«وداد الغازية»… فيلم استعراضي موسيقي من أرشيف نادية الجندي

في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، كانت هناك فئة من الغجر تعمل بعض فتياتها ونسائها في مهنة الرقص الشرقي، حيث كان يُطلق عليهن الغوازي، وهؤلاء يزداد نشاطهن في الموالد والاحتفالات الشعبية في الريف المصري، ففي تلك الحقبة الزمنية كان المُجتمع ينقسم نصفين، النصف الأول من الإقطاعيين وأصحاب الأملاك والحظوة والمعالي. أما النصف الثاني فهم أهل القُرى من الفلاحين الأجراء، وبعض الوافدين من البدو الرُحل الذين يعملون في كار الغناء والرقص وإحياء الأفراح، وعادة ما يرتبط نشاطهم الفني والإبداعي بإسعاد البشوات والبكوات من طبقة الحُكام، كشرط لبقائهم وعدم ملاحقتهم بالأذى والعدوان، وبالطبع كانت استباحة الأعراض تدخل ضمن النشاط الفني، فالبكوات يجدون متعتهم في استعباد الغلابة والويل للجميلات، اللاتي يمتلكن مقومات الجذب والدلال.
الكاتب جليل البنداري انتبه إلى الواقع المؤلم لطبقة الغجر والغوازي، فكتب قصة فيلم «وداد الغازية» مع مصطفى محرم كاتب السيناريو وبهجت قمر صائغ الحوار وجمال سلامة مؤلف الموسيقى التصويرية، ولأن نادية الجندي كانت هي بطلة الأدوار الجريئة، ونجمة الشباك في فترة الثمانينيات فقد وقع اختيار المخرج أحمد يحيى عليها لتلعب دور وداد الغازية. وبالفعل أسندت البطولة لنجمة الجماهير في واحد من أجرأ أفلامها الاستعراضية الموسيقية، حسب التصنيف الإبداعي للأحداث والشكل الفني لتوظيف القصة الإنسانية المأساوية، التي لم تخلُ من الإسقاط السياسي على فترة الحُكم الملكي وزمن الإقطاع، الذي حوّل البؤساء من البشر إلى مجرد دُمى تحركها أصابع الحكام في القرى والنجوع، فالبرنس أفندينا «عادل أدهم» يحتكر نشاط وداد الغازية ويسخر طاقاتها الفنية لسعادته الشخصية، بيد أن المُفارقة تأتي من رفض وداد الانصياع لأوامر البك الكبير صاحب السُلطة والصولجان، والحاكم بأمره في المجتمع الريفي الأسير.
ومن هنا يبدأ الصراع الحقيقي بين وضاعة الطبقة الحاكمة واستبدادها وشرف الغلابة الذي يأبى الانتهاك ويرفض المذلة، فوداد ليست إلا فتاة تمتهن الرقص لتعيش، لكنها ترفض أن تكون مطية للأسياد، وتحتمي في حربها الضروس مع أفندينا «عادل أدهم» بالضابط حسن «محمود ياسين» رجل البوليس المصري الوطني، المُتمسك بالعزة والكرامة والرافض لكل أشكال الاستغلال والاستعباد. وأمام جحافل القوة والعدوان وسيطرة رجال السرايا وعملاء الاحتلال، لم يكن أمام الثنائي الوطني الضابط حسن ووداد الغازية سوى المقاومة صوناً للشرف والعرض، وتتداعى الأزمة بإصرار أفندينا على احتكار وداد والنيل منها، وهي الصورة المُعادلة لصورة الوطن المُنتهك والمُحتل، لكن تزداد المقاومة ويقوى عود وداد ويتسع أفقها، فتستغل أنوثتها وولع البك بها للإيقاع به والسيطرة عليه، بدلاً من سيطرته عليها، وتظهر سجاياها الوطنية وفطرتها السليمة كفتاة شريفة عفيفة بحكم التجربة، فتحتال على من يُريد امتلاكها وتنجح خطتها في تخليص حسن من قبضة أعدائه المُتربصين به، مأمور القسم «عبد الله فرغلي» التابع والمملوك لأسياده من عُملاء القصر ورجاله، وسيد زيان العسكري البسيط الذي يُمثل يد البطش والكرباج المُسلط على أجساد الفلاحين الغلابة.

