وزارة الثقافة المصرية: تركة ثقيلة تنتظر الوزير الجديد!

على مدى سنوات قليلة شهدت وزارة الثقافة تغييرات جذرية في قياداتها العُليا والفرعية، فقد تعاقب على منصب الوزير عدد كبير من الشخصيات الثقافية والأكاديمية في غضون سنوات محدودة، ما يوحي بجسامة المسؤولية وضخامة الملفات الثقافية في شتى القطاعات المُختلفة على عكس ما يبدو للبعض من سهولة المنصب وانسيابية الإجراءات اللازمة للإدارة، لترتيب دولاب العمل في القطاعات الفنية والإبداعية.
في كثير من الأحيان يتصور البعض أن وزارة الثقافة هي القطاع المعني بالفنون والترفيه فحسب، وهو تصور غير دقيق، لأن الترفيه والإبداع والفن والمهرجانات هي الانعكاس الضوئي لما يتم من جهود مُضنية داخل الأروقة بعد محاولات شاقة ومُرهقة لتذليل العقبات الإدارية، وفض الاشتباكات بين الموظفين والقياديين، وتسوية الميزانيات وترتيب الأولويات وإحصاء المشروعات في المجال الموسيقي والسينمائي والغنائي والأدبي والثقافي، كما تقتضي الضرورات واللوائح.
حينئذ تتداخل الأرقام وتتشعب المسؤوليات، فإما أن ينتبه الوزير لكل كبيرة وصغيرة، وإما أن يكتفي بصناعة الأحداث الفنية ويركز على الإبهار، باعتباره الشيء المرئي والملموس، والعنصر المساعد القوي القادر على إخفاء العيوب التحتية التي لا يراها ولا يلمسها إلا من هم داخل المطبخ الثقافي فقط.
قبل تولي الكاتب الصحافي حلمي النمنم مسؤولية الوزارة، كان هناك اضطراب حقيقي في الملف الثقافي، وغياب للرؤية المستقبلية بطابعها الاستراتيجي، لذا تم التوسم في النمنم بوصفه واحداً من النخبة المُثقفة، وكاتباً مُتخصصاً في الشؤون الثقافية، ولديه دراية بأهم القضايا فأوكل إليه أمر الثقافة وألقيت كل تبعاتها على كاهله، وللأمانة بذل حلمي النمنم جهوداً مُضنية للارتقاء بالأداء العام للقطاعات الثقافية، لكنه واجه تعقيدات كثيرة كانت أبعد ما يكون عن ذهنه وخطته، فآثر السلامة وخرج من ديوان الوزارة بهدوء.
بعده جاءت عازفة الفلوت ومديرة دار الأوبرا إيناس عبد الدايم، فتولت المنصب وهلل لها المُنتمون للفن والموسيقى ورموز القوة الناعمة، واعتبروا اختيارها لمنصب وزير الثقافة، تعويضاً مُضاعفاً لها عن منصب مدير دار الأوبرا الذي تركته مُرغمه في فترة حرجة من الفترات التي وقفت فيها المؤسسات الثقافية المصرية في مُفترق الطُرق.
وبدأ الحراك الثقافي يتصاعد تدريجياً وتفاءل البعض، لكن ما هي إلا شهور قليلة وبدأت العيوب القيادية تظهر شيئاً فشيئاً، الأمر الذي ترتب عليه حالة من التذمر في صفوف بعض المثقفين لاعتناء الوزيرة بالقضايا الفنية والموسيقية واهتمامها بالمهرجانات كوسيلة دعائية توحي بكثافة الفعاليات، علماً بأنها بذلت مجهوداً لا يُنكر في تطوير القطاعات الثقافية الأخرى، كقطاع الطباعة والنشر، وقطاع النحت والتصوير والفن التشكيلي وغيرها. لكن لم تفلح كل المحاولات المبذولة من جانبها في إقناع المُعارضين لها بصلاحيتها للمنصب، وبالطبع كانت هناك تفاصيل أخرى دارت وقائعها وراء الكواليس، أدت إلى استبدالها في أقرب تغيير وزاري بنيفين الكيلاني الأستاذة الأكاديمية وعميدة المعهد العالي للنقد الفني في أكاديمية الفنون والعميدة السابقة أيضاً للمعهد العالي للبالية، ورئيسة صندوق التنمية الثقافية. وكالعادة عول الكثير من المُثقفين على نيفين الكيلاني في إحداث تغييرات ملموسة وقوية في الملف الثقافي، وكيفية تعامل الدولة رسمياً مع أولوياته القصوى، كأزمة النشر والترجمة ومنح التفرغ التي اعتبرها البعض منحة دائمة لا تنقطع، وباباً مفتوحاً على مصراعيه للتكسب، حيث تم التنبيه مراراً إلى تكرار الأسماء التي تحصل دون استحقاق على المنح بالمحسوبية والوساطة والتزلف إلى القيادات الثقافية المسؤولة عن هذا الشأن.
وخلال العامين الماضيين ومنذ تولي الكيلاني مسؤولية الوزارة في عام 2022 لم يشهد القطاع الثقافي الرسمي جديداً يُذكر على أي صعيد، واقتصرت الأنشطة، كما هو معهود على معرض القاهرة الدولي للكتاب كتقليد سنوي، وبعض المهرجانات السينمائية والمسرحية، وتكريم النجوم والنجمات وتوزيع جوائز الدولة على الشخصيات المُختارة، ما دعا إلى التفكير مُجدداً للبحث عن قيادة أخرى تتولى منصب وزير الثقافة، لتُدير الحركة الثقافية بشكل متوازن، بعيداً عن الأنشطة الشكلية والتعامل السطحي مع الثقافة بوصفها وسيلة ترفيهية تنطوي على عدة مجالات خفيفة ومُسلية.
وقد وقع الاختيار على أحمد فؤاد هنو لتولي منصب وزير الثقافة خلفاً لنيفين الكيلاني، وهو من مواليد ديسمبر/كانون الأول 1968، حصل على بكالوريوس كلية الفنون الجميلة قسم حفر في عام 1992 وماجستير أفلام الرسوم المُتحركة التجريبية في جامعة القاهرة عام 1997، ونال درجة الدكتوراه في فلسفة الفن وتخصص في الاتصال المرئي وإبداع أفلام الرسوم المُتحركة. ويعتبر هانو، وفق المُتاح من المعلومات من مؤسسي جامعة الجلالة الأهلية، التي شغل فيها منصب نائب رئيس الجامعة لشؤون الطُلاب وعميد كلية الفنون والتصميم عام 2021 ثم عميداً لكلية الفنون الجميلة في جامعة حلوان عام 2019 ثم رئيساً للمُلتقى الدولي للرسوم المتحركة التابع لصندوق التنمية الثقافية في وزارة الثقافة في عام 2022.
وبهذا يُعد أحمد فؤاد عبد السلام هنو هو الأنسب من وجهة نظر من رشحوه لمنصب وزير الثقافة، لإدارة الشؤون الثقافية المصرية، والتعامل مع أهم ملفاتها بأسلوب مُختلف عن سابقيه، وإلى أن يحدث ذلك بالفعل سنظل في حالة ترقب وانتظار.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية