الزعيمين؛ البرهان وحميدتي، في مرحلة الحب العذري، فالبرهان يشيد بالدعم السريع وما قدمه من تضحيات من أجل الوطن، وحميدتي يسخر ممن يقولون بوجود خلاف بين الجيش والدعم السريع. لكن شهر العسل انتهى، وصار بأسهما بينهما شديداً.
يقول فوزي بشرى: “لقد وظف البرهان استراتيجية البشير بحذافيرها وفحواها (حميدتي حمايتي) ما فات على البرهان إن حميدتي رمى عن نفسه صفة الحماية، التي كان فرحا بها أيام البشير، رمي الحية جلدها القديم، فقد خبر أروقة السلطة ورأى تهافت الناس فيها وعرف سطوة المال في إدارة الرؤوس بما فيها رأس حميدتي نفسه”.
ويقول: “هذه حرب بين جنرالين لا يريان أمامهما إلا تخيلات السلطة الموردة طلابها بغير حق موارد الهلاك، ومع ذلك فان خيارات الشعب هي خيارات بين الثابت والمتغير؛ والثابت هو الجيش ويجب النظر اليه على أنه المؤسسة الضامنة لبقاء الدولة السودانية، في هذا الثابت هناك متغير اسمه البرهان، سيمضي كما مضى غيره فلا تحجبنك صورته عن رؤية الجيش الذي هو من شروط بقاء الأوطان.
“أما قوات حميدتي التي تخوض حربا لا تجد مسوغاً وطنياً ولا أخلاقيا فهم جنود جاءت بهم الفاقة والعطالة؛ إنهم حصاد الدولة التي عجزت عن الاستثمار في شبابها، كانوا يطلبون من حميدتي أمواله وكان حميدتي سخياً في بذلها من اجل تكوين قوته العسكرية الضاربة التي خرجت من رحم القوات المسلحة في تعبير للبرهان”
إن من البيان لسحرا.
” مصر الإخبارية” وأحداث السودان
صار اسمها “النيل”، مع أنها ضمن قنوات النيل المتخصصة، فكيف يمكن للمشاهد أن يعرف أنها قناة “النيل الإخبارية”، التي تغير اسمها أكثر من مرة، وكيف يمكن التعريف بها بأنها “قناة مصر الإخبارية”، وهناك قناة أخرى تحمل اسم “القاهرة الإخبارية”!
ورغم أنها مستمرة محطة إخبارية، فيبدو أنها سقطت من “قعر القفه”، ونزعها التعريف سابق الذكر، لأنها لم تعد قناة مصر الإخبارية، القوم كانت لهم تجربة إخبارية هي “اكسترا نيوز” قبل أن يطلقوا “القاهرة الإخبارية”، لكن الأولى لا تزال تغطي الأحداث، لكن بدا واضحاً، أن “النيل” ممنوعة من تغطية حرب السودان، حتى لا تنافس القناة المعتمدة!
أدهشني والحرب معلنة في السودان، بينما قناة “النيل” تبدو كما لو كانت تبث ارسالها من كوكب المريخ، فهل نجحت “القاهرة الإخبارية”؟
يعد عبثاً أن نقارن بين “القاهرة الإخبارية” و”الجزيرة” في الأحداث الكبرى، ليس فقط لأن مارد القناة القطرية يخرج من القمقم في الأحداث، ولكن لأن فرق الخبرة لصالحها، وكذلك مساحة الحرية في التعاطي مع الحدث، فيظهر حميدتي في “الجزيرة مباشر”، حتى يبدو للجاهل إنها تعتمده، فاذا بالبرهان في مداخلة عبر “الجزيرة الإخبارية”، ومع ذلك فقد كانت محظوظة بوجود المسلم الكباشي مدير مكتبها في الخرطوم، في الدوحة، وقت اندلاع الحرب، فأفاد كثيرا بوجوده في الأستوديو، من خلال المعلومات المكثفة التي أثرى بها التغطية، على نحو لم يكن يمكن أن يؤديه لو أنه في السودان!
نعلم أن القناة الإخبارية تنطلق من منطق انحياز السلطة للبرهان، لكن ما كان يجوز لهذا الانحياز أن يمنعها من تقديم تغطية تليق بقناة تنطلق من دولة جوار، و”سكاي نيوز عربية” منحازة لحميدتي، لكنها عالجت الموقف بما يليق به كحدث مهم، في حين أن تغطية “القاهرة الإخبارية” تفتقد للحماس المطلوب.
ومهما يكن فهل يكون السبب في هذه الصورة الباهتة لـ “النيل”، لضمان خروجها من الخدمة، ومن إيجاد المبرر الكافي لإغلاقها؟!
لا بأس فقد نافست قناة “النيل” تلفزيون السودان المحاصر، في الغياب!
إعادة اكتشاف نساء الأحياء الشعبية
في سياق الدعاية المجنونة لمسلسل “جعفر العمدة”، اندفع القوم في اتجاه تصوير نساء الأحياء الشعبية على أنهن كائنات غريبة عن المجتمع المصري، يلزم إعادة اكتشاف كلامها، واكتشاف طريقة تصرفها!
فمن قامت بدور “وداد”، وهي مذيعة غير معروفة، وممثلة تحت التدريب، قالت إنها ارتدت “العباية” وذهبت إلى حي السيدة زينب، لتعرف كيف تتعامل النساء هناك وكيف يتصرفن!
الممثلة المبتدئة، لا يُعرف عنها أنها من “هوانم جاردن سيتي”، فهي من محافظة الإسكندرية، وحتى وإن كانت من سكان المناطق الراقية هناك (وهو ليس مؤكداً)، فإن التنوع في مصر مفتوح وليس منغلقاً، وإن الحدود ربما لا تكون إلا مع محدثي النعمة الجدد من خلال المدن الساحلية الجديدة، منذ سنوات مبارك الأخيرة، لا سيما في عهد وزير اسكانه محمد إبراهيم سليمان (الأمر الذي لم يحدث في عهود غيره)، لكن في الحل لا الترحال فان المجتمعات مفتوحة، والأحياء الشعبية تحيط بالمدن الكبرى من كل جانب، بما تمثله من أصالة وقيم!
حديث أنها ارتدت العباءة وذهبت هناك كونها مستشرقة، يفتح الباب لسؤال: وهل يكفي هذا المرور العابر للوقف على التصرفات وطريقة الكلام، إلا إذا كان الهدف هو لإثبات التميز الطبقي، لمن غير ثابت إنها مستشرقة، وقد وجدت مجالاً في مرحلة صار فيها القائمون على الأمر في الإعلام، لا يعرفون حدود ما يقال وما لا يقال!
نأسف لنساء الأحياء الشعبية.
صحافي من مصر