تفوقت نادية الجندي في أداء دورها كونها مُتمرسة على القيام بمثل هذه الأدوار، التي تتطلب لياقة بدنية عالية وشخصية قوية مُقنعة، لاسيما أنها جسدت قبل ذلك شخصية «بمبه كشر» في فيلم مُماثل.

إنها مفردات التركيبة الاجتماعية في منظومة الظُلم القائمة بقرارات الاحتلال الإنكليزي والمندوب السامي البريطاني قبل الحصول على الاستقلال وتحقيق الجلاء التام عن البلاد، تمت صياغتها في عدة صور سينمائية ابتعدت قدر الإمكان عن مواطن الإثارة الفجة والمُبالغة فيها من أجل استثمار نادية الجندي وإرضاءً لشباك التذاكر، لكنها عمدت إلى التركيز على القضية الأساسية التي تستهدف في المقام الأول تبرئة مجتمع الغجر من الانحراف والمجون والقوادة، وإبعاد الشبهة عن وداد الغازية كفنانة وإنسانة تتمتع بما يتمتع به باقي البشر من أحاسيس عاطفية نقية ومشاعر وطنية صادقة.
ولعل الطريقة التي كتب بها جليل البنداري القصة، ساعدت مصطفى محرم ككاتب للسيناريو وبهجت قمر كصائغ ماهر للحوار على بلورة الفكرة الأساسية، وهي الدفاع عن الفئات البسيطة الواقعة تحت القهر اليومي للقمة العيش، وطُرق الحصول عليها، وأيضاً الدفاع عن شخصية وداد كإنسانة قبل أن تكون راقصة، حيث أنها لم تختر بنفسها المهنة التي اكتسبتها وتمرست عليها كي تعيش وتحيا وتواصل مشوارها القاسي في الحياة بين وحوش الرغبة وعبيد الجسد.
تنتهي أحداث الفيلم بمقتل أفندينا وإصابة وداد الغازية إصابة بالغة تجعلها قاب قوسين أو أدنى من الموت، وتتلون الشاشة في مشهد النهاية باللون الأحمر كناية عن دموية الواقع واستمرار الصراع الذي تدخل فيه الجماهير من أهل القرية المقهورين طرفاً، في استشراف صريح لقيام ثورة يوليو/تموز 1952، وهي نقطة الحسم التي اختارها المخرج أحمد يحيى كحل للأزمات الاجتماعية ونهاية حتمية لزمن الاحتلال والإقطاع والعبودية، فبيد الشعب وحده يتم تغيير الواقع وينبلج ضياء الصُبح من بين خيوط الظلام.. هكذا كان المعنى وكانت الرسالة.
لقد تفوقت نادية الجندي في أداء دورها كونها مُتمرسة على القيام بمثل هذه الأدوار، التي تتطلب لياقة بدنية عالية وشخصية قوية مُقنعة، لاسيما أنها جسدت قبل ذلك شخصية «بمبه كشر» في فيلم مُماثل. كذلك برع عادل أدهم في تقمص شخصية البرنس بأداء مُختلف اقترب به من طبيعة بكوات الاحتلال النهمة للمال والشهوات، والضعيفة تمام الضعف أمام سطوة النساء وجمالهن، وهي آيات المرض النفسي والنقص المعيب والميل الغريزي للاستبداد والإستقواء بالسُلطة والجاه والنفوذ في تفسير منطقي لحالة الشيزوفرينيا التي كان يعاني منها هذا الصنف من رجال الحُكم في الأزمنة البائدة، الفاقدين لحيثيات الرجولة والمروءة والقيادة والجالسين على عروش قوامها الظُلم والقهر لأكثر من نصف قرن، كل حسب منصبة ورتبته ودرجته في الدولة الآيلة للسقوط أو الساقطة بالفعل!

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية