فقد عالم كرة القدم ليلة الأربعاء الماضي واحداً من أروع أساطيرها ومواهبها عبر تاريخها، برحيل النجم الأرجنتيني السابق دييغو مارادونا.
المتابعون لحياة مارادونا لم يتفاجأوا برحيله، رغم صغر سنه نسبياً بوصوله عامه الستين، كونه عانى مراراً وتكراراً من أزمات صحية، انهت حياته ليلة الأربعاء بسكتة قلبية، كانت الثالثة في آخر 20 عاماً، بعد عامي 2000 و2004، وكله بسبب ادمانه المفرط في تناول الكحول والهيروين.
مارادونا كان بالنسبة لجيلي الملهم الأول والوحيد في عقد الثمانينات، وسبب عشق الملايين للعبة، وهذا كله قبل عصر الانترنت والسوشيال ميديا و”اليوتيوب” و”فيسبوك” و”تويتر”، حيث كنا نتحين قدوم ظهيرة كل يوم خميس لمشاهدة البرنامج الرياضي الوحيد، كي نلقي نظرة على آخر ما يفعله الفتى الذهبي، مع برشلونة أو نابولي او المنتخب الأرجنتيني من فنيات ولفتات نعجز على تصديقها، وكنا ننتظر بفارغ الصبر قراءة الصحف لمعرفة المزيد ولنشبع عطشنا وولعنا بكرة القدم وبهذه الموهبة، لكن الصفحات الرياضية في كل الجرائد كانت كلها متشابهة، وكلها تنقل الخبر من الوكالات، وكلها باهتة ومختصرة وقديمة ولا تشبع ولا تسمن. لكن عندما جاء مونديال المكسيك في 1986 تسمرنا أمام الشاشات لكي نرى هذه الموهبة الخارقة في نقل مباشر بدون ابتذالات أخبار وكالات الأنباء ولا تخمينات خبراء الرياضة في الصحف، الذين كانوا دائما مهمشين، كون الرياضة عموما في ذلك الوقت كانت لا تلقى اهتمام النخبة وصانعي القرار، ويا ليتهم أدركوا ما افتقدوه. في ذلك المونديال كانت الامور تسير بشكل عادي حتى دور الثمانية، فمارادونا لم يسجل سوى هدف واحد في 4 مباريات، لكن ما حدث في دور الثمانية (ربع النهائي) أمام انكلترا ظل خالداً وعالقا في الأذهان الى الأبد، حيث سجل مارادونا هدفاً اعتبر من الأكثر جدلاً في تاريخ النهائيات، وجاء بقبضة يده في مرمى الانكليزي بيتر شيلتون، اعتبرها مارادونا لاحقا انها “يد الله”، وبعدها سجل ما اعتبر الى اليوم أروع هدف في تاريخ كأس العالم، عندما راوغ من نصف الملعب 6 لاعبين انكليز بينهم الحارس شيلتون. وبعد هذه المباراة بالتحديد أصبح مارادونا “قديساً” اشبه بالآلهة عند الارجنتينيين، خصوصا بوجود حالة البغض على الانكليز بعد حرب جزر فوكلاند قبلها بـ4 سنوات. لكن ما حصل بعدها قلة تتحدث عنه الناس، عندما سجل هدفين ولا أروع ضد بلجيكا، الذي حوى جيلاً ذهبيا من اللاعبين على غرار اليوم، في الدور نصف النهائي، ليقود فريقه المغمور الى المباراة النهائية، حيث صنع خلالها هدف الفوز ضد ألمانيا الغربية بتمريرة ساحرة لزميله بورشاغا.
وشارك مارادونا في مونديال 1990 للدفاع عن لقبه، لكن الجميع كان يتربص به، وتعرض للرقابة اللصيقة والاعاقات المتعمدة والخشونة ما أثر على عطائه، في الواقع احتسبت عليه 3% من كل الاخطاء والاعاقات خلال مونديالي 86 و90، وهي 103 اعاقات في 14 مباراة، وهي أكثر بـ62 مرة على أي لاعب آخر، ونحن نتحدث في عصر كانت الخشونة الزائدة مسموحا بها، ولا تقتضي الانذار او الطرد على غرار أيامنا هذه.
وما بين المونديالين صنع مارادونا لمدينة نابولي تاريخها في كرة القدم، عندما قاد الفريق الى احراز لقبي الدوري الوحيدين في تاريخ النادي في 1987 و1990، وأيضا أول لقب أوروبي بالفوز بكأس الاتحاد في 1989. ورغم ان انجازه مع أنديته الأوروبية يظل أقل بكثير مما يحققه “فلتة” اليوم ليونيل ميسي، الا ان الأخير يدرك انه من المحال أن يصل الى مرتبة مارادونا من الشعبية والتقديس داخل الأرجنتين، حتى لو أحرز كأس العالم، لأن السبب الرئيسي، ان مارادونا هو ابن الأرجنتين حيث لعب وصقل موهبته وعرفته الناس وعشقته، فيما لم تسمع عن اسم ميسي الا في كتالونيا.
مارادونا حظي برثاء الجميع حول العالم، وكان يسارياً وثورياً، معادياً للامبريالية والرأسمالية ومحبا لفلسطين، واصفاً قلبه بأنه فلسطيني. الغريب ان الصحف الانكليزية والاعلام البريطاني، المفترض انه “غشهم” في مونديال 1986، رثوه ونعوه وكأنه ابنهم، ولم يكترث أحد الى مشاكساته وحياته الخاصة الملبدة بالادمان على الهيروين والكحوليات، وهو ما أيقنه الأرجنتينيون العام الماضي عندما نشروا لافتات عريضة مع صورته في أنحاء البلاد تقول: “لا يهم ما فعلته في حياتك… المهم ما فعلته في حياة الآخرين”… شكرأً دييغو ووداعاً.
@KhaldounElcheik